آخر الأخبار

تحت أعين روسيا واليونان.. حين أطلق العثمانيون أول طوربيد تحت الماء في التاريخ

شارك

مع صعود السلطان عبد الحميد الثاني إلى عرش السلطنة العثمانية عام 1876، كانت الدولة تعاني من مشكلات داخلية وخارجية كثيرة، كان أخطرها زجها في حرب خطيرة ضد الروس أدت إلى خسارة فادحة بلغت حد اقتراب القوات الروسية من العاصمة إسطنبول، وتهجير مئات الآلاف من مسلمي البلقان، وخزينة فارغة، ودولة مضطرة إلى تحمل كل هذه التكاليف العسكرية والمالية، بل وتعويض الروس عن هذه الحرب.

وكان الأخطر من ذلك زيادة النفوذ الروسي في البلقان، وصعود القوميات في بلغاريا وصربيا والجبل الأسود والبوسنة والهرسك، وحصول بعضها على الاستقلال، ثم زيادة مساحة الجغرافيا اليونانية على حساب العثمانيين. لقد وصلت الخسائر حد تهديد مستقبل الدولة العثمانية وبقائها، مع صعود ما سُمي في الأدبيات الأوروبية وقتها بـ"المسألة الشرقية"، وهي استعداد الدول الأوروبية لتقسيم الدولة العثمانية والحصول على أقطارها.

مصدر الصورة رسم توضيحي للسلطان عبد الحميد الثاني يتحدث مع الجنود الجرحى أثناء الحرب الروسية التركية عام 1877 (غيتي)

وأمام هذا المصير المؤلم، أدرك السلطان عبد الحميد الثاني أنه لا مفر من المواجهة، وبعد أن استحكمت قوته على الداخل العثماني، وتمكن من القضاء على القوى التي تنازعه في الداخل، كما نازعت عمه عبد العزيز من قبل، وخلعت أخاه مراد الخامس، وكان لها رأي ماض في زمن والده عبد المجيد، عمل بكل قوة على زيادة قوة الجيش العثماني أمام التهديدات المتلاحقة، وأخطرها اليونان المدعومة من الغرب الأوروبي ومن الروس.

"أدرك عبد الحميد أن العصر الذهبي للدولة العثمانية قبل سليمان القانوني وبعده إنما اتكأ على أسطول عثماني قوي مخر عباب البحار"

وقد أدرك عبد الحميد أن العصر الذهبي للدولة العثمانية قبل سليمان القانوني وبعده إنما اتكأ على أسطول عثماني قوي مخر عباب البحار، وبلغ مضيق جبل طارق، وسيطر على البحار المتوسط والأسود والأحمر والخليج العربي وأجزاء من المحيط الهندي، وأنه في ظل التطور التكنولوجي السريع في عصره، والتنافس الحضاري والعسكري بين القوى الأوروبية كان لا بد من تحديث الجيش عامة، والأسطول خاصة، ولهذا السبب بدأت الأنظار في عصره تتجه نحو سلاح جديد سيغير المعادلة في البحار والمحيطات فيما بعد، ألا وهو سلاح الغواصات.

مصدر الصورة السلطان عبد الحميد أدرك أن العصر الذهبي للدولة العثمانية قبل سليمان القانوني وبعده إنما اتكأ على أسطول عثماني قوي مخر عباب البحار (الجزيرة- مولدة بالذكاء الاصطناعي)

نشأة الغواصات

رغم غياب تاريخ محدد لبداية اختراع الغواصة، فإن العديد من الأدلة التاريخية تشير إلى أن التصورات الجادة لتصميمها تعود إلى القرن الخامس عشر، حيث قدم عدد من الباحثين والمهندسين، مثل كونراد كيسر (1465)، وليوناردو دا فينشي (1500)، وويليام بورن (1578)، وكورنيليوس فان دريبل (1603)، وروبرت فولتون (1797)، إضافة إلى المهندس العثماني إبراهيم أفندي (1719)، نماذج مبكرة لغواصات، انطلقت أساسا من دافع علمي يتمثل في استكشاف البيئة البحرية العميقة، ورغم ذلك بقيت هذه المحاولات ضمن الإطار التجريبي، ولم تشهد تطورا نوعيا ملموسا إلا مع اقتراب القرن التاسع عشر.

اقرأ أيضا

list of 2 items
* list 1 of 2 ما لا يخبرك به العمالقة.. لماذا تتخلى أوبر ومايكروسوفت عن الذكاء الاصطناعي؟
* list 2 of 2 ليلة الهروب الكبير.. كيف حرمت الجزائر فرنسا من أول لقب عالمي في تاريخها؟ end of list
إعلان

على أن التحول الحاسم في تاريخ الغواصات ارتبط بسياق عسكري، وتحديدا خلال الحرب الأهلية الأمريكية، حين سجل أول استخدام ناجح لها في القتال، فقد تمكنت غواصة سي إس إس هانلي التابعة للكونفدرالية الجنوبية الأمريكية، من إغراق السفينة يو إس إس هاوساتونيك عام 1864، في عملية استهدفت كسر الحصار البحري الذي فرضته قوات الشمال على ميناء تشارلستون، وتعد هذه الحادثة نقطة الانطلاق الفعلية لتحويل الغواصة من أداة تجريبية إلى سلاح حربي، وذلك كما يرصد أنتوني بريستون في كتابه "الغواصات: تاريخ وتطور السفن القتالية تحت الماء".

"خلال الحرب الأهلية الأمريكية، سُجل أول استخدام ناجح للغواصات في القتال"

وقد فرضت ظروف الحصار البحري القاسي على الولايات الأمريكية الجنوبية البحث عن وسائل غير تقليدية لمواجهة التفوق البحري للشمال، خاصة في ظل تعطل التجارة وانقطاع الإمدادات الخارجية، ومن ثم برزت الغواصات كخيار إستراتيجي يتيح توجيه ضربات تحت سطح الماء ضد سفن الحصار، ومنذ ذلك الحين، أخذت الغواصات تكتسب دورا متزايد الأهمية بين المتنافسين في العالم، لتتحول تدريجيا إلى عنصر ردع فعال، ووسيلة تعزز القدرات العسكرية وتغير موازين القوى البحرية.

مصدر الصورة غرق السفينة يو إس إس هاوساتونيك قبالة ساحل كارولينا الجنوبية عام 1864 (غيتي)

وقد شهد النصف الثاني من القرن التاسع عشر طفرة نوعية في تقنيات الملاحة البحرية، مدفوعة بتطور المحركات البخارية وزيادة التدريع، ما أسهم في نقل مركز القوة العالمية تدريجيا من البر إلى البحر، وأصبحت هيمنة الدول الكبرى تقاس بقدرات أساطيلها البحرية وترساناتها، في ظل تصاعد أهمية البحار كمساحة للصراع والنفوذ، وسرعان ما تحولت الغواصات من أداة تجريبية إلى عنصر ذي قيمة عسكرية، خاصة مع التطورات التقنية التي أدخلها مهندسون مثل الأمريكي سيمون لايك والأيرلندي جون فيليب هولاند، الذي يعرف اليوم بوصفه الأب الروحي للغواصات الحديثة.

وفي هذا السياق التاريخي بدأت الدولة العثمانية في عصر عبد الحميد الثاني الانتباه إلى أهمية هذا السلاح، وقدرته الفذة في إغراق الأساطيل والسفن المعادية، وترجع البدايات الأولى لاهتمام الدولة العثمانية بتقنيات الغوص البحري إلى مرحلة مبكرة نسبيا من تاريخها، إذ تسجل المصادر إشارات إلى تجربة لافتة تعود إلى عام 1720، وردت في كتاب سُرنامه لسيد وهبي حسين.

"مهندس الترسانة العثمانية إبراهيم أفندي صمم قاربا في شكل تمساح تحرك من حوض الترسانة إلى محيط قصر السلطان، ثم غاص تحت الماء قبل أن يظهر مجددا أمام خيمة السلطان"

ونرى في روايته أن مهندس الترسانة العثمانية إبراهيم أفندي صمم قاربا في شكل تمساح عُرض خلال احتفالات ختان أبناء السلطان أحمد الثالث، حيث تحرك القارب من حوض الترسانة إلى محيط قصر السلطان، ثم غاص تحت الماء قبل أن يظهر مجددا أمام خيمة السلطان، ثم تضفي الرواية طابعا استعراضيا على الحدث بذكر خروج أشخاص من داخل القارب حاملين أطعمة، في مشهد يوحي بقدرة المركب على العمل تحت الماء، وتعد هذه الواقعة أول تجربة غوص ناجحة معروفة في التاريخ العثماني، بل ظلت أيضا تجربة فريدة لم يتكرر نجاحها لاحقا.

مصدر الصورة الغواصة سي إس إس هانلي التابعة للكونفدرالية الجنوبية الأمريكية عام 1864 (غيتي)

التنافس اليوناني العثماني

بحلول نهاية القرن التاسع عشر، عاد الاهتمام العثماني بالغواصات في إطار عسكري أكثر وضوحا، إذ اقتنت البحرية العثمانية هذا النوع من الأسلحة لأول مرة في عهد السلطان عبد الحميد الثاني، فتعاقدت مع شركة نوردنفلت البريطانية السويدية لشراء غواصتين متقدمتين، وذلك إثر تطورات تقنية شهدتها أوروبا في هذا الميدان.

إعلان

كان المهندس البريطاني جورج ويليام غاريت قد طور غواصة تعمل بالبخار عُرفت باسم ريزورغام، غير أنها غرقت أثناء عرض تجريبي، ولكن بعد هذه التجربة تعاون غاريت مع رجل الصناعة السويدي ثورستن فيلهلم نوردنفلت، الذي بادر إلى تصنيع سلسلة غواصات تحمل اسمه ابتداء من عام 1885 في ستوكهولم، حيث أُنتجت أربع غواصات من هذه الفئة.

"تعاقدت البحرية العثمانية مع شركة نوردنفلت البريطانية السويدية لشراء غواصتين متقدمتين"

يرى إفرين ميرجان في دراسته "الغواصات الأولى في البحرية العثمانية" أن غواصات نوردنفلت عكست مرحلة انتقالية في مسار تطور الغواصات وقتئذ، إذ اعتمدت على أنظمة الدفع البخاري، وعلى الرغم من قدرتها على توليد طاقة كبيرة، فإن تطبيق هذه التقنية داخل بيئة مغلقة كالغواصة أفرز تحديات عملية، كان أبرزها ضيق الحيز الداخلي وارتفاع درجات الحرارة إلى مستويات مرهقة للطاقم، مما قيد مدة الإبحار.

كما أن ضعف كفاءة المحركات البخارية أثناء الغوص حد من نطاق العمليات الممكنة، وجعل الأدوار التكتيكية للغواصات محدودة، كما أسهمت الغلايات الثقيلة وخزانات المياه الساخنة في إحداث اختلال في توازن الغواصة تحت الماء، الأمر الذي كان يعرضها لمخاطر الميل غير المستقر، ويؤكد الطبيعة التجريبية لهذه المرحلة من تطور السلاح البحري.

في النهاية، لم تحقق التجارب العملية للغواصة النتائج المرجوة، إذ كشفت عن عيوب تقنية بارزة مثل اختلال التوازن أثناء الغوص، وانبعاث أول أكسيد الكربون، وارتفاع الحرارة داخلها، ما أثر سلبا على كفاءتها، وقد أكد تقرير الموظف العثماني المختص خليل أفندي، المرفوع في 25 نوفمبر/تشرين الثاني 1885 إلى السلطان عبد الحميد الثاني هذه العيوب، مشيرا إلى بطء السرعة وعدم الاستقرار تحت الماء، ومستخلصا ضرورة إدخال تعديلات جوهرية.

مصدر الصورة نقش إنجليزي يظهر تجربة غواصة نوردنفلت طورها ثورستن نوردنفلت 1885 (شترستوك)

وبناء على ذلك التقرير الفني اتسم الموقف العثماني بالحذر في بادئ الأمر وعدم التسرع، في حين أقدمت اليونان على شراء الغواصة عام 1886 بدعم من الوسيط باسيل زخاروف. غير أن التجارب اليونانية أثبتت استمرار المشكلات التقنية، ما قصر استخدامها على مهام دفاعية محدودة، في وقت أثار فيه هذا السلاح نقاشا داخل الأوساط البريطانية حول جدواه كبديل أقل كلفة من التحصينات الساحلية التقليدية.

يرصد إردنيج سنجار في دراسته "تاريخ صناعة الغواصات التركية" أن التجارب التي أجرتها اليونان عام 1886 على الغواصة -التي اشترتها حينئذ مقابل 9 آلاف جنيهٍ إسترليني- قبالة سواحلها كانت محدودة الكفاءة، إذ اتضح صعوبة التحكم فيها وعدم قدرتها على البقاء تحت الماء لأكثر من 5 دقائق، ما جعلها أداة غير مجدية في نظر اليونانيين، فتراجع الاهتمام بها حتى عام 1911، ولكن بسبب غياب معلومات دقيقة حول هذه التجارب، انتشرت في الأوساط العثمانية شائعات ذات طابع تصعيدي عن نوايا يونانية لاستهداف السواحل وخطوط النقل وصولا إلى إسطنبول، وهو ما أسهم في دفع الدولة العثمانية إلى طلب غواصتين أكثر تطورا من شركة نوردنفلت.

"اتسمت الإستراتيجية البحرية العثمانية في تلك المرحلة بطابع دفاعي، وهدفت إلى حماية المضائق الحيوية"

لقد اتسمت الإستراتيجية البحرية العثمانية في تلك المرحلة بطابع دفاعي، وهدفت إلى حماية المضائق الحيوية، مثل الدردنيل والبوسفور، وتأمين موانئ رئيسية مثل إسطنبول وسالونيك وإزمير وطرابزون وبيروت، وضمان استمرار التجارة، وقد تعزز هذا التوجه بعد الهزيمة الثقيلة في الحرب الروسية العثمانية (1877–1878)، التي كشفت ضعف الأسطول العثماني خاصة في البحر الأسود، مقابل فاعلية زوارق الطوربيد الروسية.

إعلان

كما استغلت اليونان هذا الضعف عبر دعم تمردات جزيرة كريت ضد الدولة العثمانية، ومضايقة السفن العثمانية، ومحاولات التوسع في مناطق إبيروس وجنوب مقدونيا عام 1885، ما دفع الدولة العثمانية إلى تطوير قدراتها البحرية، والبحث عن وسائل قتالية حديثة، مثل الغواصات القادرة على إطلاق الطوربيدات والعمل في الخفاء.

الغواصة العثمانية عبد الحميد من طراز نوردنفلت (جو مونستر)

قصة الغواصات: عبد الحميد وعبد المجيد

استغلت شركة نوردنفلت ووكيلها باسيل زخاروف حالة التوتر السياسي بين الدولة العثمانية واليونان وحولتها إلى فرصة تجارية، فشجّعا الطرفين على اقتناء غواصات كانت لا تزال في مرحلة التطوير، وبعد انتشار خبر امتلاك اليونان غواصة، سارعت الدولة العثمانية إلى طلب غواصتين بسعر أعلى من اليونانيين بلغ 11 ألف جنيه إسترليني لكل واحدة، ووقعت عقد الشراء عام 1886.

وبموجب أمر صادر من السلطان عبد الحميد الثاني تقرر تمويل الصفقة من الخزينة السلطانية الخاصة، على أن تُنجز الغواصتان خلال شهرين ونصف، ثم تُنقلان مفككتين إلى إسطنبول ليعاد تركيبهما في ترسانة طاشكزاق بالقرن الذهبي، وقد صُنعت الغواصتان المعروفتان وقتها باسم "نوردنفلت–2" و"نوردنفلت–3″، في أحواض ديس فين-تشيرستي بإنجلترا، وجاءتا أكبر حجما وأكثر تطورا من النموذج الأول الذي امتلكته اليونان.

"اشترى العثمانيون غواصتين من شركة نوردنفلت بسعر 11 ألف جنيه إسترليني للواحدة، وتم توقيع عقد الشراء عام 1886"

بلغ طول كل غواصة 31 مترا، وعرضها 3.6 أمتار، ووزنها نحو 160 طنا، وزُوّدتا بمحرك ثنائي الأسطوانات بقوة 250 حصانا، وقد تفوقتا في السرعة على النموذج السابق، سواء على السطح أو تحت الماء، واعتمدتا أثناء الغوص على ضغط البخار المتبقي في الغلاية بعد إغلاق المدخنة، وتألف طاقمهما من 5 أفراد.

كما كانتا من أوائل الغواصات القادرة على إطلاق الطوربيدات، رغم أن مدى حركتهما تحت الماء لم يتجاوز 12 ميلا، ما جعل استخدامهما أقرب إلى الهجوم السطحي، وقد بدأ تجميع الغواصتين في ترسانة طاشكزاق بعد تأخير 10 أيام بإشراف المهندس البريطاني ويليام غاريت، الذي كان يتنقل بين جزيرة سالاميس اليونانية وإسطنبول لمتابعة التجارب، في ظل سباق تقني متصاعد بين العثمانيين واليونانيين لامتلاك هذا السلاح الجديد، استغلته الشركة المصنعة بصورة لافتة، كما يقول إفرين ميرجان.

ورغم ذلك، واجهت عملية التجميع عقبات عديدة، إذ وصلت الأجزاء ناقصة وظهرت مشكلات تقنية متكررة، إلى جانب تأخر دفع أجور العمال بسبب الأزمة المالية التي كانت تمر بها الدولة العثمانية، كما أشارت مراسلات رسمية إلى أن غياب المهندس غاريت لفترات طويلة كان من أبرز أسباب التعطيل، نظرا لاعتماد عمليات التركيب والتجارب عليه.

"في عام 1887، سجلت حادثة تجسس على الغواصات وانتهى الأمر بإعدام الجاسوس"

ورغم ذلك استمرت الجهود بوتيرة مكثفة، حيث أشار وزير البحرية حسن باشا في تقريره المؤرخ في 31 يوليو/تموز 1886 إلى أن العمل كان يجري ليلا ونهارا لتعجيل إنجاز المشروع، رغم ضيق أماكن العمل، ويبدو بحسب ميرجان أن هذه الغواصات أثارت اهتمام دول أخرى، حيث سُجّلت حادثة تجسس عام 1887 حين التقطت صور سرية لها (شهد التصوير الفوتوغرافي بدايات انتعاشه في تلك الفترة) وانتهى الأمر بإعدام الجاسوس.

وفي نهاية المطاف اكتمل تركيب الغواصة الأولى التي تقرر تسميتها عبد الحميد في 6 سبتمبر/أيلول 1886 وأُعدّت للتجارب، بينما تأخر إنزال الغواصة الثانية عبد المجيد حتى 4 أغسطس/آب 1887 بسبب النواقص الفنية وتأخر استكمال العمل.

طوربيد من نوع وايتهيد ذاتي الحركة استخدم في الغواصتين عبد الحميد وعبد المجيد (مكتبة الكونغرس الأمريكي)

وبالفعل أُجريت التجارب الأولية للغواصتين عبد الحميد وعبد المجيد في منطقة القرن الذهبي بإسطنبول قبالة سراي بورنو ثم أمام أسكدار، بمشاركة 4 ضباط عثمانيين عُيّنوا للحد من الاعتماد التقني على الطاقم البريطاني والمهندس ويليام غاريت. وقد أُسندت قيادة عبد الحميد إلى الضابط العثماني النقيب خليل دولي أوغلو، وكان صاحب خبرة في زوارق الطوربيد، حيث نفذ مع غاريت غطسات ملاحية بين منطقتي قصر عينالي قافاق والديوان خانة.

ولكن من اللافت أن هذه التجارب رصدت اختلالات خطيرة، أبرزها الميول الحادة أثناء الغوص، وعدم بلغ السرعة التي وعدوا بها تحت الماء (5-7 أميال)، إذ لم تتجاوز السرعة الفعلية 3 أميال، فضلا عن عدم القدرة على مجابهة تيارات مضيق البوسفور، كما تبين أن الإبحار الكامل تحت الماء غير آمن، وأن أفضلية الاستخدام تقتصر على وضع يكون فيه برج المراقبة ظاهرا فوق سطح الماء.

"رغم ضعف الأداء تحت الماء، خلصت اللجنة الفنية إلى إمكانية استخدام الغواصتين بفعالية نسبية في الهجوم عندما يكون برج المراقبة فوق السطح"

وبناء على هذه النتائج صدر قرار بإجراء تجارب أوسع في منطقة إزميت لتقييم الإمكانات العملياتية، حيث أُجريت لأول مرة تدريبات إطلاق طوربيد على هدف سطحي خلال إبحار مشترك للغواصتين، ورغم ضعف الأداء تحت الماء، خلصت اللجنة الفنية إلى إمكانية استخدام الغواصتين بفعالية نسبية في الهجوم عندما يكون برج المراقبة فوق السطح.

إعلان

وأكد التقرير المرفوع من وزير البحرية حسن باشا إلى الصدارة العظمى (رئاسة الوزراء) أن الغواصتين ملائمتان للإبحار السطحي، وأن صعوبة رصدهما مقارنة بزوارق الطوربيد تمنحهما قيمة دفاعية في حماية الموانئ والسواحل، مع الإشارة في الوقت ذاته إلى أن الإبحار الأفقي تحت الماء غير آمن ولا يطابق شروط العقد، ما يستلزم استكمال النواقص التقنية.

يذكر الباحث التركي أمر الله نتكو، في دراسته "الأتراك أول من استخدموا الغواصة"، أن إسطنبول شهدت ذروة هذه التجارب في صيف 1888، حين أطلقت الغواصة عبد الحميد قبالة قصر دولما بهجة، طوربيدا على سفينة قديمة فأغرقتها على الفور، وذلك في أول حادثة مسجلة عالميا لإغراق هدف سطحي بواسطة غواصة وسط متابعة جماهيرية ودبلوماسية واسعة.

وفي خضم ذلك وجّه المهندس غاريت رسالة مؤرخة في 28 فبراير/شباط 1888 إلى حسن باشا، أقر فيها بأن وسطاء الصفقة وبعض غير المختصين بالغوا في عرض قدرات الغواصات أمام السلطان بما خلق آمالا غير واقعية، مؤكدا استعداده لاستكمال النواقص، وعلى الرغم من هذه التحفظات صدر في 22 مارس/آذار 1888 قرار رسمي بقبول الغواصتين في الخدمة، ومُنح غاريت رتبة فخرية، غير أن هذا الإنجاز لم يُترجم إلى استخدام فعلي، حيث سُحبت الغواصتان مباشرة إلى أحواض منطقة القرن الذهبي وفُرضت قيود صارمة على تشغيلهما.

"لم تُوظف الغواصتان في أي عملية عسكرية فعلية رغم دخولهما الخدمة رسميا"

واستنادا إلى العديد من دراسات تاريخ البحرية العثمانية في تلك الفترة، فقد تبين أنه على الرغم من أن الغواصتين عبد الحميد وعبد المجيد قد انضمتا رسميا إلى الأسطول العثماني، وسجّلتا إنجازاً تاريخياً عالمياً بوصفهما أولى الغواصات التي أطلقت طوربيدا من تحت الماء، فإنهما لم توظفا في أي عملية عسكرية فعلية قط في أعقاب تجارب إزميت عام 1888، إذ كشفت تلك التجارب عن قصور تقني جوهري يتمثل في عدم الاستقرار الهيكلي أثناء الغطس وانعدام القدرة على المناورة تحت الماء، فضلا عن عجز المحرك البخاري عن توفير دفع فعال في بيئة الغوص.

وقد آثرت البحرية العثمانية إبقاءهما مسجلتين في قوائم الأسطول النشط لاعتبارات عسكرية ودبلوماسية، وربما كسلاح ردع لتخويف اليونان، في حين ظلتا راسيتين دون استخدام حقيقي قرابة 26 عاما متصلة، حتى صدر قرار تخريدهما وتكهينهما في عام 1914 حين وُجدتا في حالة بالغة التلف، ورغم ذلك يحسب للسلطان عبد الحميد محاولته الجادة إنقاذ الدولة العثمانية، وتطوير جيشها وبحريتها في وقت كان العالم يموج بتغيرات عميقة وخطيرة أدت لاندلاع الحرب العالمية الأولى، وذلك بعد خلع عبد الحميد بـ 5 سنوات فقط.

لقراءة المقال كاملا إضغط هنا للذهاب إلى الموقع الرسمي
الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا