تحوّل زهران ممداني إلى محور نقاش اقتصادي واسع داخل الولايات المتحدة بعد ظهوره أمام أحد الأبراج الفاخرة في مانهاتن، في لحظة تصاعد فيها الجدل حول مستقبل تمويل المدن الكبرى وأعباء الإنفاق الحضري المتزايدة.
جاء ذلك بعدما نشر السيناتور الأمريكي بيرني ساندرز تغريدة أشاد فيها بممداني، قائلاً إنه "ورث عجزاً ضخماً وتمكن من خفضه مع الاستمرار في الاستثمار بالإسكان ورعاية الأطفال والبنية التحتية"، لتتحول التجربة سريعاً إلى نقاش أوسع حول قدرة المدن الحديثة على تمويل خدماتها العامة عبر تحميل الثروة والعقارات الفاخرة جزءاً أكبر من الكلفة، مع تقليص الضغوط الضريبية الواقعة على الطبقة الوسطى.
وأعادت التغريدة طرح أسئلة اقتصادية تتعلق بكيفية تمويل المدن الكبرى في ظل ارتفاع كلفة الإسكان والخدمات والبنية التحتية واتساع فجوة الثروة، خصوصاً في مدينة مثل نيويورك التي تجمع بين الثروة العقارية الضخمة والضغوط المعيشية المرتفعة، ما جعل النقاش يتجاوز السياسة المحلية إلى جدل أوسع حول الجهة التي تتحمل كلفة الحياة الحضرية الحديثة.
تزامن الجدل السياسي حول سياسات زهران ممداني مع ضغوط مالية متزايدة واجهتها نيويورك بفعل ارتفاع كلفة الخدمات العامة والإسكان ورعاية الأطفال والتزامات التقاعد ودعم المهاجرين، إضافة إلى موجة تضخمية رفعت كلفة تشغيل المدينة، وفق تقديرات وتقارير تناولتها صحيفتا "وول ستريت جورنال" و"نيويورك بوست".
وقدّرت إدارة ممداني الفجوة المالية بنحو 12 مليار دولار خلال السنوات المقبلة، رغم تشكيك منتقدين في بعض الافتراضات التي استندت إليها التقديرات، وفق "وول ستريت جورنال".
وفي البداية، اقترح ممداني رفع الضرائب العقارية بنحو 9.5% باعتباره "الخيار الأخير" لتغطية جزء من العجز، مع توقعات بتحقيق إيرادات سنوية تقارب 3.7 مليارات دولار، إلا أن الخطة واجهت اعتراضات واسعة من ملاك المنازل وشركات العقارات ودوائر داخل الحزب الديمقراطي.
ومع تصاعد الضغوط السياسية، تحولت المدينة نحو استهداف الثروة المرتفعة عبر فرض ضريبة على المساكن الفاخرة الثانية التي تتجاوز قيمتها خمسة ملايين دولار، في محاولة لتقليص العبء على السكان العاديين، بحسب "أسوشيتد برس".
تمثل المحور الرئيسي في خطة ممداني في فرض ضريبة إضافية على المساكن الفاخرة الثانية التي تتجاوز قيمتها خمسة ملايين دولار داخل مدينة نيويورك.
المقترح، الذي جرى تطويره بالتنسيق مع حاكمة ولاية نيويورك كاثي هوكول، يستهدف ما يُعرف بعقارات "بييد آ تير"، أي الشقق والمنازل الفاخرة التي يمتلكها أثرياء لا يقيمون بصورة دائمة في المدينة.
ووفقاً لما نقلته وكالة "أسوشيتد برس"، فإن الضريبة ستطال نحو 13 ألف عقار فقط، أي ما يعادل 0.4% من إجمالي الوحدات السكنية في نيويورك، بينما يُتوقع أن تدر قرابة 500 مليون دولار سنوياً.
اقتصادياً، تعكس هذه الخطوة تحولاً أوسع في التفكير الضريبي داخل المدن العالمية. فالعقارات الفاخرة في مدن مثل نيويورك تحولت تدريجياً إلى أدوات لحفظ الثروة العالمية ومخازن مالية للأثرياء الدوليين.
وفي أجزاء واسعة من "صف المليارديرات" في مانهاتن، تبقى عشرات الشقق الفاخرة شبه فارغة معظم أيام السنة رغم قيمتها الهائلة، ما دفع مؤيدي الضريبة إلى اعتبارها شكلاً من "الثروة المجمدة" التي تستفيد من البنية التحتية والخدمات والأمن في المدينة من دون مساهمة موازية في تحمل أعبائها الاجتماعية.
وأشارت صحيفة "فايننشال تايمز" إلى أن كثيراً من الأبراج الفاخرة في مانهاتن تبدو مظلمة ليلاً بسبب انخفاض نسب الإشغال الفعلية فيها.
ومن هنا، حاول ممداني تسويق الضريبة باعتبارها استهدافاً للثروة العقارية الساكنة، مع إبقاء العبء الضريبي بعيداً عن الطبقة الوسطى التي تواجه أساساً ضغوطاً معيشية متزايدة.
ولهذا السبب اختار الإعلان عن خطته أمام شقة الملياردير كين غريفين البالغة قيمتها 238 مليون دولار، قائلاً: "حين ترشحت لمنصب العمدة قلت إنني سأفرض ضرائب على الأثرياء… واليوم نحن نفرض الضرائب على الأثرياء"، وقد حصد الفيديو عشرات ملايين المشاهدات خلال أيام قليلة.
لكن ضريبة المساكن الثانية وحدها لم تكن كافية لسد العجز المالي. فحتى وفق أكثر التقديرات تفاؤلاً، فإن العائد المتوقع من الضريبة يغطي جزءاً محدوداً من الفجوة.
واعتبر فرع نيويورك في منظمة "الاشتراكيون الديمقراطيون في أمريكا" أن الضريبة لن تغطي سوى نحو 10% من العجز المالي للمدينة.
أما الجزء الأكبر من المعالجة المالية، فجاء عبر مزيج من الدعم الحكومي من الولاية، وتأجيل بعض الالتزامات، وإجراءات خفض النفقات، وإعادة احتساب الإيرادات.
ووفقاً لما ذكرته "وول ستريت جورنال"، وافقت حاكمة الولاية كاثي هوكول على تقديم دعم إضافي بقيمة أربعة مليارات دولار، إضافة إلى تعهدات سابقة بقيمة ثمانية مليارات دولار موزعة على عامين.
كما تحدثت إدارة ممداني عن تحقيق وفورات عبر تقليص العمل الإضافي، ودمج المكاتب، وإعادة التفاوض على العقود، وتقليص الوظائف الشاغرة، وتحديث الأنظمة الإدارية والتقنية.
وراهنت البلدية كذلك على زيادة الإيرادات من خلال تشديد المخالفات المرورية، ورفع رسوم بعض الخدمات، وتوسيع التدقيق الضريبي ورسوم التراخيص. لكن منتقدين اعتبروا أن جزءاً كبيراً من هذه "الوفورات" لا يمثل إصلاحاً هيكلياً حقيقياً، بل مجرد رسوم وأعباء غير مباشرة على السكان والشركات.
ركز المعارضون لخطة ممداني على استدامة النموذج المالي أكثر من تركيزهم على مستوى الضرائب نفسه.
ووصفت صحيفة "نيويورك بوست" ميزانية المدينة البالغة 124.7 مليار دولار بأنها تعتمد على "دفعات نقدية مؤقتة وتأجيلات وتوقعات متفائلة للإيرادات".
كما حذر مراقب الحسابات في المدينة مارك ليفين من أن الميزانية لا تزال تعتمد على نحو 2.8 مليار دولار من الإجراءات المؤقتة، إضافة إلى 2.3 مليار دولار من وفورات مرتبطة بتأجيل التزامات التقاعد.
بدوره، اعتبر أندرو راين، رئيس "لجنة موازنة المواطنين"، أن تأجيل بعض الالتزامات يعني عملياً تحميل سكان المستقبل كلفة الإنفاق الحالي.
وفي الوقت نفسه، تصاعدت التحذيرات من أن السياسات الضريبية المرتفعة تجاه الأثرياء قد تدفع المزيد من رؤوس الأموال والشركات إلى ولايات منخفضة الضرائب مثل فلوريدا وتكساس.
وقال كين غريفين إن المناخ السياسي في نيويورك عزز قرار شركته توسيع عملياتها في ميامي، التي تسوّق نفسها منذ سنوات كبديل ضريبي ومالي لنيويورك.
كما حذر ستيفن فولوپ، الرئيس التنفيذي لمنظمة "شراكة من أجل مدينة نيويورك"، من أن الضريبة قد تخلق "أثراً سلبياً على الاستثمار الاقتصادي" إذا بدأت الشركات ترى أن المدينة أصبحت بيئة أقل جاذبية للأعمال.
تكشف تجربة نيويورك معضلة تواجهها مدن كبرى حول العالم في ظل ارتفاع تكاليف الإسكان والبنية التحتية والخدمات العامة واتساع فجوة الثروة، مقابل تراجع القبول السياسي بسياسات التقشف التقليدية.
في المقابل، تتجه حكومات محلية بصورة متزايدة نحو استهداف الثروة المركزة والعقارات الفاخرة باعتبارها مصدراً محتملاً للإيرادات.
لكن تجربة نيويورك أظهرت أيضاً حدود هذا النموذج.
فحتى في واحدة من أغنى مدن العالم، لم تكن الضرائب وحدها كافية لإغلاق الفجوة المالية، إذ بقيت المدينة معتمدة على دعم الولاية، ومرونة إدارة الديون، وتأجيل بعض الالتزامات، واستمرار النمو الاقتصادي.
ولهذا، تعكس تجربة ممداني محاولة لإعادة توزيع كلفة المدينة الحديثة بين رأس المال والعقارات الفاخرة والدولة والسكان، وسط ضغوط متزايدة على نماذج تمويل المدن الكبرى.
وفي النهاية، يبقى السؤال الأوسع متعلقاً بقدرة المدن الكبرى على الاستمرار في تمويل خدماتها العامة مع تصاعد كلفة الحياة الحضرية واتساع الضغوط الاجتماعية والمالية.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة