بينما تقف مئات الناقلات عالقة على طرفي مضيق هرمز، ويجتمع قادة مجموعة السبع في إيفيان الفرنسية لبحث تداعيات الأزمة، يطرح اضطراب الملاحة في الممر -ووصولها إلى حد شبه التوقف خلال الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران– سؤالا مؤجلا: هل تملك دول المنطقة مخرجا حقيقيا بعيدا عن هرمز؟
والإجابة، كما تكشفها المعطيات، ليست في غياب البدائل بل في تفاوتها، فالسعودية والإمارات تمتلكان خيارات إضافية عبر خطوط الأنابيب، في حين تبقى خيارات قطر والكويت والبحرين أضيق، خاصة فيما يتعلق بالغاز المسال. ومع أن هذه البدائل محدودة، فإنها تساعد على تخفيف أثر الأزمات من دون الاستغناء عن المضيق.
وبحسب المتحدث باسم الخارجية الفرنسية باسكال كونفافرو، فإن الهدف الأهم لما بعد الحرب هو إيجاد بدائل وبنى تحتية تقلل الاعتماد على المضيق، في إطار أوسع لأمن الطاقة لا مجرد استجابة ظرفية للأزمة.
يقع مضيق هرمز بين السواحل الإيرانية من الشمال ومحافظة مسندم العُمانية من الجنوب، ويربط الخليج ببحر عمان ثم المحيط الهندي. ويمر عبره نحو 20 مليون برميل من النفط والمنتجات النفطية يوميا، أي ما يقارب خُمس إمدادات النفط العالمية، بحسب إدارة معلومات الطاقة الأمريكية، إضافة إلى جزء مهم من تجارة الغاز الطبيعي المسال.
وتتجه غالبية هذه الإمدادات إلى آسيا، إذ تذهب نحو 84% من الخام والمكثفات إلى أسواقها، وتستأثر الصين والهند واليابان وكوريا الجنوبية وحدها بنحو 69% من تدفقات الخام عبر المضيق.
ولهذا، فإن أي تعطل طويل لا يضرب المنتجين وحدهم، بل يهدد بقفزات في أسعار النفط وأقساط التأمين والشحن.
يتصدر خط الأنابيب السعودي "شرق-غرب" المعروف بـ"بترولاين" قائمة البدائل المتاحة، ويمتد 1200 كيلومتر من المنطقة الشرقية إلى ميناء ينبع على البحر الأحمر.
ويوضح محلل أسواق الطاقة بشار الحلبي للجزيرة أن الرياض استعادت طاقته القصوى البالغة 7 ملايين برميل يوميا، بعد أن كان يضخ مليون برميل فقط قبيل الحرب، مذكرا بأنه أُنشئ عام 1981 استجابة لحرب الناقلات.
ويكمل خط "سوميد" المصري هذه المنظومة لوجيستيا، بنقله الخام من البحر الأحمر إلى المتوسط تمهيدا لإعادة شحنه إلى أوروبا.
بدروها، تملك الإمارات خط "حبشان-الفجيرة" الذي ينقل النفط من حقول أبو ظبي البرية إلى ميناء الفجيرة على خليج عمان خارج هرمز، بطاقة بين 1.5 و1.8 مليون برميل يوميا تتيح تصدير نحو 70% من خامها.
يتجه العراق غربا بدوره، فإلى جانب خط كركوك-جيهان نحو تركيا، الذي تبلغ طاقته 1.6 مليون برميل ولا ينقل حاليا سوى نحو 200 ألف، أطلق مرحلة مناقصة لخط البصرة-حديثة (685 كيلومترا، بكلفة نحو 4 مليارات يورو، وطاقة تصل إلى 3 ملايين برميل)، يمكن تمديده لاحقا إلى ميناء العقبة الأردني أو سوريا أو تركيا، كما بدأ بتصدير بعض نفطه عبر سوريا بالشاحنات.
لكن هذه المشاريع تحتاج سنوات واستثمارات ضخمة قبل أن تتحول إلى بديل فعلي للأزمة.
هنا يكمن جوهر التفاوت، فالكويت والبحرين وقطر لا تملك منافذ تصدير بحرية بديلة خارج الخليج، وتمر معظم صادراتها عبر هرمز.
وقد تضطر هذه الدول على الأرجح للمرور عبر السعودية أو العراق، عبر خطوط طويلة ومفاوضات معقدة، وهو ما يدفع هذه الدول إلى قدر أكبر من التنسيق مع جيرانها في مشروعات التصدير.
على الورق، تبدو الطاقة التصميمية للخطوط كبيرة، لكنها تتآكل عند كل خطوة نحو الواقع، فالطاقة المجمعة لهذه الخطوط لا تتجاوز 9 ملايين برميل يوميا مقابل 20 مليونا تمر عبر المضيق.
ويقدر الخبير النفطي عاصم جهاد في حديث لوكالة لأناضول أن الخطين السعودي والإماراتي يؤمنان نحو الثلث فقط، أي 7 إلى 8 ملايين برميل يوميا.
أما المتاح فعليا في ظروف التوتر، فقد لا يتجاوز 2.6 مليون برميل، بحسب إدارة معلومات الطاقة، لأن الخطوط لا تعمل عادة بكامل طاقتها وتتقيد بحاجات المصافي المحلية وطاقة الموانئ والتأمين.
والفارق بين "الطاقة التصميمية" والطاقة القابلة للاستخدام وقت الأزمة هو جوهر المشكلة، فالأولى تبدو كبيرة، أما الثانية فتتقلص أمام قيود البنية التحتية والمخاطر الأمنية.
تبدو معضلة الغاز أكثر تعقيدا من النفط، فالنفط يمكن تخزينه وإعادة توجيهه عبر موانئ وخطوط بديلة نسبيا، أما الغاز المسال فيحتاج إلى سلسلة مترابطة من محطات تسييل وناقلات متخصصة ومحطات استقبال، ويرتبط غالبا بعقود طويلة الأجل.
وتوضح خبيرة الطاقة لوري هايتايان لشبكة الجزيرة أن جميع صادرات قطر تقريبا تمر عبر هرمز، ولا تملك حاليا مسارا بديلا مماثلا، مما يجعل أي تعطل سريع الانعكاس على أسعار الغاز عالميا.
حتى الخطوط القائمة ليست حلا آمنا بالكامل، فهي، كما يقول المحلل جورج فولوشين لشبكة الجزيرة، أهداف ثابتة ومرتفعة القيمة عسكريا واقتصاديا، إذ ضربت مسيّرات جماعة أنصار الله محطات ضخ على الخط السعودي عام 2019، وعطلت هجمات على الفجيرة التحميل في مارس/آذار.
والأخطر أن مخرج البحر الأحمر نفسه يمر عبر باب المندب المهدد، مما يعني أن تجاوز هرمز قد ينقل جزءا من المخاطر إلى ممرات أخرى، ولا يلغيها بالكامل.
رغم ذلك، فتحت الأزمة الباب أمام مشاريع طموحة، فبحسب صحيفة "فايننشال تايمز"، تدرس السعودية والإمارات ودول أخرى مد خطوط موازية وتوسيع محطات التصدير على سواحل بديلة، بينما يُخطَط لإنشاء شبكة سكك حديدية بطول 2100 كيلومتر لربط دول المجلس الست بحلول عام 2030.
وعلى المستوى الإستراتيجي، تقدم ورقة للمجلس الأطلسي، وهو مركز أبحاث أمريكي معني بقضايا الأمن والطاقة، تصورا يتعامل مع أمن الطاقة في الخليج بوصفه "مشروع بنية تحتية" واسعا، يشبه من حيث الفكرة بعض مشاريع الحرب العالمية الثانية مثل "عملية بلوتو" التي ربطت خطوط إمداد الوقود بقوات الحلفاء.
ويدعو هذا التصور إلى بناء شبكة أعمق من خطوط الأنابيب والموانئ ومسارات التصدير تربط الخليج بأوروبا والولايات المتحدة، بحيث يصبح أمن الطاقة مشروعا مشتركا لا مجرد اعتماد على مضيق واحد. وتبقى هذه مقاربة تحليلية في ورقة بحثية، وليست قرارا سياسيا جاهزا للتنفيذ.
ويتقاطع ذلك مع الزاوية الأوروبية، فالمتحدث باسم الخارجية الفرنسية باسكال كونفافرو أكد أن الهدف الأهم إيجاد بدائل وبنى تحتية تقلل الاعتماد على المضيق.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة