في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
غزة- في هذا التقرير ترصد الجزيرة نت أوضاع عدد من رجال الأعمال وأصحاب المصالح التجارية الذين انقلبت حالهم رأسا على عقب وبالكاد يجدون قوت يومهم.
ففي قطاع غزة المنكوب يحلّ يوم العمال العالمي في 1 مايو/أيار هذا العام مثقلا برائحة البارود وغبار الركام، بلا احتفالات أو فعاليات نقابية، أو روائح للمصانع أو ضجيج لورش العمل.
ولا يُقاس يوم العمال بعدد ساعات العمل، بل بحجم الفراغ الذي تركته الحرب في أيدي الصنّاع، وبالحسرة التي تسكن قلوب رجال تحولوا من أعمدة للمجتمع إلى نازحين يبحثون عن لقمة العيش بين شقوق المستحيل.
لم تكن مطاعم عكيلة، مجرد أماكن لتقديم المأكولات الشعبية في غزة، بل كانت معالم لهوية المدينة وطعم أيامها الجميلة. اليوم، يقف يوسف عكيلة أمام أنقاض "مملكته" التي سوّتها الطائرات بالأرض، مستذكرا طوابير الزبائن وضجيج العمال الذين تفرقوا بين شهيد ونازح.
كان عكيلة يمتلك سلسلة مطاعم تمتد من شمال قطاع غزة إلى جنوبه، لكنه فقد بفعل الحرب كثيرا من أركان تلك المملكة والعاملين فيها.
يقول يوسف بنبرة يملؤها الحنين والانكسار: "العمل الآن ليس كما السابق، لقد فقدنا كل شيء، فالمطاعم التي كانت تضج بالحياة أصبحت ركاما، والعمال الذين كانوا عصب المكان باتوا يبحثون عن أمان مفقود.. نرفض الاستسلام ونحاول الوقوف من جديد، صحيح أننا فقدنا الأماكن والباطون، ولكننا لم نفقد الإرادة وحاولنا بناء مطاعمنا من شوادر من النايلون المتهالك".
خيمة صغيرة باتت هي المطعم، ودخان الحطب بديلٌ للغاز الحديث، في محاولة لإطعام الجياع وإثبات أن "صاحب الحق" لا ينكسر، حتى وإن صار سقف طموحه مجرد قطعة من البلاستيك وأقمشة للخيام.
يكمل بصوته المجروح: "لقد دمرت الطائرات محلي التجاري والسوبر ماركت الخاص بي الذي كان يعيل أسرتي وإخوتي".
كان من المفترض أن يرتدي خالد ثوب المحامين الأسود، ويقف في مكتبه يترجم سنوات التعب والجهد التي كللها بتفوقه في كليته، بدلا من الوقوف اليوم خلف بسطة متواضعة للإكسسوارات، والمفارقة الموجعة أنها ليست له بل يعمل عليها أجيرا ليحصل على قوت يومه، كما يقول.
قصة أخرى في حي الزيتون بمدينة غزة بطلها الشاب أشرف شنيورة، الذي كان يجسد حال الطبقة الوسطى المستقرة إذ يملك بيتا وعدة متاجر كانت تمنحه وعائلته الأمان المادي، وفي لحظات سُوّيت جميعها بالأرض، وتحول أشرف من "صاحب ملك" إلى عامل يفترش البسطات وهي متاجر بسيطة في الشارع العام على طاولات.
يقول أشرف بنبرة شموخ: نواجه قسوة الواقع الجديد، ونحاول توفير لقمة العيش وتعويض ما سلبته منا الحرب من بين أنياب العوز، فبالنسبة لي الوقوف خلف البسطة ليس مجرد وسيلة لتوفير المال، بل هو معركة بقاء وصمود مَن فَقَد السقف والجدار لكنه لم يفقد الإرادة.
وبحسرة يضيف أن "الوجع في غزة ليس في فقدان الحجر بل في أن يتحول أصحاب الأملاك والبيوت المستورة إلى عمال مياومة يبحثون عن رمق الحياة في زحام النازحين، ولكننا صامدون رغم الألم، ومتمسكون بكرامة لا تُباع مهما قست الأيام".
تجربة أخرى مختلفة للشاب محمد الغولة من حي الشجاعية، فهو لا يواجه فقدان مصدر رزقه فحسب، بل يواجه شبح "الأقساط" لسيارة لم تعد موجودة، مما جعله يفتح نقطة شحن للهواتف والبطاريات في غزة في صرخة استغاثة منه للمطالبة بالتعويض والعدالة.
لم تتوقف مأساة هذا الشاب عند لحظة الانفجار التي حولت سيارته ومصدر رزقه الوحيد إلى حطام، بل امتدت لتصبح عبئا يلاحقه في كل صباح.
"كنت قبل الحرب أجوب شوارع غزة أطارد لقمة العيش، واليوم السيارة قُصفت وأصبحت رمادا، ومع ذلك أُطالب بدفع أقساطها، فقمت بفتح نقطة شحن متواضعة للبطاريات والهواتف، وهذه مهنة المضطر التي فرضتها الحرب في غزة، وأجلس ساعات طويلة لأجمع "شيكلات" قليلة لا تكاد تكفي سد رمق عائلتي ولا أستطيع أن أعيل نفسي".
يدعو محمد الجهات المعنية والمؤسسات الدولية لإيجاد حلول عاجلة لآلاف العمال الذين سُحقت أدوات إنتاجهم.
لم تعد البطالة مجرد رقم إحصائي، بل أصبحت قصة نزوح وفقد وانكسار لهوية جيل كامل من العاطلين عن العمل، وفي مداخلة مع الجزيرة نت وصف الأمين العام لاتحاد عمال فلسطين شاهر سعد ما يحدث للعمال في غزة منذ السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023 بـ"الجريمة الكبرى ضمن حرب الإبادة الجماعية التي طالت كل مقومات الحياة".
وأوضح أن الخسائر في صفوف القوى العاملة تجاوزت الجانب المادي لتصل إلى حد الحرمان المطلق من الغذاء والأمان، محذرا من أن الفجوة التي خلفتها الحرب في سوق العمل الفلسطيني ستمتد آثارها لسنوات طويلة.
وكشف سعد عن وجود جيش من العاطلين عن العمل يضم أكثر من 300 ألف عامل في قطاع غزة وحدها من أصل 550 ألف عامل في عموم فلسطين، مؤكدا أن هذه البقعة الجغرافية الصغيرة باتت تئن تحت وطأة أرقام قياسية؛ حيث بلغت نسبة الفقر 87%، وهي النسبة الأعلى التي تُسجَّل في أي مكان حول العالم، فضلا عن نسبة البطالة العالية التي قفزت بفعل الحرب من 40% إلى قرابة 80%.
ويرفض سعد التعامل مع هذه الأرقام كمجرد إحصائيات، مشيرا إلى ضرورة التعامل معها كصرخة ألم لآلاف العائلات التي تواجه الجوع والحرمان في ظل انسداد الأفق الاقتصادي تماما.
واختتم حديثه معتبرا أن عمال غزة هم الضحية الأولى لغياب العدالة الدولية التي عجزت عن توفير أدنى معايير العمل اللائق أو الحماية الإنسانية لهم ولأطفالهم.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة