في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
نشرت صحيفة جيروزاليم بوست مقالين لكاتبين إسرائيليين أحدهما عن العلاقة الثلاثية بين الولايات المتحدة وإسرائيل واليهود، والآخر عما وصفه المقال بانهيار القوة السياسية اليهودية في نيويورك.
يركز المقال الأول، الذي كتبه يديديا ستيرن وهو أكاديمي وخبير في القانون ورئيس "معهد سياسة الشعب اليهودي" الإسرائيلي، بمناسبة الذكرى الـ250 لاستقلال أمريكا، على الولايات المتحدة وما تمثله في العالم، وما قدمته لليهود، وعلى العلاقة بين الأطراف الثلاثة، وبروز تصدعات في هذه العلاقة حاليا، وما يجب على إسرائيل واليهود فعله.
ويتناول الثاني، الذي كتبه آدم سكوت بيلوس، وهو المؤسس والرئيس التنفيذي لـ"صندوق الابتكار الإسرائيلي"، وهي مؤسسة تعمل على بناء مؤسسات صهيونية، ما قال إنه انهيار للقوة السياسية اليهودية في نيويورك، وأسباب ذلك، وكيفية علاج ما حدث في المدينة لليهود وصعود زهران ممداني إلى منصب عمدة المدينة.
ونشرت جيروزاليم بوست المقالين في سياق الاحتفال بمرور 250 عاما على الاستقلال الأمريكي، إذ يقدم ستيرن قراءة واسعة للعلاقة بين الولايات المتحدة وإسرائيل واليهود، بوصفها علاقة ثلاثية تشكلت عبر أكثر من قرنين، وارتكزت على تداخل القيم والمصالح والتاريخ.
ووفقا للكاتب، فطالما نظرت الولايات المتحدة إلى نفسها باعتبارها تحمل رسالة أخلاقية وديمقراطية للعالم، وهو تصور لم يبق مجرد خطاب، حسب زعمه، بل تُرجم إلى قوة سياسية واقتصادية وعسكرية وثقافية جعلت من أمريكا مركزا عالميا مؤثرا، ومنحتها دورا محوريا في العالم الحديث.
ويرى ستيرن أن هذا الدور الأمريكي كان له أثر عميق على اليهود وإسرائيل، إذ شكلت الولايات المتحدة ملاذا تاريخيا للهجرة اليهودية، حيث استقبلت ملايين اليهود القادمين من أوروبا خلال القرنين التاسع عشر والعشرين، كثير منهم كانوا في أوضاع اقتصادية صعبة.
ويذكر ستيرن أنه مع اتساع الهجرة، تحولت نيويورك إلى أكبر تجمع يهودي في العالم مطلع القرن العشرين، ما أسهم في إعادة تشكيل التاريخ اليهودي الحديث، خصوصا في ظل "مأساة الهولوكوست" في أوروبا.
ويشير الكاتب إلى أن الاعتراف الأمريكي بإسرائيل جاء مبكرا وحاسما، إذ اعترف الرئيس هاري ترومان بها بعد 11 دقيقة فقط من إعلان قيامها، ليؤسس ذلك لعلاقة إستراتيجية متنامية بين البلدين، ترسخت لاحقا عبر دعم من الحزبين الجمهوري والديمقراطي على حد سواء.
وقال إن هذه العلاقة استندت إلى ركيزتين أساسيتين: الأولى قيمية، عبّر عنها الرئيس الأمريكي الأسبق رونالد ريغان حين وصف إسرائيل بأنها "نموذج لقوة الإيمان والشجاعة في مواجهة التحديات"، والثانية إستراتيجية، أكدها الرئيس الأمريكي الأسبق بيل كلينتون حين اعتبر الشراكة مع إسرائيل "أحد أبرز إنجازات السياسة الخارجية الأمريكية."
وضمن هذا الإطار، يضع ستيرن الجالية اليهودية في أمريكا الشمالية باعتبارها "العنصر الثالث" في هذا المثلث، حيث لعبت دورا مركزيا في ربط الولايات المتحدة بإسرائيل، وفي الوقت نفسه في ترسيخ حضور اليهود داخل البنية السياسية والثقافية الأمريكية.
ويؤكد أن هذا المثلث -أمريكا، إسرائيل، واليهود الأمريكيين- حقق خلال عقود توازنا استفادت منه الأطراف الثلاثة: أمريكا عززت نفوذها العالمي عبر إسرائيل، واليهود وجدوا في أمريكا مساحة ازدهار غير مسبوقة، وإسرائيل اعتمدت على الدعم السياسي والمجتمعي الأمريكي.
لكنّ ستيرن يحذر من أن هذا التوازن لم يعد مستقرا كما كان في السابق. إذ يشير إلى تراجع في الدعم الشعبي لإسرائيل داخل الولايات المتحدة، خصوصا في أوساط الحزب الديمقراطي، مقابل بروز مؤشرات فتور حتى داخل قطاعات من الحزب الجمهوري الشاب.
يلفت ستيرن إلى تآكل العلاقة بين إسرائيل ويهود الشتات، بسبب فجوة متزايدة بين مجتمع يهودي أمريكي يميل إلى الليبرالية، ومجتمع إسرائيلي يميل أكثر نحو اليمين المحافظ.
كما يلفت إلى تنامي المخاوف من تصاعد معاداة السامية في أطراف الطيف السياسي الأمريكي، وهو ما يهدد ما يعتبره "العصر الذهبي" لليهود في أمريكا.
وفي المقابل، يلفت إلى تآكل العلاقة بين إسرائيل ويهود الشتات، بسبب فجوة متزايدة بين مجتمع يهودي أمريكي يميل إلى الليبرالية، ومجتمع إسرائيلي يميل أكثر نحو اليمين المحافظ، إضافة إلى تقصير الحكومات الإسرائيلية في الاستثمار في هذه العلاقة.
ويخلص إلى أن إعادة ترميم هذا المثلث تتطلب جهدا سياسيا وثقافيا وإستراتيجيا، يقوم على تعزيز الدعم الحزبي في واشنطن، وإعادة بناء الجسور مع الأجيال اليهودية الشابة في أمريكا.
في المقابل، يقدم آدم سكوت بيلوس قراءة أكثر تشاؤما، إذ يرى أن ما جرى في نيويورك خلال الانتخابات التمهيدية الديمقراطية لا يعكس مجرد تغير سياسي، بل انهيارا فعليا في القوة السياسية اليهودية داخل المدينة التي كانت تُعتبر تاريخيا مركز النفوذ اليهودي الأكبر في الولايات المتحدة. ويختزل ذلك في صعود العمدة زهران ممداني، الذي يعتبره "النتيجة" لا "القصة" الحقيقية.
ويؤكد بيلوس أن المشكلة لا تكمن في نقص الموارد اليهودية، بل في غياب القدرة على تحويلها إلى قوة سياسية منظمة. فبحسب رأيه، تمتلك المؤسسات اليهودية في نيويورك كل عناصر النفوذ: المال، شبكات العلاقات، المنظمات، النفوذ الإعلامي، والمؤسسات الدينية والتعليمية، لكنها فشلت في تحويل ذلك إلى تأثير انتخابي حقيقي.
ويشير إلى أن الجانب الآخر -أي القوى السياسية المناهضة لإسرائيل أو المنتقدة لها- نجح في بناء خطاب سياسي مترابط يربط بين قضايا مثل السكن، والعدالة الاجتماعية، والعرق، وغزة، في إطار رؤية سياسية واحدة، بينما اكتفى الجانب اليهودي بإنتاج حملات تواصلية وفعاليات خطابية دون بنية تنظيمية حقيقية على الأرض.
ويرى أن ما يسميه "اقتصاد التطمين" الذي نشأ بعد 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023، اعتمد على المؤتمرات والفعاليات والخطابات والنجوم الإعلاميين، لكنه لم يتحول إلى بنية تنظيمية قادرة على التأثير السياسي. وبالتالي، فإن ما فشل فيه اليهود، بحسب وصفه، هو الانتقال من "الظهور" إلى "السلطة".
ويختتم بيلوس تحليله بنبرة تحذيرية، مفادها أن الخطر الحقيقي لا يكمن في شخصية سياسية واحدة مثل ممداني، بل في فقدان القدرة على التنظيم السياسي ذاته. فالمجتمعات، كما يرى، لا تحمي مصالحها عبر الخطاب أو الذكرى أو التمويل، بل عبر بناء قوة منظمة قادرة على المنافسة في المجال العام.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة