آخر الأخبار

بين تأشيرة واشنطن ومقص طهران.. كيف تحول "هرمز" لأكبر غرفة انتظار؟

شارك

على مدى عقود، ظل مضيق هرمز ذلك الشريان الذي يضخ الحياة في عروق الاقتصاد العالمي، ممرا ندرك وعورته الجيوسياسية، لكننا أبدا لم نتصور أن تغدو الملاحة فيه "سفرا بين حدين"، إذ لم يعد التحدي مجرد عبور في مياه دولية تتقاذفها الأمواج، بل صار عبورا فوق رمال سياسية متحركة.

المثير في الأمر، بل والأدهى، أن العقبة التي كانت توصف بالفريدة والمحفوفة بالمخاطر، لم تعد وحيدة، بل أصبحت العقبة عقبتين، فبعد أن كان "عنق الزجاجة" يضيق بفعل الجغرافيا والتوترات الإقليمية، بات اليوم محاصرا بمقص "السيادات المتصارعة".

وبين مطالبة طهران بـ"رسوم سيادية" وضرائب عبور، وبين الوجود الأمريكي الذي يفرض وصاية الأمر الواقع، أصبحت السفن العابرة تائهة في بروتوكول مزدوج، وكأن هرمز لم يعد مضيقا، بل "غرفة انتظار" كبرى تتطلب تأشيرتين لمرور واحد.

"التنسيق".. كلمة السر الإيرانية

تحولت عملية عبور مضيق هرمز من إجراء ملاحي روتيني إلى "تنسيق دبلوماسي معقد" يخلط بين السياسة، المال، والمناورة العسكرية.

وتظهر البيانات أن النجاح في المرور مرتبط بتفاهمات مسبقة، كما حدث مع السفن السبع المرتبطة بماليزيا وناقلة الشركة التايلاندية (بانجشاك كوربوريشن)، حيث لعب التنسيق الدبلوماسي دور "صك العبور" دون دفع رسوم للخروج من الحصار.

إذ عبرت ناقلة النفط (أوشن ثاندر)، المحملة بالنفط الخام العراقي وتستأجرها وحدة تابعة لشركة الطاقة الحكومية الماليزية (بتروناس)، مضيق هرمز في 5 أبريل/نيسان، ومن المتوقع أن تفرغ حمولتها البالغة مليون برميل من خام البصرة الثقيل في بنجرانج بماليزيا في 18 أبريل/نيسان.

بدورها اعترفت الصين بالتنسيق المسبق مع الأطراف المعنية لمرور سفنها من المضيق في 11 أبريل/نيسان، مثل "كوسبيرل ليك" المحملة بالنفط العراقي والمتوقع وصولها في بداية مايو/أيار و"خه رونغ هاي" المحملة بالنفط الخام السعودي.

مصدر الصورة سفن شحن في الخليج العربي، قرب مضيق هرمز، كما تُرى من شمال رأس الخيمة، قرب الحدود مع محافظة مسندم العمانية، في 11 مارس/آذار 2026 (رويترز)

هندسة الهروب

كما لجأت بعض السفن إلى ابتكار مسارات ملاحية لتجنب نقاط الاحتكاك المباشرة، كما فعلت ناقلة النفط العملاقة (سيريفوس) الماليزية والتي ترفع علم ليبيريا في 10 أبريل/نيسان إذ اتخذت مسار منطقة الرسو التجريبية لتفادي المناطق الخطرة وهربا من الرقابة الإيرانية.

إعلان

وفي محاولة لاستغلال "فترات الهدنة" رصدت شركة كبلر دخول ناقلة النفط العملاقة (أجيوس فانوريوس 1)، التي ترفع علم مالطا، الخليج عبر مضيق هرمز في 15 أبريل/نيسان في محاولة ثانية للعبور، وكشفت البيانات أنها متجهة إلى العراق لتحميل خام البصرة لنقله إلى فيتنام.

وكانت الناقلة ضمن عدة سفن حاولت دخول الخليج، الأحد، في استغلال لفرصة "وقف إطلاق النار" المؤقت بين واشنطن وطهران مما يحول الملاحة إلى "اقتناص لحظات".

واللافت في هذا الحصار أن النجاة لا تعتمد فقط على "علم السفينة"، بل على "هوية الحمولة"، إذ تتركز معظم السفن الناجحة في نقل النفط العراقي والسعودي والإماراتي المتجه إلى قوى آسيوية كبرى (الصين، الهند، فيتنام)، مما يشير إلى أن إيران تحاول تجنب صدام مباشر مع شركائها الاقتصاديين في آسيا.

مصدر الصورة ناقلة الغاز البترولي المسال الهندية ميناء مومباي في مومباي، الهند، بعد وصولها عبر مضيق هرمز، الأربعاء، 1 أبريل/نيسان 2026 (وكالة أسوشيتد برس)

انسيابية في مرمى النيران

في المقابل برزت الهند كلاعب رئيسي ملك النصيب الأكبر في اختراق الحصار، إذ أحصى بحث "الجزيرة نت" فيما يخصها عبور ما لا يقل عن 17 ناقلة عملاقة وشحنة إستراتيجية من مضيق هرمز منذ اندلاع المواجهة، توزعت بين النفط الخام والوقود وغاز الطهي.

لا تقتصر "الثغرات" على ذلك وحسب، بل كشفت رويترز أن إسلام آباد تمكنت هي الأخرى من تأمين احتياجاتها النفطية عبر ممر هرمز المتوتر، فبدلا من الناقلات العملاقة، اعتمدت باكستان على فئات (أفراماكس وباناماكس) في الدخول إلى السعودية والإمارات أبريل/نيسان الجاري.

ورُصد دخول الناقلتين "شالامار و"خيربور" إلى الخليج في 12 أبريل/نيسان في ذروة التوتر، متوجهتين إلى الإمارات والكويت لتحميل النفط والمنتجات المكررة.

وعبرت أيضا ناقلة النفط "بي.أليكي" من فئة أفراماكس مضيق هرمز في 28 مارس/آذار وفرغت شحنة نفط خام سعودي في كراتشي في 31 مارس/آذار، أي خلال 3 أيام فقط مما يعكس انسيابية مفاجئة في ظل الحصار المفروض.

مصدر الصورة تصطف ناقلات النفط وسفن الشحن في مضيق هرمز، كما يُرى من خورفكان، الإمارات العربية المتحدة، 11 مارس/آذار 2026 (أسوشيتد برس)

العقبة التي أصبحت عقبتين

خروج هذه السفن -المحدود- من قلب المضيق لا يعني النجاة، بل هو بداية مطاردة يمكن أن تمتد لآلاف الأميال في المحيطات.

ومع إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترمب فرض حصار على جميع السفن التي تحاول دخول مضيق هرمز أو مغادرته، لم يعد يقتصر المشهد على الإغلاق المادي، بل يدخلنا في مرحلة "التكنولوجيا والمراقبة الفضائية" لاعتراض السفن في أي مكان؛ ونموذج الناقلة الفنزويلية في المحيط الهندي، خير دليل.

تعتمد الإستراتيجية الأمريكية الحالية في مضيق هرمز على مفهوم "الحصار اللامادي"، فالولايات المتحدة لم تعد بحاجة لإغلاق المضيق ماديا (وهو إجراء غير قانوني دوليا) بل تستطيع القوات الأمريكية اعتراض السفن التي تحمل شحنات مرتبطة بإيران على بعد عشرات آلاف الأميال.

وبمجرد خروج السفينة من المضيق ودخولها إلى المياه الإقليمية تبدأ الطائرات والمدمرات الأمريكية بملاحقتها، مما يعني قدرة البحرية الأمريكية على اعتراض أي شحنة مرتبطة بإيران في أي نقطة من مياه العالم، محولة الخروج من المضيق فخا لا نهاية له إلا الوقوع في قبضتهم.

إعلان

وفي تطبيق عملي في وقت سابق من هذا العام، وبينما كانت واشنطن تضغط على نظام نيكولاس مادورو في فنزويلا، استولت القوات الأمريكية على ناقلة فنزويلية في المحيط الهندي، على بعد آلاف الأميال من ميناء منشئها.

مصدر الصورة سفينة في مضيق هرمز، قبالة سواحل محافظة مسندم العمانية، 12 أبريل/نيسان 2026 (رويترز)

ملاحة انتقائية بعيدا عن أعين القانون

تؤكد طهران في تصريحاتها الرسمية أن المضيق يقع ضمن نطاق سيادتها، ولوّحت بإمكانية فرض رسوم أو قيود على حركة العبور، لكنّ المعطيات الميدانية تروي قصة مختلفة.

وتشير تقارير رويترز إلى أن إيران لم تُقدم على إغلاق المضيق بشكل كامل، بل سمحت بمرور عدد محدود من السفن، مع الحديث عن سقف يومي للعبور، إضافة إلى توجيه السفن للالتزام بتنسيق مسبق.

هذا التباين يكشف أن إيران، رغم خطابها الحاد، تعتمد عمليا سياسة العبور الانتقائي، مما يتيح لها ممارسة الضغط دون الوصول لمرحلة المواجهة المباشرة أو الانتحار الاقتصادي، وفقا لمحللين.

على الضفة الأخرى، لطالما تحدثت واشنطن عن حماية حرية الملاحة وفق القانون الدولي، وترفض أي محاولات لفرض قيود على المرور في المضيق.

ورغم تشديد القيادة المركزية الأمريكية على أن قواتها "لن تعيق حرية الملاحة" للسفن التي تعبر مضيق هرمز من وإلى موانئ غير إيرانية، في محاولة لطمأنة حركة التجارة الدولية، فإنها قالت -في بيان- إن الحصار سيشمل جميع الموانئ الإيرانية المطلة على الخليج العربي وخليج عُمان، مؤكدة أنه سيستهدف كافة السفن التجارية بمختلف جنسياتها، سواء الداخلة إلى السواحل الإيرانية أو الخارجة منها.

وأضافت أنها ستُصدر إشعارا رسميا يتضمن تفاصيل إضافية للبحارة التجاريين قُبيل بدء تنفيذ الحصار، داعية جميع السفن في خليج عُمان ومداخل مضيق هرمز إلى متابعة هذه الإشعارات بدقة.

وقالت القوات العسكرية الأمريكية، اليوم الأربعاء، إن حصارا أمريكيا أدى إلى "وقف التجارة الاقتصادية تماما" من وإلى الموانئ الإيرانية عن طريق البحر، وذلك بعد ساعات من إعلان مسؤولين عسكريين أن السفن الحربية الأمريكية واجهت 6 سفن تجارية غادرت ميناء إيرانيا وأجبرتها على العودة.

وفي الوقت ذاته، تشير التقارير الميدانية إلى أن القوات الأمريكية لعبت دورا مباشرا في التأثير على حركة السفن، حيث تم إجبار بعض الناقلات على تغيير مسارها أو العودة، خصوصا تلك المرتبطة بجهات خاضعة للعقوبات.

خطوة خطيرة

ويوم الثلاثاء، انتقدت الصين، وهي مشترٍ رئيسي للنفط الإيراني سعت إلى النأي بنفسها عن المشاركة المباشرة في الحرب، الحصار الأمريكي ووصفته بأنه "خطوة خطيرة وغير مسؤولة".

وقال المتحدث باسم وزارة الخارجية غو جياكون: "هذا لن يؤدي إلا إلى تفاقم المواجهة، وتصعيد التوتر، وتقويض وقف إطلاق النار الهش بالفعل، وزيادة تعريض المرور الآمن عبر مضيق هرمز للخطر".

كما تُظهر التقارير أن الوجود العسكري الأمريكي الكثيف في المنطقة لا يقتصر على الردع، بل يمتد عمليا إلى إدارة غير مباشرة لحركة الملاحة، بما يتجاوز الطرح النظري لحرية العبور.

وقالت القيادة المركزية الأمريكية إن أكثر من 10 آلاف بحار وجندي من مشاة البحرية وأفرادا من القوات الجوية الأمريكية يشاركون في العملية، وإنه في أول 24 ساعة، امتثلت 6 سفن تجارية للأوامر الأمريكية بالعودة و"إعادة الدخول إلى ميناء إيراني".

وبين تأشيرة طهران التي تمنح حق العبور لمن ينسق، ومقص واشنطن الذي يترصد الشحنات في أعالي البحار، لم يعد مضيق هرمز مجرد ممر مائي، بل صار مختبرا لصراع الإرادات لتظل السفن العابرة رهينة القرارات الملاحية، في انتظار حل سياسي يفكك عقدة المضيق الذي لم يعد يضيق بجغرافيته، بل بتناقضات لاعبيه.

إعلان
الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا