لم تعد تداعيات الحرب بين إسرائيل وإيران محصورة في الشرق الأوسط، بل امتدت لتعيد تشكيل موازين القوى داخل الحزب الجمهوري الأمريكي نفسه.
فمن سباق الرئاسة المبكر، إلى معركة النفوذ داخل حركة "ماغا" اليمينة الموالية للرئيس دونالد ترمب، وصولا إلى المواجهة مع المؤسسات القضائية الدولية، تتقاطع ملفات السياسة الخارجية مع الحسابات الانتخابية، في مشهد يكشف أن العلاقة مع إسرائيل باتت أحد أبرز محددات الصراع على مستقبل القيادة الجمهورية.
شعبية فانس تشهد تراجعا في أوساط عدد من كبار الممولين الجمهوريين المؤيدين لإسرائيل، بعد دفاعه عن اتفاق وقف إطلاق النار مع إيران، وانتقاداته العلنية لبعض سياسات حكومة نتنياهو
وفي خضم هذا المشهد المعقد، يواجه جيه دي فانس نائب الرئيس الأمريكي أزمة متصاعدة في أوساط المانحين والنشطاء المؤيدين لإسرائيل داخل الحزب الجمهوري، بدأت تلقي بظلالها على طموحاته السياسية لانتخابات الرئاسة عام 2028.
ووفقا لتقرير موسع نشره موقع بوليتيكو السياسي الإخباري، فإن شعبية فانس تشهد تراجعا في أوساط عدد من كبار الممولين الجمهوريين المؤيدين لإسرائيل، بعد دفاعه عن اتفاق وقف إطلاق النار مع إيران، وانتقاداته العلنية لبعض سياسات حكومة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو.
ونقل الموقع عن إريك ليفين، أحد أبرز جامعي التبرعات للحزب الجمهوري وعضو مجلس إدارة الائتلاف اليهودي الجمهوري، قوله إن دعم فانس داخل قطاعات من المجتمع اليهودي المؤيد للجمهوريين أصبح محدودا للغاية، بينما تحدث ممولون آخرون عن "حالة قلق واسعة" داخل الأوساط المؤيدة لإسرائيل بشأن مواقف نائب الرئيس.
وبحسب التقرير، يرى منتقدو فانس أن تبنيه خطابا أكثر حذرا تجاه المواجهة مع إيران، إلى جانب تأكيده أن انتقاد الحكومة الإسرائيلية لا ينبغي اعتباره معاداة للسامية، أثار مخاوف لدى بعض الداعمين التقليديين للحزب، خصوصا مع اقتراب سباق 2028 الذي يُتوقع أن يكون الأكثر كلفة في تاريخ الانتخابات الأمريكية.
وقد أعرب مانح وباحث تمويلي يهودي بارز -تحدث لبوليتيكو شريطة عدم الكشف عن هويته- عن وجود حالة عارمة من القلق والاضطراب تجاه نائب الرئيس بين الأغلبية الساحقة من الجمهوريين المؤيدين لإسرائيل، سواء كانوا مسيحيين أو يهودا.
وفي المقابل، حاولت الإدارة احتواء الموقف، وأكدت المتحدثة باسم البيت الأبيض أوليفيا ويلز أن الرئيس ونائبه على خط واحد، مشددة على أن إسرائيل حليف عظيم وأنه لا يوجد صديق لها أكبر من ترمب.
ورغم هذه الأزمة، لا يزال فانس يحتفظ بحلفاء أقوياء، إذ أكد ساندر غيربر، عضو مجلس إدارة الائتلاف اليهودي الجمهوري، أن إعجابه بقدرات فانس لم يتغير، ووصف المانح الكبير ديفيد شارف نائب الرئيس بأنه أدار مالية اللجنة الوطنية الحزبية بكفاءة عالية وأثبت التزامه بأمن إسرائيل.
وأشار التقرير إلى أن هذه الخلافات قد تفتح المجال أمام شخصيات جمهورية أخرى، وفي مقدمتها وزير الخارجية ماركو روبيو، لتعزيز مواقعها استعدادا للانتخابات المقبلة، خاصة في ظل استمرار الجدل حول سياسة إدارة ترمب تجاه إيران.
وفي سياق متصل، كشفت مجلة تايم عن تفاصيل حملة تأثير رقمي واسعة تقودها شركة يملكها براد بارسكيل، المدير السابق لحملة ترمب الانتخابية، لصالح الحكومة الإسرائيلية، بهدف تحسين صورة إسرائيل داخل الأوساط المحافظة الأمريكية، ولا سيما بين الشباب المنتمين إلى حركة ماغا.
واستندت المجلة إلى وثائق مسجلة بموجب قانون تسجيل الوكلاء الأجانب (FARA)، توضح أن وزارة الخارجية الإسرائيلية تعاقدت مع شركة "كلوك تاور إكس" التابعة لبارسكيل مقابل نحو 1.5 مليون دولار شهريا، لإنتاج محتوى رقمي مكثف عبر منصات مثل تيك توك وإنستغرام ويوتيوب، إضافة إلى العمل على التأثير في النتائج التي تقدمها أنظمة الذكاء الاصطناعي -ومنها شات جي بي تي ، وكلود وجيميناي – عند تناولها لإسرائيل والحرب من خلال إنشاء مواقع مثل "باكس بوينت" و"فاكت سيغنال" لتغذية خوارزميات هذه الأنظمة بمعلومات موجهة.
وقد رصد مسؤولون في البيت الأبيض قلقا بالغا من هذه الشبكة المأجورة، بعدما لاحظت الأجهزة الاستخباراتية تزامن وتطابق منشورات لمؤثرين من اليمين يهاجمون اتفاق وقف إطلاق النار الذي أبرمه ترمب مع إيران في 17 يونيو/حزيران المنصرم.
وصرح مسؤول استخباراتي أمريكي كبير قائلا إنهم يتحدثون عن مؤثرين أمريكيين تدفع لهم دولة أجنبية لمحاولة بناء زخم لتغيير وجهة نظر الرئيس، واصفا ذلك بالأمر الخطير للغاية.
ومع نفي بارسكيل استخدامه لأموال العقد الإسرائيلي لدفع مبالغ للمؤثرين، أكد أن جهوده تهدف لمنع انشقاق الشباب المحافظ عن دعم إسرائيل.
بيد أن مسؤولا إسرائيليا أعرب عن إحباط تل أبيب قائلا إنهم غاضبون من براد بارسكيل لأنه تقاضى الكثير من المال ولكن الأمور ساءت، مستشهدا ببيانات مركز بيو" للأبحاث التي أظهرت تراجع النظرة الإيجابية لإسرائيل بين الشباب الجمهوريين إلى مستويات قياسية.
ووفقا للمجلة، استهدفت الحملة إنتاج ما لا يقل عن مئة مادة إعلامية شهريا، وتحقيق نحو 50 مليون ظهور رقمي، مع التركيز على الجمهور المحافظ الشاب الذي أظهرت استطلاعات الرأي تراجعا في مستوى تأييده لإسرائيل خلال العام الأخير.
وأضافت تايم أن مسؤولين أمريكيين اشتبهوا في أن شبكات من المؤثرين المحافظين كانت تنشر رسائل متشابهة بصورة منسقة عقب إعلان وقف إطلاق النار مع إيران، بما بدا وكأنه حملة منظمة للتأثير في الرأي العام داخل قاعدة ترمب السياسية.
غير أن بارسكيل نفى للمجلة أي دور في تقويض سياسات الرئيس الأمريكي، مؤكدا أن هدف الحملة اقتصر على مكافحة معاداة السامية والحفاظ على الدعم التقليدي لإسرائيل داخل الأوساط المحافظة، نافيا دفع أموال لمؤثرين مقابل مهاجمة مبادرة وقف إطلاق النار.
وفي غمرة هذه التجاذبات، برز اسم وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو كأحد المستفيدين السياسيين من الأزمة، مستغلا الفراغ في جناح الصقور التقليدي الصديق لإسرائيل ليقدم نفسه كبديل مستقبلي مدعوم من أقطاب المال مثل الملياردير كين غريفين.
وفي معرض تناولها لهذا الموضوع، أفادت صحيفة غارديان البريطانية أن روبيو أطلق حملة دبلوماسية وقانونية شرسة تهدف إلى تفكيك المحكمة الجنائية الدولية في لاهاي، متهما إياها بالتدخل في السيادة الأمريكية وعمليات إنفاذ القانون والجيش.
وبحسب الصحيفة، تتضمن خطة روبيو ممارسة ضغوط على الدول الحليفة للولايات المتحدة من أجل التخلي عن دعم المحكمة، مع التلويح بفرض عقوبات وقيود على التأشيرات بحق الدول أو المسؤولين الذين يواصلون التعاون معها.
لكن خبراء في القانون الدولي -ومنهم كينيث روث المدير التنفيذي السابق لمنظمة هيومن رايتس ووتش – رفضوا مبررات الإدارة الأمريكية، مؤكدين أن المحكمة لا تدعي اختصاصا على الجرائم المرتكبة داخل الولايات المتحدة، وأن ولايتها القضائية تقتصر على الجرائم المرتكبة في الدول المنضوية تحت مظلة نظام روما الأساسي أو التي تقبل اختصاصها.
ولفتت غارديان إلى أن إدارة ترمب كانت قد فرضت بالفعل سلسلة من العقوبات على مسؤولي المحكمة، على خلفية تحقيقاتها المتعلقة بالحرب في غزة، والتي شملت إصدار مذكرات توقيف بحق رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ووزير الدفاع السابق يوآف غالانت، إضافة إلى التحقيق في ملفات مرتبطة بأفغانستان.
ويرى مراقبون أن الملفات الثلاثة تعكس تحولات متسارعة داخل السياسة الأمريكية، حيث باتت العلاقة مع إسرائيل، والحرب مع إيران، والجدل حول العدالة الدولية، عناصر متداخلة في رسم معالم المنافسة داخل الحزب الجمهوري، وفي تحديد أولويات السياسة الخارجية لإدارة ترمب خلال ولايتها الثانية.
على أن هذه التطورات التي تمور بها الساحة السياسية الأمريكية تشي بأن التحالفات التقليدية لم تعد صلبة كما كانت في السابق، وأن مفهوم "أمريكا أولا" بات خاضعا لتفسيرات متباينة وصراعات نفوذ حامية الوطيس.
وفي نهاية المطاف، تظل هذه التفاعلات مجرد جولات تمهيدية في معركة كبرى لرسم هوية الحزب الجمهوري المقبلة، وتحديد بوصلة السياسة الخارجية الأمريكية في عالم يعاد تشكيله على وقع الحروب والأزمات لسنوات طويلة قادمة.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة