آخر الأخبار

تحت القصف المستمر… الطواقم الطبية في جنوب لبنان تصرّ على البقاء ووزير الصحة يحيي "الجيش الأبيض"

شارك

ستعيد الممرضة لحظة الانفجار الأولى: “كان أول ما فعلته هو أن صرخت منادِية زميلي، وطلبت منه فوراً تفقد المرضى، ثم ركضت نحوهم."

بعد استهداف محيط مستشفيي "حيرام" و"جبل عامل" – أكبر مستشفيين في مدينة صور الساحلية جنوب لبنان – يسيطر على الطواقم الطبية التي لا تزال تعمل تحت وطأة الغارات هاجس واحد: "متى ستكون الغارة التالية على مستشفانا؟". فالضغط النفسي والجسدي الذي يتعرضون له لحماية المرضى، كما يصرحون في مقابلات مع يورونيوز، "لا نظير له".

وبحسب إحصاءات منظمة الصحة العالمية، تم توثيق نحو 190 هجوماً على القطاع الصحي في لبنان خلال ثلاثة أشهر فقط، أسفرت عن مقتل 128 من العاملين في المجال الصحي وإصابة 332 آخرين، فيما شهد الأسبوع الماضي وحده 11 هجوماً. كما أفادت وزارة الصحة اللبنانية بتضرر 17 مستشفى منذ بدء الحرب، وإغلاق ثلاثة منها، إلى جانب مقتل 128 مسعفاً وعاملاً صحياً.

ويقول الدكتور حسام واصف تيليه، طبيب الطوارئ في مستشفى حيرام بمدينة صور، والذي طال القصف محيطه في 31 آذار/مارس وأدى إلى إصابة 13 من الطواقم الطبية فيه، إن العاملين في القطاع دخلوا الحرب وهم يتوقعون تصعيداً واسعاً، “خصوصاً في ضوء ما حدث بغزة في مستشفى المعمداني والشفاء وغيرها”.

ويضيف: "استهداف المناطق القريبة من المستشفى – مع علمنا التام بعدم وجود أي سلاح فيها – اعتبرناه مساساً مباشراً بالأمن الصحي للمنطقة. فمجرد تهديد هذه المناطق أو استهدافها يهدد بقاءنا ووجودنا. وفي الفترة الأخيرة، ومع اشتداد القصف، أغلقت المخابز والأفران في مدينة صور ، مما يعني أن قوتنا وشرابنا واحتياجاتنا اليومية كطاقم طبي لم تعد متوفرة".

مصدر الصورة د.حسام تليه طبيب الطوارئ في مستشفى حيرام بمدينة صور يورونيوز

وكانت المدينة الساحلية قد تعرضت مؤخراً لغارات إسرائيلية غير مسبوقة، صاحبتها إنذارات شملت معظم أحيائها والمخيمات المحيطة بها، مما دفع الغالبية العظمى من سكانها إلى النزوح بحثاً عن مناطق أكثر أماناً. إلا أن الاستهداف المفاجئ لمحيط مستشفى جبل عامل، في الأول من يونيو/حزيران الجاري، شكل نقطة تحول فارقة، وذلك بسبب حجم الدمار غير المسبوق الذي لحق بالمنشأة التي ظنها أهل المدينة ملاذاً آمناً بموجب القوانين الدولية والإنسانية.

فور القصف، كتب وزير الصحة اللبناني راكان ناصر الدين على منصة “إكس” أن “القطاع الصحي يتعرض لاعتداءات إسرائيلية متكررة تطال الطواقم والمرضى والجرحى”، بينما أعلنت وزارة الصحة لاحقاً أن الغارة أسفرت عن مقتل 4 أشخاص وإصابة 127 آخرين، بينهم 39 من الطواقم الطبية والتمريضية والإدارية، إضافة إلى أضرار كبيرة طالت مختلف أقسام المستشفى.

من جهته، قال الجيش الإسرائيلي إنه لم يستهدف المستشفى مباشرة، وإن الأضرار نجمت عن غارات استهدفت بنية تحتية تابعة لحزب الله في محيطه.

شهادة من قلب العناية المركزة

من داخل مستشفى جبل عامل، تروي الممرضة خديجة يوسف، العاملة في قسم العناية الفائقة (ICU)، تفاصيل اللحظات الأولى للقصف، قائلة إن “الحدث كان شديد القوة والقسوة، وكنا داخل وحدة العناية المركزة، ولم يخطر في بالنا سوى سلامة المرضى وحالتهم”.

