مفاوضات تستمر 21 ساعة، على أعلى مستوى من الاتصالات بين طهران وواشنطن منذ 1979، وتنتهي بلا اتفاق.
غادر نائب الرئيس الأميركي، جي دي فانس، إسلام آباد الأحد بعدما ألقى عبارة ذات ثقل دبلوماسي، مفادها أنه قدم للإيرانيين “العرض النهائي والأفضل”.
في واشنطن، لم تُفهم هذه العبارة كإحباط، بل كرسالة محسوبة. وقال مسؤول رفيع في البيت الأبيض لقناة “الحرة” إن الموقف الأميركي أصبح محسوما ولن يتغير، وعلى إيران أن تحسم خيارها.
بحسب فانس، كانت نقطة الخلاف الجوهرية رفض طهران الالتزام الدائم بعدم السعي لامتلاك سلاح نووي. في المقابل، طرح الوفد الإيراني ملفات أخرى: السيادة على مضيق هرمز، التعويضات الحربية، رفع العقوبات، ووقف الهجمات على حزب الله. ولم يعلن أي من الطرفين انسحابه من المفاوضات، فيما تعهدت باكستان بمواصلة الوساطة.
في طهران، اختار رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف لغة مختلفة. كتب على منصة إكس: “فشلت الولايات المتحدة في كسب ثقة الوفد الإيراني خلال محادثات السلام. بسبب تجارب الحربين السابقتين، لا ثقة لنا في الطرف المقابل”.
ولا تقصر عبارة “الحربين السابقتين” على الإشارة إلى هذه الحرب، بل تشمل أيضا الحرب العراقية الإيرانية بين عامي 1980 و 1988، حين وقفت واشنطن إلى جانب بغداد. وينطوي خطاب قاليباف غير التقليدي على توصيف لأزمة ثقة عميقة، لم تُصمم أي آلية لوقف إطلاق النار لمعالجتها.
ثم جاء التصعيد.
أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترامب عبر منصة “تروث سوشيال” فرض حصار بحري على هرمز. لكن عند مستوى التنفيذ بدا أن المؤسسة العسكرية الأميركية أعادت ضبط الإيقاع. وجاء الأمر العملياتي الصادر عن القيادة المركزية الأميركية أكثر تحديدا: “لن يُعرقل حق الملاحة الحرة للسفن العابرة من وإلى الموانئ غير الإيرانية”.
داخل الإدارة، كانت القراءة مختلفة. مسؤول في وزارة الخارجية قال إن الحصار “يقلب الطاولة”، لأنه يحرم إيران من استخدام المضيق كورقة ضغط على شركاء واشنطن. وفي البيت الأبيض، كان التوصيف أكثر حدّة: “النظام الإيراني راهن على أن ترامب سيتراجع. اليوم أثبت أنه ليس من سيرفع الراية البيضاء”.
لكن الأسواق قرأت الإعلان بطريقة أخرى. فتوقفت حركة الملاحة في مضيق هرمز بالكامل بعد منشور ترامب. وقفز سعر خام برنت إلى 102 دولار، بعدما كان عند 70 دولارا قبل اندلاع الحرب.
في أوروبا، لم يكن هناك إجماع. أعلن رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر أن بلاده لن تنضم إلى الحصار. أما الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون فأطلق مبادرة مختلفة: مهمة متعددة الجنسيات تضم أربعين دولة لإعادة فتح المضيق وفق سياق مختلف.
لكن الرد الإيراني لم يتجه نحو هرمز. وهدد الحرس الثوري بإغلاق باب المندب، المضيق الذي يربط البحر الأحمر بالأسواق العالمية. وقال علي أكبر ولايتي إن “محور المقاومة” يتعامل مع باب المندب بالقدر ذاته من الجدية التي يتعامل بها مع هرمز.
في التقديرات الأوروبية، التهديد أخطر مما يبدو. مسؤول استخباراتي رفيع قال إن إغلاق باب المندب يتجاوز كونه أزمة إقليمية. “هرمز في جوهره مسألة طاقة آسيوية: الصين، اليابان، كوريا الجنوبية، الهند. أما باب المندب فهو مسألة أوروبية بامتياز. إنه المتوسط، وقناة السويس، وكل ما يتحرك بين آسيا وأوروبا. إذا أُغلق، لن تتباطأ سلاسل الإمداد. ستتوقف”.
تحرك ماكرون جاء في صباح اليوم نفسه الذي تحدث في الحرس الثوري.
الحصار، بهذا المعنى، ليس مجرد أداة ضغط. هو مقامرة صيغت بلغة رجل صفقات، لكنها تُنفّذ بمنطق عسكري. والسؤال الآن ليس ما إذا كانت واشنطن رفعت السقف. السؤال ما إذا كانت طهران تقرأ الرسالة كما كُتبت، أم ترد عليها من مكان آخر.
المصدر:
الحرة