في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
طهران- لم يكن الهجوم الإيراني على إسرائيل، الليلة، مجرد رد عسكري على قصف الضاحية الجنوبية لبيروت، ولا مجرد رسالة إسناد ل حزب الله، بل إن الأهم في ما حدث أنه بدا محاولة إيرانية لتثبيت معادلة ردع جديدة: إذا استهدفت إسرائيل الضاحية، فإن الرد قد يأتي مباشرة من إيران نحو حيفا والشمال الإسرائيلي، لا من حزب الله وحده.
بهذه المعادلة، تحاول طهران منع إسرائيل من الاحتفاظ باليد العليا في إدارة التصعيد، فتل أبيب سعت خلال الفترة الماضية إلى توسيع هامش ضرباتها في لبنان، خصوصا في الجنوب والضاحية، مع إبقاء المواجهة ضمن سقف محسوب. أما إيران، فتريد نقل كلفة استهداف الضاحية إلى الداخل الإسرائيلي، وتحويلها من حدث لبناني إلى قضية أمن إقليمي.
يضيف اختيار الشمال الإسرائيلي ثقلا إلى الرسالة، إذ إن حيفا ومحيطها والقواعد العسكرية في الشمال تمثل عمقا حساسا لإسرائيل، وترتبط مباشرة بالجبهة اللبنانية. لذلك، فإن إدخالها في دائرة الرد الإيراني يعني أن الضاحية لم تعد هدفا يمكن ضربه من دون احتمال رد مباشر من طهران.
ويضيف دهقاندار أن طهران تسعى، عبر هذا التحرك، إلى إظهار تحول جوهري في مقارباتها الإستراتيجية، بحيث لا تبقى لاعبا يمكن التنبؤ بسلوكه بالكامل داخل حسابات الردع التي يبنيها خصومها. فإيران، بحسبه، تريد القول إنها قادرة، عند الاقتضاء، على تجاوز الأنماط السابقة، وانتزاع المبادرة الميدانية بصورة مستقلة ومباشرة.
لكن دهقاندار ينبه في الوقت نفسه إلى أن هذا النوع من التحرك قد يؤدي إلى تصاعد غير متوقع في الأزمة، لأن الانتقال من الرد عبر الحلفاء إلى الرد المباشر يغير قواعد الاشتباك، ويدفع الأطراف الأخرى إلى إعادة حساباتها.
ومن زاوية تحليلية، يرى الباحث في الأمن الدولي أن الافتراض الإستراتيجي لدى طهران يقوم، على الأرجح، على أن الولايات المتحدة لا ترغب خلال هذه المرحلة في تصعيد التوترات، ولذلك تعتقد إيران أن إدارة تبعات الهجوم ممكنة. في المقابل، يقول دهقاندار إن إسرائيل ستتعامل مع هذا التغير في ميزان القوة باعتباره ضررا جديا ببنية ردعها.
وبناء على ذلك، يتوقع دهقاندار أن تسعى إسرائيل إلى ترميم خطوط الردع وإثبات استقلال قرارها الأمني، بعيدا عن الاعتبارات الخارجية ومتغيرات مثل ضغوط الرئيس الأمريكي دونالد ترمب، وذلك عبر رد مستقل قد يكون محدودا ومنضبطا.
ويخلص دهقاندار إلى أنه إذا ردت إسرائيل وهاجمت إيران، فمن المرجح أن تعاود إيران الرد، على أن يتوقف مستوى الرد الإيراني على حجم الرد الإسرائيلي وطبيعته. وبرأيه، من المستبعد في الظروف الراهنة العودة إلى وضع شبيه بـ"حرب الـ40 يوما"، لكنه يستدرك قائلا إن "لا شيء يمكن استبعاده بالكامل".
من جهته، يقرأ المحلل السياسي رضا غبيشاوي الهجوم الإيراني من زاوية خرق وقف إطلاق النار وما تعتبره طهران تراجعا أمريكيا عن تعهدات سابقة. ويقول للجزيرة نت إن الهجوم الصاروخي الإيراني على إسرائيل "كان في الواقع ردا على خرق وقف إطلاق النار ونقض الوعد الأمريكي لإيران".
ويوضح غبيشاوي أنه، وفق تفاهم وقف إطلاق النار بين إيران وأمريكا بوساطة باكستانية، كان يفترض أن يشمل هذا التفاهم لبنان أيضا، لكن ذلك لم يحدث. ويضيف أن الرئيس الأمريكي دونالد ترمب كان قد تعهد بمنع إسرائيل من مهاجمة الضاحية الجنوبية، غير أن هذا المنع لم يُنفذ، بل إن ترمب أعلن دعمه للهجمات الإسرائيلية على الضاحية، قبل أن يغير موقفه بعد الهجوم الصاروخي الإيراني على إسرائيل، قائلا إنه غير راض عن تلك الهجمات.
ويرى غبيشاوي أن إسرائيل، بمهاجمتها الضاحية، تجاوزت خطا أحمر، وأن إيران، من خلال هجومها الصاروخي على إسرائيل، ذهبت بدورها خطوة مهمة خارج إطار وقف إطلاق النار. وبذلك لم تعد المسألة، في قراءته، مجرد رد على ضربة محددة، بل أصبحت انتقالا متبادلا إلى ما بعد قواعد التهدئة السابقة.
ويضيف المحلل السياسي أن المسؤولين الإيرانيين يريدون إيصال رسالة إلى إسرائيل وأمريكا مفادها أن إيران، في الظروف الحالية، لا سيما مع الاقتراب من كأس العالم لكرة القدم، لا تزال مستعدة للحرب ولأي هجمات محتملة ضدها.
كما يطرح غبيشاوي احتمالا آخر، وهو أن تكون إيران وأمريكا قد اقتربتا من اتفاق سياسي، وأن طهران أرادت، قبل إعلان هذا الاتفاق، تنفيذ هجوم صاروخي على إسرائيل من أجل خلق توازن سياسي وعسكري. ووفق هذه القراءة، تريد إيران أن تقول للرأي العام الداخلي والإقليمي إنها وافقت على الاتفاق وهي لا تزال قادرة على التحرك عسكريا، وإن قبولها بالتسوية السياسية لا يعود إلى عجز عسكري.
ويخلص غبيشاوي إلى توقع أن يتوقف الطرفان عند حدود تبادل هجمات محدودة. لكنه يضيف احتمالا آخر، مفاده أن الولايات المتحدة ربما تماطل وتتعمد إبقاء الوضع الحالي في حالة برزخ وتعليق "لا حرب ولا اتفاق"، من أجل كسب الوقت والاستعداد لهجوم عسكري في المستقبل القريب. ويرى أن الهجوم الإيراني يمكن أن يكون، أيضا، ردا على هذا الاحتمال.
تتقاطع قراءتا دهقاندار وغبيشاوي عند نقطة أساسية: الهجوم الإيراني يتجاوز الرد الآني، ويتعلق بمحاولة إعادة تعريف قواعد الاشتباك، فطهران لا تريد أن تبقى إسرائيل قادرة على ضرب الضاحية أو لبنان ثم التحكم وحدها بسقف الرد ومكانه.
لكن نجاح هذه المعادلة لا يتحدد بالضربة الإيرانية وحدها. فإذا قيّدت إسرائيل عملياتها في الضاحية، أو ردت بحدود محسوبة، ستقدم إيران ذلك بوصفه نجاحا في فرض كلفة جديدة على تل أبيب. أما إذا ردت إسرائيل بقوة، وواصلت استهداف الضاحية، فستكون طهران أمام اختبار صعب: إما تكرار الرد المباشر وتحمل خطر التصعيد، أو الاكتفاء برسالة واحدة ربما لا تكفي لتثبيت قاعدة دائمة.
وتكمن خطورة اللحظة في أن الطرفين يقرآن المعادلة من زاويتين متعاكستين: إيران تريد تثبيت "الضاحية مقابل الشمال"، بينما قد ترى إسرائيل أن قبول هذه القاعدة، ولو ضمنيا، يعني تآكل قدرتها على الردع وحرية عملها في لبنان.
لم يكن الهجوم الإيراني الليلة مجرد رد على قصف الضاحية، بل محاولة لتثبيت قاعدة ردع جديدة: استهداف الضاحية من إسرائيل قد يقابله استهداف حيفا والشمال الإسرائيلي من إيران نفسها، لا من حزب الله وحده.
لكن المعادلات لا تستقر بإطلاق الصواريخ فقط، بل بما يحدث بعدها. لذلك، فإن السؤال الأهم الآن ليس لماذا ردت إيران، بل هل ستسمح إسرائيل لهذه المعادلة بأن تثبت، أم ستسعى إلى كسرها؟
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة