طهران- في مقهى شعبي بحي "إيرانيت" جنوبي طهران، كانت أبوابه تبدو شبه موصدة، قال صاحبه رضا (45 عاما) "بسبب الحرب يمكنك اعتبار المقهى مغلقا.. فقط صالة لعبة المافيا لا تزال مفتوحة ولها زبائنها"، ثم أشار بيده إلى غرفة خلفية تُسمع منها أصوات فريقي الشعب والمافيا بحثا عن المخادع والبريء.
من جانبه، قال آرش (36 عاما) للجزيرة نت إنه وأصدقاءه يترددون على هذه القاعة للابتعاد عن أخبار الحرب قليلا. وأضاف "في هذه اللعبة نبحث عن الخونة المخادعين الذين يعملون لصالح العدو، إنها محاكاة ساخرة لما يحدث في الواقع.. لولا الخيانة لما استطاع العدو تصفية العديد من القيادات السياسية والعسكرية في فترة وجيزة".
في اليوم العاشر للهدنة بين الولايات المتحدة و إيران ، جابت الجزيرة نت أرجاء العاصمة، من جنوبها الشعبي إلى وسطها السياسي وصولا إلى شمالها الراقي، لرصد مظاهر الحياة في مقاهيها، وإرهاصات الرأي العام والأحاديث الدائرة هناك عن الحرب.
وبعد 40 يوما من القصف الأمريكي والإسرائيلي المشترك على المدينة، تبدو مقاهي العاصمة طهران كمرآة لحالة الشارع الإيراني المتنوع في الطبقات والمنقسم في الآراء والمتفاوت في تعامله مع الحرب.
يتابع آرش "في لعبة المافيا، نعرف أن الخائن مجرد دور تمثيلي ينتهي بانتهاء الجولة. لكن في حياتنا الحقيقية، الاتهامات بالخيانة لا تتوقف، والبحث عن المافيا الحقيقية التي تقف وراء ضعف بلادنا أمام الهجمات أصبح هوسا يوميا.. هنا، على الأقل، نضحك ونصرخ ونتهم بعضنا بلا حسابات.. خارج هذه الجدران، الحرب أغلقت الكثير من الأبواب، لكنها فتحت شهية الإيرانيين للبحث عن خونة جدد كل يوم".
وفي ساحة ونك وسط المدينة وتحديدا في شارع "برزيل غربي"، يتحول مقهى صغير إلى منتدى سياسي وساحة لنقاشات ساخنة. يقول الشاب "بابك" (29 عاما) وهو أقدم عامل في المقهى، للجزيرة نت "منذ أكثر من شهر لا يتوقف الحديث هنا عن الحرب.. إذ تجتمع نخبة من المثقفين والأكاديميين والسياسيين السابقين، فيتناولون أطراف الحديث عن تطوراتها".
وفي إحدى زوايا المقهى، فتح أحدهم صورة فتاة غير محجبة تضع مكياجا خفيفا وترتدي زيا عسكريا تعلوه قبعة تحمل شعار الحرس الثوري على هاتفه، فتتحول إلى محور نقاش ساخن حول تحولات عميقة في بنية السلطة الإيرانية.
فقال الثاني "هذه ليست مجرد صورة عابرة، إنها علامة فارقة على تغير ميزان القوى في عهد المرشد الأعلى الجديد.. ما نراه اليوم هو صعود واضح لتكتل الحرس الثوري على حساب رجال الدين".
فيشاطره الثالث رأيه بالقول إن الحرس يقوم اليوم بإعادة تعريف القوة من منظور الأمن القومي والدفاع عن البلاد ضد التهديدات الخارجية، فيسعى لجمع كل الإيرانيين تحت مظلة الدفاع الوطني، موضحا أنه "خلال الحقبة المقبلة سوف يفتح الباب أمام إمكانية تحقيق مزيد من الحرية في اللباس وتنوع أنماط الحياة للإيرانيات، لأن أولويته اليوم هي التماسك الوطني ومواجهة العدو الخارجي، وليس فرض أسلوب حياة موحد قائم على المراجع الفقهية وحدها".
وفي الزاوية المعاكسة، كان الناشط السياسي ومستشار الرئيس الإيراني الأسبق محمود أحمدي نجاد، عبد الرضا داوري، يتحدث لعدد من الأكاديميين حول مفهوم مغاير للشجاعة، لا يتعلق بلهيب المعارك بل بتبعات القرارات الصعبة في زمن السلم، وذلك في محاولة لإعادة تعريف مفهوم "البطولة" في سياق الحرب المستعرة بين بلاده والثنائي الأمريكي والإسرائيلي.
وقال داوري "دائما ما يكون الحديث عن الشجاعة في ميدان القتال سهلا لأن صورة القائد الذي يقتحم الخطر مع جنوده تخلق منه بطلا يخلده.. لكن هناك نوعا آخر من الشجاعة لا يُرى ولا يُفهم، وغالبا ما يُقابل بالشتائم والاتهامات. إنها الشجاعة في صنع السلام. شجاعة أولئك الذين يتحملون وصف الجبناء والمستسلمين والخونة، فقط لإنقاذ شعوبهم من نار الحرب".
واستشهد بنموذجين من التاريخ لرسم هذا التناقض "المرير":
واعتبر داوري أن "شجاعة السلام هي الأبقى أثرا، حتى لو كانت الأقل احتفاء في لحظتها، لأن الشجاعة في صنع السلام أسمى من الشجاعة في خوض الحرب". وتمنى أن يتخذ وفد بلاده المفاوض في إسلام آباد قرارات جريئة تخلدها في التاريخ.
على الطاولة ذاتها، تحول النقاش إلى جدل حول البرنامج النووي الإيراني وأسباب عدم تغيير طهران الفتوى الدينية بحرمة صناعة القنبلة النووية لتعزيز الردع، فيُرجع الدكتور في القانون الدولي محمد حسين شكوري ذلك إلى قضايا سياسية.
وأوضح: "لو أعلنت طهران الآن أنها ستغير فتواها قد تنقلب عليها الدول المعارضة للحرب الأمريكية الإسرائيلية، بل ربما تنضم إلى الجبهة المعادية. لهذا نرى أن عدم إثارة التهديدات السابقة هو حكمة سياسية وليس ضعفا.. فتح هذا النقاش الآن سيعزل إيران دوليا، وهذا ما لا تريده في خضم معركة وجودية".
وبرأي شكوري، فإن فرصة صنع القنبلة قد ضاعت بالفعل منذ 20 عاما مع تشديد الرقابة الدولية، فأصبح من المستحيل تقريبا التحرك نحو صنعها دون أن يُكتشف الأمر، مضيفا: "البعض يدعو إلى تبني سياسة الغموض النووي، لكن الواقع يقول إن هذه السياسة لم تعد تخلق ردعا، خاصة في بلد اخترقه جواسيس العدو بشكل واسع".
أما فيما يتعلق بالمحادثات الحالية وإصرار طهران على الإبقاء على 400 كيلوغرام من اليورانيوم المخصب بنسبة 60% كورقة تفاوضية، فيعتقد أن هذا "ذكاء إيراني" رغم تعرض منشآتها النووية للقصف، لأن هذه الكمية هي "ورقة الضغط الوحيدة المتبقية ولو تخلت عنها، بماذا ستفاوض لرفع العقوبات؟"، مبينا أن بلاده تستخدم اليورانيوم عالي التخصيب كورقة رابحة لإجبار الطرف الآخر على تقديم تنازلات.
ويخلص الأكاديمي الإيراني إلى أن جناح رجال الدين كان "العائق الحقيقي أمام صنع القنبلة في بلاده، لأنه لو امتلكت المؤسسة العسكرية السلاح النووي، لكانت مفاتيحه بيدها، مما كان سيمنحها قوة هائلة على حساب رجال الدين".
في أحياء شمال طهران الراقية، تبدو الشوارع مزدحمة، والمقاهي مكتظة بالزبائن غالبيتهم من الشباب، وفي شارع فرشته الشهير التقينا باران (32 عاما)، وهي مهندسة برمجيات، وقالت: "نأتي إلى هنا لننسى الحرب قليلا. لكن لا نستطيع التوقف عن الحديث عنها. نتساءل: متى تنتهي؟ وكيف سيكون غدنا؟ هل سنتمكن من السفر؟ هل سنفقد وظائفنا؟".
وأضافت بابتسامة حزينة للجزيرة نت: "الأجواء هنا أفضل من جنوب المدينة، لكن الخوف واحد. الفرق أننا نخفي خوفنا خلف ابتساماتنا وأكواب الكابتشينو".
أما صديقها آرش (28 عاما)، طالب دكتوراه، فقال: "أصدقائي في جنوب المدينة يعانون أكثر. هنا، الوضع المادي أفضل قليلا لكن المعاناة النفسية واحدة. السياسة هي حديث الساعة في كل مكان، ونتنياهو وترمب وخامنئي في صلب أحاديث المواطنين".
ويتضح من خلال جولتنا في طهران التي ما زالت تعيش أجواء حرب وجودية، أن شريحة من المواطنين يجدون في مقاهيها متنفسا ومرآة لانقساماتهم وآمالهم ومخاوفهم، إذ تتراوح حواراتهم بين اليأس والأمل، فتتجلى هموم الشارع على طاولاتها مزيجا معقدا من الوطنية والمعاناة والرغبة العميقة في حياة كريمة ومستقبل آمن.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة