آخر الأخبار

البحرية الإسرائيلية.. من حراسة الساحل إلى ذراع الحرب البعيدة

شارك

في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي

تتقدم البحرية الإسرائيلية، في الحرب التي أعقبت السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، من موقع الذراع المساندة إلى قوة تدفع بها تل أبيب إلى ساحات بعيدة، من غزة ولبنان إلى سوريا والبحر الأحمر وإيران.

ويكشف هذا الصعود معادلة مزدوجة: بحرية أكثر حضورًا وجرأة، لكنها أشد اعتمادًا على الولايات المتحدة الأمريكية وشبكات التعاون الإقليمي والدولي.

اقرأ أيضا

list of 2 items
* list 1 of 2 حرب إيران ورسائل القصف.. ماذا تكشف الأهداف غير المضروبة؟
* list 2 of 2 صحف بريطانية: إنفانتينو فشل بإعادة بناء الثقة في فيفا end of list

عمق جديد

تتعامل إسرائيل اليوم مع البحر بوصفه عمقًا إستراتيجيًا لا حدودًا خلفية. وقد بدأ هذا التحول قبل الحرب، مع اكتشافات الغاز واتساع المياه الاقتصادية، لكنه تسارع بعدها بصورة واضحة.

فبعدما كان النقاش يدور أساسًا حول حماية حقول الغاز والساحل، اتسعت المهام لتشمل حماية التجارة، ومنع التسلل، وإسناد القوات البرية، وضرب الأهداف الساحلية، والدفاع الجوي، والمشاركة في عمليات بعيدة.

وتتقاطع قراءات مركز حيفا للسياسة والإستراتيجية البحرية، ومعهد دراسات الأمن القومي، ومركز بيغن-السادات على أن المجال البحري بات جزءًا صميمًا من مفهوم الأمن القومي الإسرائيلي.

مصدر الصورة تتعامل إسرائيل اليوم مع البحر بوصفه عمقًا إستراتيجيًا، لا حدودًا خلفية (غيتي)

وتستند بنية هذه القوة إلى سفن الصواريخ والغواصات والكوماندوز البحري، إلى جانب وحدات حماية الموانئ والمهام تحت المائية والمنظومات غير المأهولة.

لذلك، لا يعني تحويل البحرية إلى "ذراع إستراتيجية" شراء سفن جديدة فحسب، بل توسيع وظائفها من الحراسة القريبة إلى الاستخبارات والضرب البعيد والدفاع الجوي وحماية الاقتصاد والطاقة.

خطة حوشن

في مارس/آذار 2026، قال رئيس الأركان إيال زامير إن "البحر والفضاء هما العمق الإستراتيجي" لإسرائيل، وتعهد بأن تعزز خطة "حوشن" مكانة البحرية وتوسع قدرتها على العمل في مديات أبعد، رابطًا ذلك بعمق التعاون مع البحرية الأمريكية في الشرق الأوسط.

إعلان

وبحسب هيئة البث الإسرائيلية، تمتد الخطة من 2026 إلى 2030، وتستند إلى دروس الحرب، وتشمل تعزيز البحرية بوصفها ذراعًا إستراتيجية مكملة لسلاح الجو، إلى جانب الذكاء الاصطناعي والروبوتات والفضاء.

مصدر الصورة خطة "حوشن" متعددة السنوات، المبنية على دروس الحرب، وتشمل تعزيز البحرية كذراع إستراتيجية مكملة لسلاح الجو (أسوشيتد برس)

وتواكب الخطة صفقات تسليح جديدة، أبرزها شراء خمس سفن من طراز "رشف" بقيمة 2.8 مليار شيكل (نحو 770 مليون دولار)، على أن تُصنع محليًا وتُسلّم خلال نحو ست سنوات لتحل محل سفن "ساعر 4.5" القديمة، وفق ما ورد في تقرير "ذا ماركر".

وقالت صحيفة "كالكاليست" إن الكلفة الإجمالية قد تصل إلى نحو أربعة مليارات شيكل (نحو 1.1 مليار دولار) عند احتساب منظومات السلاح الإسرائيلية التي ستُركب عليها.

أما الغواصات، فقد وقعت إسرائيل عام 2022 اتفاقًا مع ألمانيا لشراء ثلاث غواصات من سلسلة "داكار" بنحو ثلاثة مليارات يورو (نحو 3.1 مليارات دولار)، على أن تُسلّم الأولى بعد نحو تسع سنوات.

غزة ولبنان

في غزة، بدأت الحرب البحرية بإخفاق تسلل مقاتلي حماس عبر البحر إلى زيكيم في السابع من أكتوبر/تشرين الأول. وبحسب "يديعوت أحرونوت"، أوقفت القوات الهجوم ومنعت اتساعه، لكنها لم تمنع الاختراق الأول.

بعد ذلك، تحولت البحرية إلى قوة إسناد ناري واستخباري للقوات البرية. وأعلن الجيش في نوفمبر/تشرين الثاني 2023 وضع ضباط من الألوية البرية داخل مراكز السيطرة البحرية، لتوجيه الضربات من البحر بالتنسيق مع المشاة والمدرعات، وإنشاء اتصال مباشر بين القوات المناورة وقادة السفن.

مصدر الصورة تحولت البحرية إلى قوة إسناد ناري واستخباري للقوات البرية في الحرب على غزة (الفرنسية)

ومع ذلك، كتب نير دفوري في القناة 12 أن البحرية لم تستنفد قدراتها في غزة ولبنان، وأن التحدي أمام قيادتها الجديدة يتمثل في توظيف الاستخبارات والضرب والإنزال بصورة أوسع.

وفي لبنان، جمعت البحرية مهماتها بين حماية منصات الغاز، ومساندة القوات البرية، ومهاجمة قدرات حزب الله الساحلية.

ونقلت "يديعوت أحرونوت" عن البحرية الإسرائيلية قولها إن معظم صواريخ الساحل-البحر التابعة للحزب دُمرت خلال الحرب، مع بقاء نحو مئة صاروخ وفق تقديراتها.

سوريا والمنع

في سوريا، ظهرت إحدى أكثر المحطات دلالة على تغير وظيفة البحرية. فبعد سقوط نظام بشار الأسد، هاجمت سفن الصواريخ الإسرائيلية الأسطول السوري في اللاذقية وميناء البيضاء، بذريعة منع انتقال قدراته إلى السلطة الجديدة أو إلى جهات معادية.

وبحسب إليشع بن كيمون في "يديعوت أحرونوت"، دُمرت 15 سفينة من أصل 21، إلى جانب منصات صاروخية ومروحيات قالت البحرية إن السوريين سعوا إلى تكييفها لمهام بحرية. وقدمت الرواية الإسرائيلية العملية بوصفها إجراءً يهدف إلى تدمير القدرة قبل إعادة تشغيلها أو انتقالها إلى طرف آخر.

وتتجاوز دلالة العملية عدد السفن؛ ففي غزة واجهت البحرية قوة غير نظامية محدودة الساحل، وفي لبنان تهديدًا صاروخيًا ساحليًا، أما في سوريا فشاركت في تفكيك قدرة بحرية لدولة. وهو ما يجعل العملية أوضح مثال على انتقالها من حراسة الساحل إلى محاولة إعادة تشكيل البيئة البحرية المحيطة بإسرائيل.

إيران والحوثيون

في الجبهة الإيرانية، لم يظهر دور البحرية أساسًا بوصفها منصة تطلق النار على إيران من البحر، بل كذراع استخبارية ودفاعية داخل معركة غلب عليها الطابع الجوي وشهدت تعاونًا أمريكيًا واسعًا.

إعلان

وبحسب تقرير بن كيمون، أسهمت استخبارات البحرية في توجيه ضربات إلى 95 هدفًا داخل إيران. كما قال الجيش إن البحرية نفذت خلال 48 يومًا 154 ضربة في مختلف الجبهات، بينها 42 ضربة من البحر، وسجل أفرادها نحو 26 ألف ساعة في البحر، وتعاملوا مع نحو 40 واقعة دفاع جوي.

مصدر الصورة في الجبهة الإيرانية، يظهر دور البحرية كذراع استخبارية ودفاعية داخل معركة تقودها جوًا إسرائيل والولايات المتحدة (الأوروبية)

وتقدم هذه الأرقام، التي أعلنها الجيش الإسرائيلي، صورة عن اتساع مهمات البحرية، لكنها تكشف أيضًا اعتمادها على الشريك الأمريكي، ولا سيما في إيران ومضيق هرمز، إذ قال مسؤول بحري إسرائيلي إن الأمريكيين أكثر خبرة في التعامل مع تلك الساحة.

وفي البحر الأحمر، انتقلت البحرية إلى الهجوم عندما أعلنت إسرائيل في يونيو/حزيران 2025 أن سفنًا صاروخية قصفت أهدافًا للحوثيين في ميناء الحديدة. لكن الضربة والغارات الجوية التي تلتها لم تُنهِ تهديد الحوثيين للملاحة أو لإسرائيل.

فبحسب مركز القدس للإستراتيجية والأمن، نفذ الحوثيون أكثر من مئة هجوم على سفن مدنية وعسكرية في البحر الأحمر وخليج عدن حتى سبتمبر/أيلول 2025.

كما أطلقوا، خلال عشرين شهرًا، ما لا يقل عن 85 صاروخًا باليستيًا باتجاه إسرائيل، واعترضت الدفاعات 59 من أصل 63 صاروخًا صالحًا للعمل، بمساهمة منظومتي "حيتس" الإسرائيلية و"ثاد" الأمريكية.

وتوضح هذه الحصيلة أن قدرة إسرائيل على الصمود قامت على شبكة دفاعية وتحالفية، لا على بحريتها وحدها.

أمن الطاقة

لا يُفهم صعود البحرية من زاوية الحرب وحدها، بل أيضًا من زاوية أمن الطاقة، كما يطرح مركز بيغن-السادات.

ففي ربيع 2026، أدى إغلاق حقلي ليفياثان وكاريش لنحو شهر، إثر هجمات صاروخية إيرانية وأخرى لحزب الله، إلى أطول انقطاع في صادرات الغاز الإسرائيلية منذ بدء التصدير إلى الأردن ومصر.

وبحسب دراسة المركز، بلغت صادرات إسرائيل من الغاز إلى البلدين عام 2025 نحو 13.2 مليار متر مكعب، بزيادة 13%.

وهكذا لم تعد حماية المنصات البحرية شأنًا اقتصاديًا محليًا فقط، بل جزءًا من شبكة إقليمية تمتد إلى الكهرباء والتجارة والموانئ والممرات البحرية.

مصدر الصورة صعود البحرية: ليس من مدخل السفن وحدها، ولكن من مدخل أمن الطاقة وتحول البحر إلى نقطة ضغط إستراتيجية (الأوروبية)

شبكة الحلفاء

يبرز التعاون الدولي بوصفه عنصرًا أساسيًا في العقيدة البحرية الجديدة. فإسرائيل تعتمد في توسيع عملها في البحر الأحمر وإيران على التعاون مع البحرية الأمريكية والأساطيل الغربية، بينما بنت في شرق المتوسط إطارًا متناميًا مع اليونان وقبرص.

وفي ديسمبر/كانون الأول 2025، وقعت الدول الثلاث خطة تعاون أمني لعام 2026 تشمل تدريبات بحرية وجوية وتبادلًا للخبرات، بعد قمة اتفقت على تعزيز أمن الملاحة ومشروعات الربط الطاقي، وفق ما نقلته "تايمز أوف إسرائيل" عن رويترز.

هنا تدخل تركيا كعامل محرك. فقد أفادت القناة 12 في يونيو/حزيران 2026 بأن أربع سفن حربية تركية اقتربت حتى مسافة مئات الأمتار من سفينة صواريخ إسرائيلية خلال مناورة قرب قبرص، قبل أن تبتعد لاحقًا.

وقدمت القناة الحادثة في سياق تحول أنقرة، بعقيدة "الوطن الأزرق"، إلى منافس بحري محتمل في الحسابات الإسرائيلية.

عربيًا، لا يمكن قراءة هذا التطور بمعزل عن سواحل لبنان وسوريا وغزة ومصر وليبيا. فتعاظم البحرية داخل مثلث قبرص-اليونان يمنح إسرائيل قدرة أوسع على مراقبة الساحل الشرقي للمتوسط، وزيادة القبضة على الحصار البحري على غزة، والضغط في المجال السوري، ومواكبة ترتيبات الطاقة والممرات.

فجوة الصمود

عززت الحرب البحرية الإسرائيلية في خمس نقاط: العمل بعيدًا عن الساحل، وربط البحر بالاستخبارات، والدفاع الجوي، وضرب الأهداف الساحلية، والعمل داخل تحالفات.

إعلان

لكنها كشفت في الوقت نفسه خمس ثغرات: إخفاق منع تسلل زيكيم، ومحدودية عدد السفن، وصعوبة حماية التجارة البعيدة منفردة، والاعتماد على البحرية الأمريكية، والعجز عن إنهاء تهديد الحوثيين بالضربات الإسرائيلية وحدها.

لذلك خرجت البحرية من الحرب أكبر سياسيًا وعقائديًا، لا بالضرورة أكبر عددًا. وتحولت إلى ذراع تقوم على خطة "حوشن"، وسفن "رشف" و"ساعر 6″، والغواصات، والاستخبارات، والدفاع الجوي البحري.

تكمن قوتها الجديدة في الشبكة التي تعمل داخلها، أما حدودها فتظهر حين يُطلب منها الصمود وحدها في البحر الأحمر ومضيق هرمز أمام إيران وحلفائها.

الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا