سلطت العقوبات التي فرضتها الولايات المتحدة، مؤخرا، على شركات تعدين رواندية، بما في ذلك مصفاة "غاسابو" للذهب، بتهمة تمويل وتسليح حركة "إم 23" المتمردة عبر شبكة غير مشروعة لتهريب الذهب والمعادن المستخرجة من جمهورية الكونغو الديمقراطية، الضوء على الدور الذي يلعبه الذهب والمعادن الثمينة في تغذية الصراعات وتمويل الأنشطة الإرهابية.
وتأتي الخطوة الأميركية في ظل مخاوف متصاعدة من الدور الكبير الذي تؤديه عمليات التصدير غير المشروعة للمعادن على نطاق واسع في تأجيج الأنشطة الإرهابية في أفريقيا.
وارتفعت الهجمات الإرهابية في إفريقيا بنسبة 25 بالمئة خلال الربع الأول من عام 2026، في واحدة من أكثر الفترات دموية منذ عام 2015. ووفقا لمنتدى الدفاع الأفريقي، توسعت أنشطة الجماعات الإرهابية في القارة بشكل كبير خلال الأشهر الماضية.
وفي مايو، حذر الجنرال داغفين أندرسون، قائد القيادة الأميركية في إفريقيا ( أفريكوم)، خلال إحاطة أمام مجلس الشيوخ الأميركي، من أن أفريقيا تواجه وضعا محفوفا بالمخاطر بسبب انتشار الجماعات الإرهابية ووجود جهات معادية تنشط في مختلف أنحاء القارة.
ووفقا لتقديرات فريق التقييم الأميركي المشترك لمكافحة الإرهاب، فإن العائدات التي تجنيها الجماعات الإرهابية من التعدين غير القانوني، والمقدرة بنحو 48 مليار دولار، تزايدت بشكل كبير خلال الفترة الأخيرة.
هجمات مكثفة
ووفقا لما نصت عليه العقوبات الأميركية، فإن مصفاة غاسابو وشركات تعدين أخرى تابعة لها شكلت قناة رئيسية لغسل الذهب غير المشروع الذي نهبته حركة "إم 23" في جمهورية الكونغو الديمقراطية.
ومنذ مايو 2025، كثفت حركة "إم 23" هجماتها على مواقع التعدين، وفرضت الضرائب عليها، وسيطرت على إنتاجها لتمويل عملياتها.
وتشير تقارير إلى أن الحركة تحصل شهريا على نحو 800 ألف دولار من سيطرتها على مناطق التعدين.
ويعبر تقرير صادر عن مركز التحليل الأمني الإفريقي عن هذه المخاوف بالقول إن التحولات الحالية في طبيعة الجماعات الإرهابية تؤكد بوضوح تداخل المصالح الاقتصادية المرتبطة بالموارد الاستراتيجية، مثل الذهب، بوصفها عنصرا أساسيا في توجيه الأنشطة الإرهابية.
عمليات مستمرة
تسيطر حركة "إم 23"، التي تأسست عام 2012، على مناطق واسعة من شرق الكونغو الغنية بالذهب.
وخاضت الحركة معارك عديدة ضد الحكومة المركزية في كينشاسا، مكنتها من السيطرة على أجزاء واسعة من إقليم كيفو ومدينة غوما، عاصمة الإقليم، الواقعة بالقرب من الحدود مع رواندا.
وفي أبريل، شن مسلحون هجوما عنيفا على منجم "موتشاتشا"، أحد أكبر مناجم الذهب في البلاد، ما أسفر عن مقتل جنود كونغوليين و17 مدنيا على الأقل، واختطاف أكثر من 100 شخص.
ووفقا لتقرير حديث صادر عن "هيومن رايتس ووتش"، ارتكب متمردو حركة "23 مارس" فظائع في شرق الكونغو.
وقال الصحفي داني جوالي، المتخصص في الشؤون الكونغولية، إن الذهب يمثل المصدر الرئيسي لتمويل أنشطة حركة "إم 23" في شرق الكونغو ومناطق أخرى من البلاد.
وأوضح، في تصريح لموقع "سكاي نيوز عربية" عبر الهاتف من مدينة غوما، التي خضعت أجزاء كبيرة منها لسيطرة الحركة لعدة أشهر، أن العقوبات الأميركية قد تحد من قدرة الحركة على الحصول على التمويل، لكنها لن تنهي عملياتها بشكل كامل ما لم يتم التوصل إلى اتفاق تشارك فيه جميع دول المنطقة، بما فيها رواندا.
وأضاف: "تعكس العقوبات الأميركية مدى تأثير الذهب والمعادن في تمويل الأنشطة الإرهابية في الكونغو، والتي أصبحت جزءا من معادلة جيوسياسية أوسع تضم عددًا من دول المنطقة".
هدف استراتيجي
وخلال الفترة الأخيرة، تحولت مناجم الذهب والمعادن النفيسة إلى هدف استراتيجي لهجمات حركة "إم 23" والجماعات الإرهابية الأخرى.
وتقع معظم مناطق التعدين خارج سيطرة الحكومة المركزية، مما يجعل السكان عرضة لهيمنة الجماعات الإرهابية.
وتشكل مناجم الذهب الغنية في الكونغو مصدر دخل مهم لحركة "إم 23" وتنظيم داعش والجماعات الإرهابية الأخرى المنتشرة في البلاد.
وغالبا ما تجبر هذه الجماعات المجتمعات المحلية على العمل في التعدين تحت التهديد.
وحذرت المبادرة العالمية لمكافحة الجريمة المنظمة العابرة للحدود من أن تؤدي سيطرة الجماعات الإرهابية على مناجم الذهب إلى زيادة نفوذها على السكان المحليين، وتأجيج دوامة العنف، لا سيما عندما يصبح العنف عنصرا أساسيا في تحقيق الأرباح والسلطة والشرعية.
نمط عام
ولا تقتصر استراتيجية السيطرة على قطاع التعدين المربح بوصفه موردا ماليا للجماعات الإرهابية على جمهورية الكونغو الديمقراطية وحركة "إم 23" وحدهما، بل أصبحت نمطا سائدا في عدد كبير من الدول الإفريقية.
وأكدت دراسة حديثة للأمم المتحدة أن 87 بالمئة من الذهب الذي تنتجه مالي، وتقدر قيمته بنحو 6.3 مليار دولار، يهرب خارج البلاد عبر مجموعات إرهابية، وهو ما يعادل نحو ثلث الناتج المحلي الإجمالي.
ويجري تهريب الذهب من دول الساحل عبر دول مجاورة، مثل توغو، أو عبر رحلات جوية مباشرة بين دول المنشأ والدول المستوردة.
وفي نيجيريا، سلطت تقارير ربطت بين تمويل أنشطة "بوكو حرام" وشركات تعدين صينية غير شرعية الضوء على هذا التحول، إذ تشير إلى تورط بعض الشركات في دفع مبالغ طائلة مقابل الحصول على حماية الجماعات الإرهابية في مناطق التعدين.
وقالت اللجنة المعنية بمكافحة التعدين غير القانوني في نيجيريا إن معظم عائدات التعدين غير القانوني، البالغة 9 مليارات دولار، تستخدم في تمويل أنشطة إرهابية.
أما في موزمبيق، فبحسب بيانات مواقع وأحداث النزاعات المسلحة "أسليد"، فقد ساعدت السيطرة على مواقع التعدين تنظيم داعش في توسيع أنشطته التمويلية.
المصدر:
سكاي نيوز