وتستعيد خديجة لحظة الانفجار الأولى: “كان أول ما فعلته هو أن صرخت منادِية زميلي، وطلبت منه فوراً تفقد المرضى، ثم ركضت نحوهم. في ثوانٍ قليلة كنا جميعاً إلى جانب المرضى. كان الانفجار عنيفاً جداً، والدخان تسلل إلى وحدة العناية، وتحطم الزجاج بالكامل. كل منا توجّه إلى مريضه، إلى جانب طبيب العناية الذي كان حاضراً وأُصيب هو الآخر”.

وتشير إلى أن قسم العناية القلبية (CCU) تضرر أكثر من وحدة العناية الفائقة، موضحة أنه “فور وقوع القصف، طُبقت خطة طارئة لنقل جميع المرضى إلى منطقة أكثر أماناً داخل المستشفى”. وتضيف أن عدداً من الطواقم الطبية أصيبوا بجروح طفيفة، مؤكدة أنهم لم يحتاجوا إلى عناية مركزة، وأن “المرضى كانوا أولويتنا المطلقة، فقد أمّناهم قبل أنفسنا”.

وتختتم خديجة شهادتها لـ"يورونيوز" بقولها: “بتيسير من الله سنكمل هذا الطريق، ولن نغادره. سنبقى صامدين حتى النهاية”. ثم تضيف بابتسامة رغم ما جرى: “دُمّرت سيارتي في الغارة لم يبقَ منها شيء أبداً، لكن لا يهم، المهم أننا بخير، وكثر خير الله”.

وفي وقت لاحق، حذرت ممثلة منظمة الصحة العالمية في لبنان أن الهجمات “تسببت بأضرار كبيرة في قسم الطوارئ ووحدة العناية المركزة”، مشيرة إلى أن مستشفى جبل عامل يُعد من المستشفيات القليلة التي ما زالت تعمل في جنوب لبنان.

وأضافت أن ستة مستشفيات لم تستأنف خدمات الولادة وتقتصر حالياً على الطوارئ، محذرة من أن تأخير علاج الحوامل والمواليد قد يهدد الحياة، في ظل تزايد القيود على الوصول إلى الخدمات الصحية وتأخير قد يصل إلى 48 ساعة في بعض الحالات.

كما حذرت من تفاقم الوضع الصحي داخل مراكز الإيواء التي تستضيف نحو 130 ألف نازح، مع تسجيل ارتفاع في حالات الإسهال المائي الحاد، وإمكانية زيادة خطر تفشي الكوليرا مع ارتفاع درجات الحرارة.

"نبقى من أجل الناس لكن الظروف فوق طاقة تحملنا"

وفي ذات السياق، يشرح تليه أن العديد من الأطباء والممرضين كانوا يفضّلون العمل في ظروف أكثر استقراراً، إلا أن الواقع الحالي فرض عليهم ضغوطاً كبيرة على المستويين المهني والشخصي، سواء بسبب قلق عائلاتهم على سلامتهم أو شعورهم بالمسؤولية الأخلاقية تجاه المرضى.

مصدر الصورة طفل مريض يرقد في غرفة متضررة داخل مستشفى جبل عامل في مدينة صور جنوب لبنان، عقب غارة إسرائيلية استهدفت مبنى مجاور، الثلاثاء 2 يونيو/حزيران 2026. AP Photo/Mohammed Zaatari

ويضيف أن الضربات التي طالت المستشفى ومحيطه عطّلت وصول بعض الشركات المتخصصة بجراحة العظام، ما حال دون تأمين المعدات والمواد الطبية اللازمة، كما أصبحت عملية نقل المرضى أكثر صعوبة. ويشير إلى أن الطواقم الطبية تكتفي حالياً بتثبيت الحالات وتقديم الإسعافات الأولية، قبل تحويل المرضى إلى بيروت، خشية انقطاع الأدوية أو المستلزمات الأساسية في أي لحظة.

يواصل الدكتور تيليه: "نحن نشعر بمسؤولية إنسانية ومسؤولية وظيفية تدفعنا إلى البقاء، لكن الظروف التي نعيشها صارت فوق طاقة بعض الطاقم التمريضي. فوق طاقته النفسية، فوق طاقته الجسدية، فوق مقومات الصمود، ولا سيما مع النية الإسرائيلية الرامية إلى عزل هذه المنطقة عن باقي لبنان" حسب تعبيره.

ويضيف: "في نهاية المطاف، نحن لا نستطيع المغادرة. هناك أناس في المدينة. نحن لا نتعامل فقط مع الجرحى، بل مع حالات مرضية عادية، ومع حوامل، ومع أطفال. لا يمكننا أبداً أن نتركهم، غير أننا في الوقت نفسه مضطرون – بأقل الإمكانات وبأقصى درجات الخوف وانعدام الأمن – إلى أن نقف على أقدامنا ونعمل من دون أي ضمانات".

يورو نيوز المصدر: يورو نيوز
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا