آخر الأخبار

برحيل سليمة المختار.. من يحفظ إرث شيخ الشهداء في ليبيا؟

شارك

في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي

بنغازي- لم يكن رحيل سليمة المختار في 1 يونيو/حزيران 2026 مجرد حدث عائلي يخص إحدى حفيدات المجاهد الليبي عمر المختار، بل أعاد إلى الواجهة سؤالًا ظل حاضرًا منذ عقود: كيف بقي إرث شيخ الشهداء حيًا بعد نحو قرن على إعدامه؟ ومن حمل ذاكرة الجهاد الليبي من جيل إلى آخر في ظل ضياع جزء من الوثائق وتراجع شهود تلك المرحلة؟

داخل منزل العائلة في بنغازي، لم يكن عمر المختار شخصية تاريخية تُستحضر في المناسبات الوطنية فحسب، بل كان حاضرًا في الروايات اليومية والقصص التي تناقلتها الأجيال، فإلى جانب ما وثقته كتب التاريخ، ظل جزء من الذاكرة محفوظًا داخل الأسرة عبر شهادات مباشرة وروايات شفوية انتقلت من الآباء إلى الأبناء.

وفي حديث خاص للجزيرة نت، يقول فايز بوهليس، نجل الراحلة سليمة المختار، إن والدته نشأت وهي تستمع إلى روايات والدتها فاطمة عمر المختار، ابنة شيخ الشهداء، وإن جزءًا من ذاكرة المقاومة الليبية وصل إلى الأسرة عبر هذه الروايات قبل أن ينتقل إلى الأبناء والأحفاد.

ويضيف أن والدته لم تكن تنظر إلى انتمائها العائلي باعتباره مصدر امتياز أو وجاهة اجتماعية، بل مسؤولية أخلاقية تفرض عليها المحافظة على تاريخ العائلة والجهاد الليبي ونقله إلى الأجيال اللاحقة.

مصدر الصورة سليمة المختار تحضر إحدى دورات معرض الكتاب في بنغازي (الجزيرة)

مختارية الأب والأم

وُلِدَت سليمة المختار عام 1948 في منطقة زاوية القصور ببلدة جردس شرقي ليبيا، وهي إحدى المناطق المرتبطة تاريخيًا بالحركة السنوسية وبنشاط المجاهد عمر المختار خلال سنوات المقاومة.

وتنتمي سليمة المختار إلى واحدة من أقرب دوائر القرابة المباشرة لعمر المختار؛ فوالدها هو المجاهد سالم محمد المختار بن محمد المختار شقيق عمر المختار الأكبر، بينما كانت والدتها فاطمة عمر المختار ابنة شيخ الشهداء من زوجته زينة بنت محارب البرعصي.

إعلان

ويقول بوهليس إن والدته كانت تردد دائمًا أن قيمة هذا النسب لا تكمن في القرابة نفسها، بل في المبادئ التي ارتبط بها اسم عمر المختار من زهد وتضحية وصبر وإيمان بالحرية والكرامة.

مصدر الصورة سليمة المختار (يمين) مع أختها الكبرى المتوفاة مطاري (وسط) وأختها الصغرى عزيزة على قيد الحياة (الجزيرة)

تاريخ يُروى داخل البيت

بحسب نجلها، كانت سليمة المختار ترى أن جانبًا مهمًا من تاريخ الجهاد الليبي لم يُحفظ في الكتب وحدها، بل بقي في ذاكرة العائلات التي عايشت تلك المرحلة.

ومن بين الروايات المتوارثة داخل العائلة، والتي ينقلها جمال الغزالي، ابن خالة الراحلة، قصة إحدى زوجات عمر المختار من عائلة محمد بن نجوى المسماري، أحد قادة المجاهدين في صفوف المقاومة، والتي قُتِلَت خلال سنوات الجهاد بعد تعرض مواقع المجاهدين للقصف في معركة محيريقة التي يطلق عليها الليبيون "يوم القطيعة" لشدة الخسائر التي شهدتها.

ووفق الرواية العائلية، أرسل المختار عقب استشهاد زوجته "عصبة" من الهدايا والأقمشة إلى أسرتها تأكيدًا لاستمرار أواصر العلاقة بين العائلتين، قبل أن يتزوج لاحقًا شقيقتها في خطوة رأت فيها الأسرة آنذاك تعبيرًا عن استمرار الروابط بين عائلات المجاهدين ووحدة الصف في مواجهة الاحتلال الإيطالي.

ويؤكد بوهليس أن مثل هذه القصص لم تكن تُروى داخل الأسرة باعتبارها أمجادًا عائلية، بل بوصفها جزءًا من الذاكرة الوطنية الليبية ومن تاريخ المقاومة ضد الاستعمار.

وفي السياق نفسه، يقول جمال أحمد الغزالي، ابن خالة الراحلة سليمة المختار، إن أبناء العائلة احتفظوا ببعض الروايات والتفاصيل الاجتماعية المرتبطة بعمر المختار والتي انتقلت شفهيًا بين الأجيال، إلى جانب ما هو موثق في المصادر التاريخية.

ويضيف أن كبار العائلة كانوا يروون كيف عُرف المختار بالزهد والبساطة ورفض الاستفادة من أي امتيازات أو هدايا تقدمها السلطات الإيطالية، كما تناقلت الأسرة روايات أخرى تعكس إدراكه للأبعاد السياسية للقضية الليبية خلال سنوات المقاومة.

ويرى الغزالي أن أهمية هذه الروايات لا تكمن في تفاصيلها فحسب، بل في كونها تعكس جانبًا من شخصية عمر المختار وتكشف كيف بقيت سيرته حاضرة داخل الذاكرة العائلية بعد عقود من رحيله.

مصدر الصورة بندقية عمر المختار ونظارته من أشهر مقتنياته الشخصية المعروفة، وهما محفوظتان ضمن مقتنيات المتحف الوطني الليبي (الجزيرة )

أكثر من إرث عائلي

ورغم ارتباط اسم عمر المختار بعائلته، فإن إرثه تجاوز منذ زمن طويل حدود القرابة العائلية.

فقاد المختار المقاومة المسلحة ضد الاستعمار الإيطالي في برقة لأكثر من عشرين عامًا، قبل أن يقع في الأسر ويُعْدَم شنقًا في مدينة سلوق شرقي ليبيا في 16 سبتمبر/أيلول 1931، ليصبح لاحقًا أحد أبرز رموز مقاومة الاستعمار في العالم العربي والإسلامي.

ويقول الغزالي إن الأسرة لم تنظر يومًا إلى عمر المختار بوصفه ملكًا خاصًا للعائلة، بل باعتباره رمزًا وطنيًا يخص الليبيين جميعًا.

ويرى أن مكانة عمر المختار تجاوزت منذ زمن طويل حدود العائلة نفسها، إذ أصبحت سيرته جزءًا من الذاكرة الليبية والعربية والإسلامية، وهو ما جعل إرثه يستمر بمعزل عن وجود الأحفاد أو رحيلهم.

إعلان

ويضيف أن سيرة المختار بقيت حاضرة في الوجدان الليبي والعربي والإسلامي، من خلال الكتب والدراسات والأعمال الفنية والمؤسسات والمعالم التي تحمل اسمه في عدد من الدول.

مصدر الصورة صورة اجتماع عائلة المختار مع زعماء الجزائر (الجزيرة)

أين المقتنيات والوثائق؟

ومع مرور نحو 95 عامًا على إعدام عمر المختار في مدينة سلوق شرقي ليبيا، لا تزال الأسئلة تُطرح حول مصير مقتنياته ووثائقه الشخصية.

ويقول فايز بوهليس إن العائلة لا تحتفظ بمقتنيات شخصية كثيرة تعود إلى المختار، موضحًا أن حياته اتسمت بالبساطة والزهد وعدم الاهتمام بالمظاهر أو الممتلكات.

وتُعد بندقية عمر المختار ونظارته من أشهر مقتنياته الشخصية المعروفة، وهما محفوظتان ضمن مقتنيات المتحف الوطني الليبي، بوصفهما من أبرز الشواهد المادية المرتبطة بسيرة قائد المقاومة الليبية.

أما الوثائق والمراسلات المرتبطة بفترة الجهاد والحركة السنوسية، فيشير بوهليس إلى أن جزءًا منها بقي محفوظًا لدى الأسرة السنوسية، بينما ضاعت أجزاء أخرى خلال سنوات الحرب والنفي والتهجير التي تعرضت لها عائلات المجاهدين إبان الاحتلال الإيطالي.

مصدر الصورة صورة لمحمد المختار ابن عمر المختار مع اخته الكبرى فاطمة عمر المختار (الجزيرة)

المرأة وحفظ الذاكرة

ولا يقتصر الحديث عن إرث عمر المختار على الرجال الذين خاضوا معارك المقاومة، بل يمتد أيضًا إلى الدور الذي أدته النساء في حفظ الذاكرة ونقلها بين الأجيال.

ويرى الباحث الاجتماعي راف الله الدرسي أن أهمية حفيدات عمر المختار لا تنبع فقط من صلتهن العائلية بشيخ الشهداء، بل من الدور الذي اضطلعن به في صيانة الذاكرة الوطنية ونقلها للأجيال اللاحقة.

ويقول للجزيرة نت إن التاريخ لا يُحفظ عبر الوثائق والكتب وحدها، بل عبر الروايات الشفوية التي تنتقل داخل البيوت، مشيرًا إلى أن نساء عائلة المختار أسهمن في الحفاظ على جانب من الذاكرة المرتبطة بمرحلة الجهاد الليبي، وفي نقل القيم التي ارتبطت باسم عمر المختار من تضحية وصبر وإيمان بالحرية والكرامة.

ويضيف أن استمرار حضور عمر المختار في الوجدان الليبي طوال العقود الماضية يعود، في جانب منه، إلى هذا الدور الذي أدته النساء داخل الأسرة بوصفهن حلقة وصل بين الأجيال وحاملات لذاكرة تاريخية تحولت مع الوقت إلى جزء من الذاكرة الوطنية الليبية.

من يحمل الشعلة اليوم؟

لم تكن سليمة المختار آخر أحفاد عمر المختار على قيد الحياة، إذ لا تزال شقيقتها عزيزة المختار على قيد الحياة، كما تمتد فروع العائلة داخل ليبيا وخارجها.

لكن رحيل سليمة يسلط الضوء على جيل كامل من أبناء وأحفاد المجاهدين الذين حملوا الذاكرة الشفوية لمرحلة الجهاد الليبي ونقلوا تفاصيلها إلى الأبناء والأحفاد.

ويؤكد الغزالي أن الحفاظ على هذا الإرث لا يعتمد على وجود أفراد العائلة وحدهم، بقدر ما يعتمد على استمرار توثيق تاريخ المقاومة الليبية وجمع الروايات والصور والوثائق والشهادات المرتبطة بها قبل أن تضيع برحيل أصحابها.

ولهذا لا يبدو رحيل سليمة المختار مجرد نهاية لسيرة شخصية، بقدر ما يمثل لحظة تذكير بأهمية حفظ الذاكرة الوطنية الليبية وصون تاريخ الجهاد الذي تحول، بمرور الزمن، إلى جزء من الهوية الجامعة لليبيين.

ومع رحيل سليمة المختار، لا تبدو القصة قصة حفيدة لشيخ الشهداء بقدر ما تبدو قصة ذاكرة انتقلت من جيل إلى آخر، فالإرث الذي تركه عمر المختار لم يكن مقتنيات مادية أو وثائق شخصية فحسب، بل منظومة من القيم ظل الليبيون يتوارثونها جيلًا بعد جيل، حتى أصبحت جزءًا من ذاكرتهم الوطنية المشتركة بعد ما يقرب من قرن على رحيله.

الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا