تحولت قضية مقتل الطفلة الفرنسية "ليانا" (11 عاما)، والتي عُثر على جثتها مقتولة في موقع زراعي بمنطقة "جير" بعد اختفائها لـ 7 أيام، من جريمة مروعة هزت الرأي العام إلى زلزال سياسي يعصف بالبلاد قبل أقل من عام على الانتخابات الرئاسية لعام 2027.
وبينما تتفق معظم الصحف الناطقة باللغة الفرنسية على أن المأساة كشفت خللا عميقا في آليات حماية الأطفال، فإن كل وسيلة إعلامية سلطت الضوء على جانب مختلف من الأزمة التي باتت تفرض نفسها بقوة على النقاش السياسي قبل أقل من عام على الانتخابات الرئاسية.
وتكاد الصحف تجمع على أن أكثر ما صدم الفرنسيين ليس الجريمة بحد ذاتها، بل كون المشتبه به الرئيسي كان محل شكاوى وبلاغات سابقة تتعلق باعتداءات على قاصرين، وهو ما أثار تساؤلات واسعة حول أداء أجهزة الشرطة والقضاء وقدرتها على التعامل مع مثل هذه الملفات.
صحيفة "لوتان السويسرية وصفت الحدث بأنه "يمر كالإعصار ويجرف كل شيء في طريقه"، وهو ما أكدته لوموند في افتتاحيتها قائلة إن الغضب العارم نابع من صدمة مجتمعية تجاه الانهيار الكامل في سلسلة العدالة الجنائية.
"لوتان": قضية ليانا تمر كالإعصار وتجرف كل شيء في طريقها
الصحيفة لفتت إلى أن الجرائم والمأساة لم تكن لتحدث لولا تغاضي الأجهزة الأمنية والقضائية عن 4 شكاوى وبلاغات سابقة بالاغتصاب والاعتداءات الجنسية ضد المشتبه به الرئيسي "جيروم ب."، من دون أن يتم حتى استجوابه، مما جعل المنظومة بأكملها في قفص الاتهام بـ"المعاملة المؤسساتية السيئة" للضحايا.
وأبرزت مجلة لوبوان أن القضية طغت على كل شيء آخر داخل المشهد السياسي الفرنسي، معيدة إلى الأذهان "قنابل موقوتة".
وأضافت أنها نكأت جراحا سياسية عميقة، مثل فضائح السكوت عن جرائم اغتصاب الأطفال في مدارس بيثارام عام 2025 والتي تلاحق حليف الرئيس إيمانويل ماكرون، رئيس الوزراء السابق فرانسوا بايرو.
وتحت هذا الضغط الرهيب، تحولت الساحات أمام المحاكم الفرنسية ووزارة العدل في باريس إلى ساحات غضب شعبي حاشد في نحو 180 مدينة فرنسية تحدت قرارات الحظر الأمني. وبحسب تقرير صحيفة "لوفيغارو" ، واجه وزير العدل جيرالد دارمانان هجوما شرسا من مختلف الأطياف السياسية التي اتهمته بـ"التنصل من مسؤولياته السياسية".
الحناجر التي هتفت في الشارع وجدت صدى فوريا وصارما داخل أروقة البرلمان، حيث قادت رئيسة كتلة " فرنسا الأبية" ماتيلد بانو الهجوم مطالبة دارمانان بالاستقالة فورا "لإرسال إشارة سياسية واضحة"، تلاها المتحدث باسم " التجمع الوطني" ألكسندر نيكوليك الذي صرح بحدة: "لو كان يملك ذرة من الشرف، لاستقال".
غير أن دارمانان تحصّن خلف تصريح صحفي مثير للجدل قال فيه: "أمامي عام كامل هنا على الأقل لحل المشكلات، إن الإخفاقات لا تعود إلى التعليمات التي أصدرتها، بل إلى القضاة المستقلين والمسؤولين عن إجراءاتهم".
هذا الرد، الذي اعتبره المحامون والقضاة محاولة لصناعة "كبش فداء"، أشعل جبهة أخرى، حيث شنت "النقابة الاتحادية للقضاة" (USM) هجوما مضادا اتهمت فيه دارمانان بـ"إلقاء القضاة أمام فوهة المدفع".
وفي عمود جماعي بموقع "ميديا بارت" تحت عنوان: "كفى نفاقا فلنوفر أخيرا الموارد اللازمة للعدالة" استنكرت النقابة تملص دارمانان من المسؤولية، وهو أعلى جهة في إدارة الموارد والسياسة الجنائية.
وفي نفس السياق، جاء في ذات الموقع هجوم ناري على الوزير شنته أليس غيرو، المتخصصة في قضايا العنف الجنسي ضد الأطفال، والتي وصفت دعوة الوزير لـ"التعبئة العامة" بأنها "إهانة للضحايا".
وأكدت أن المسؤولين يفرطون في السياسات الاستعراضية ويسقطون في عجز هيكلي ترفض السلطة الاعتراف به.
وتجاوزت الأزمة سقف المطالب التقليدية بالإصلاح نحو دعوات صريحة إلى "الثورة" وتغيير النموذج البنيوي للدولة.
وربط موقع "ميديا بارت" عبر تحليل غيرو العنف ضد الأطفال بـ"النظام الأبوي" معتبرا أن "اغتصاب الأطفال قضية سلطة يمارسها الرجال"، داعيا إلى مجابهة الظاهرة بشجاعة.
وتزامنا مع هذا التحليل، نقلت "لوتان" و"لوفيغارو" أجواء المؤتمر الصحفي العاصف الذي قادته رئيسة الجمعية الوطنية، يائيل برون بيفيه، برفقة ائتلاف عريض من نواب اليسار ويمين الوسط، للمطالبة بفرض "قانون شامل".
ويضم هذا القانون 80 مادة لمحاربة العنف ضد الأطفال والنساء مستوحى من التجربة الإسبانية، حيث قطعت برون بيفيه بأن زمن استخدام التقارير "لتثبيت رفوف المكتبات" قد انتهى.
وتحدثت النائبة الاشتراكية سيلين تيبو-مارتينيز عن ضرورة إحداث "ثورة جندرية ونظامية تقتلع آليات الهيمنة الأبوية من جذور المنظومة القضائية".
هذا الحراك الثوري بررته حالة العدالة التي وصفها المرشح الرئاسي اليميني برونو ريتايو بـ"العدالة المُفقرة والمهلهلة" (Justice clochardisée).
وهذا ما أيده بيان المنظمات القضائية وقضاة محكمة "بوبيني" الذين أدانوا بالإجماع "نفاق وزير العدل".
وكشفوا أن نقص الموارد والميزانيات التي تقبع دون المتوسط الأوروبي يُجبر المحاكم على إجراء "فرز دائم" بين قضايا الأطفال لعدم وجود محققين.
ويصر الرئيس إيمانويل ماكرون على غلق الباب أمام الجدال المالي قائلا إنه "يرفض سماع أي حجة تتعلق بنقص الإمكانيات".
لكن "لوفيغارو" كشفت كواليس استدعاء دارمانان العاصف في مقر رئاسة الوزراء (ماتينيون)، بالتزامن مع تسريبات صحفية نشرتها "لوموند" تفيد بوجود تجميد سري لـ 414 مليون يورو (نحو 447 مليون دولار) من ميزانية وزارة العدل.
هذه المعلومة، تقول الصحيفة، إن زعيم اليسار جان لوك ميلانشون استغلها ليوجه صفعة قوية لمصداقية الرئيس ووزيره.
فرنسا تقف اليوم أمام مفترق طرق تاريخي، حيث وضعت هذه الطفلة الدولة أمام مسؤوليتها العارية، مهددة بإعادة تشكيل أولويات الحملة الرئاسية
ومع دخول المرشحين للانتخابات الرئاسية العام القادم على خط الأزمة بأطروحات راديكالية تتراوح بين منع العمل النقابي للقضاة وإنشاء محاكم تأديبية لهم، تقف الإدارة الفرنسية الحالية في مأزق تاريخي.
فالشارع والمؤسسة القضائية والائتلافات البرلمانية لم يعودوا يطالبون بإصلاح جزئي، بل يضعون السلطة أمام خيارين لا ثالث لهما: إما الإطاحة الفورية بوزير العدل لامتصاص الفوران، أو مواجهة ثورة تشريعية واجتماعية عارمة تعيد صياغة العقد القضائي بالكامل وتطيح بالمنظومة الحاكمة.
وهذا هو ما عبر عنه الخبير السياسي برونو كوتريه عبر "لوتان" مبرزا أن فرنسا تقف اليوم أمام مفترق طرق تاريخي، حيث وضعت هذه الطفلة الدولة أمام مسؤوليتها العارية، مهددة بإعادة تشكيل أولويات الحملة الرئاسية.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة