في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
جنين- داخل منزلها في وسط بلدة الزبابدة جنوب مدينة جنين، شمالي الضفة الغربية، استقبلت سمر موسى (55 عاما) عيد الفصح، بتلوين بعض البيض المسلوق، كجزء من الطقوس المسيحية في عيد الفصح، الذي يحل اليوم الأحد.
ويرمز البيض الملون إلى القيامة من العدم إلى الوجود، وتحيي العيد اليوم الطوائف التي تسير وفق التقويم الشرقي، وذلك بعد أن أحيت الطوائف الغربية العيد الأحد الماضي.
وعيد الفصح (القيامة) هو أعظم وأهم الأعياد المسيحية، ويُحيي ذكرى قيامة المسيح من بين الأموات في اليوم الثالث بعد صلبه، وفقًا للعقيدة المسيحية. ويُحتفل به في أحد الأيام بين 22 مارس/آذار و25 أبريل/نيسان، ويتميز بقدّاسات منتصف الليل، وتلوين البيض، ورموز الحياة الجديدة، وينتهي به الصوم الكبير.
فيما يكاد يخلو المنزل من أي مظاهر للزينة والعيد، تصف بسمة موسى (65 عاما) في حديثها -للجزيرة نت- أجواء عيد الفصح لهذا العام بأنها "تشابه الأيام العادية" وتقول إن العيد هو يوم كأي يوم آخر، لا مظاهر للفرح ولا للاحتفال "الناس في ضيق شديد، ننام ونصحو على أخبار القتل والتدمير واقتلاع الأشجار، كيف يمكننا أن نشعر بفرح الأعياد؟".
تضيف بسمة أن آخر الأعياد بهجة كانت مع نهاية انتفاضة الأقصى الثانية (2005)، ومنذ ذلك الوقت فقد الناس إحساس الأمان والراحة والاستقرار في البلد.
"الأوضاع السياسية جعلت الناس في حالة نفسية سيئة، وفقدوا الأمل في المستقبل. نحن لا نعرف ماذا يحدث حولنا، هل نبقى في منازلنا أم سيتم تهجيرنا؟ حتى ليلة العيد أنام وأنا أفكر: هل يمكن أن يقتحم جندي منزلي؟ هل يمكن أن أصاب برصاصة من قناص؟ نحن نعيش ظروفًا سوداوية انعكست على نظرتنا للفرح" تضيف المواطنة الفلسطينية.
ومنذ بداية حرب الإبادة على قطاع غزة في أكتوبر/تشرين الأول 2023، يعيش المسيحيون في بلدة الزبابدة، ظروفًا صعبة، إذ يواجهون اقتحامات جيش الاحتلال بشكل شبه يومي، حيث يداهم الجنود المحال التجارية ويفرضون على أصحابها الإغلاق تحت تهديد السلاح، إضافة إلى مداهمة المنازل وتفتيشها، فضلا عن اعتداءات المستوطنين التي تركزت في الأشهر الأخيرة، خاصة بعد إقرار بناء مستوطنة على أراضي قرية رابا المجاورة.
وتُعد بلدة الزبابدة أكبر تجمع للطائفة المسيحية في شمالي الضفة الغربية، إذ يشكل المسيحيون نحو 60% من إجمالي السكان البالغ عددهم نحو 5 آلاف نسمة، يعمل عدد كبير منهم في الوظائف الحكومية والأعمال التجارية الحرة. فيما يتوزع بضع مئات من المسيحيين في عدة قرى في محافظة جنين، منها برقين جنوب جنين، ودير غزالة، وكفر قود.
في كنيسة القديس جاورجيوس للروم الأرثوذكس وسط البلدة، وهي واحدة من ثلاث كنائس فيها، تولى الأب فراس خوري دياب راعي الكنيسة، تحضيرات قداس الليل وصلاة العيد صباح الأحد.
يقول للجزيرة نت، إن المظاهر الاحتفالية تقلّصت في السنوات الأخيرة بشكل كبير، وباتت تقتصر على الصلوات وشعائر العبادة، فيما غابت الفرق الكشفية والزينة والاحتفالات الشعبية التي كانت تُقام في الشوارع والساحات قبل الحرب الإسرائيلية على غزة.
يضيف أن المسيحيين جزء من النسيج الفلسطيني، ويتأثرون بشكل مباشر بالأوضاع السياسية التي يفرضها الاحتلال على الأرض، حيث منعت قيوده مسيحيي شمال الضفة عموما، ومسيحيي الزبابدة خصوصا، من الوصول إلى كنيسة القيامة في القدس، وكنيسة المهد في مدينة بيت لحم جنوبي الضفة.
ويضيف دياب "كل عام في عيد الفصح يتم نقل "النور المقدس" من كنيسة القيامة في القدس إلى هنا في الزبابدة، وخلال ساعتين كان يصل إلينا، أما هذا العام فاحتاج إلى ست ساعات ونصف لوصوله، بسبب الحواجز الإسرائيلية والمعيقات التي يفرضها الاحتلال، والتي تعيق التنقل بين مدن الضفة".
ويعبّر المسيحيون في الزبابدة عن شوقهم وحزنهم لزيارة القدس وأداء القدّاس في كنيسة القيامة، والمشاركة في سبت النور الذي يسبق عيد الفصح، لكن الاحتلال يحرمهم من ذلك بإغلاق المدينة المقدسة.
ولا يمكن ملاحظة مظاهر احتفالية عند التنقل في شوارع البلدة وأحيائها، وعلى الرغم من اعتياد البلدة على احتفالات الفرق الكشفية التي كانت تجوب أحياء الزبابدة وصولًا إلى وسط مدينة جنين، وتزيين الشوارع والمنازل وإضاءتها، واستقبال الوفود الرسمية والشعبية للمشاركة في الاحتفالات، فإن هذه المظاهر غابت في معظمها منذ نحو 3 سنوات.
يربط الموظف في بلدية الزبابدة، رامي مروان دعيبس (51 عامًا)، بين اعتداءات جيش الاحتلال على المساجد ودور العبادة في المدن الفلسطينية، والاعتداء على الكنائس في بلدات ومدن الضفة، وقصف الكنائس في غزة، وحرمان المسيحيين من حرية العبادة في القدس.
يقول دعيبس، للجزيرة نت، إن إسرائيل لا تحترم الأديان، وتمارس الانتهاكات بحق المسلمين والمسيحيين على حد سواء، مؤكدا أن الظروف الأمنية والسياسية فرضت نفسها على طبيعة الاحتفال بالأعياد المسيحية، خاصة عيد الفصح.
ويضيف "الظروف العامة صعبة جدا، وحتى الاحتفالات الرسمية محدودة، كما أن أزمة الرواتب انعكست سلبا على القوة الشرائية في البلدة، ما جعل مظاهر الفرح محدودة للأطفال فقط. وجود جيش الاحتلال بشكل مستمر يخلق حالة من التوتر وغياب الأمان، ما ينعكس على التجمعات العائلية والحياة اليومية، خاصة في الليل".
وتوافق سمر دعيبس (33 عاما) هذا الرأي، إذ ترى أن غياب البهجة أصبح السمة الأساسية للأعياد منذ نحو 3 سنوات "الكل منشغل بالتفكير بإخواننا في غزة، وفي أهالي الشهداء والأسرى. بالنسبة لي ألغيت كل مظاهر الاحتفال، حتى تلوين البيض أو شراء الشوكولاتة، ونصلي أن يكون العيد المقبل أكثر استقرارا وأمانا لكل الشعب الفلسطيني".
وحتى كنيسة دير اللاتين وسط مدينة جنين، التي يعود تاريخ بنائها إلى عام 1956، لم تسلم من اعتداءات الاحتلال، وكان آخرها في يوليو/تموز 2023، حين فجّر الجيش الإسرائيلي بوابة الكنيسة بإطلاق قذيفة مباشرة، ما أدى إلى اشتعال النار فيها وفي صالة الصلاة والغرف المجاورة.
وفي 29 مارس/آذار 2026، منعت شرطة الاحتلال الإسرائيلي بطريرك اللاتين في القدس، الكاردينال بييرباتيستا بيتسابالا، من دخول كنيسة القيامة في البلدة القديمة لإقامة قداس أحد الشعانين، وأجبرته على العودة برفقة حارس الأراضي المقدسة والأب فرانشيسكو إيلبو، ووصفت البطريركية هذا الإجراء بأنه "سابقة خطيرة".
كما ألغت السلطات الإسرائيلية إقامة القداس داخل الكنيسة، إضافة إلى "مسيرة أحد الشعانين"، بذريعة حالة الطوارئ وتعليمات الجبهة الداخلية، منذ بدء الحرب الأمريكية الإسرائيلية الإيرانية في 28 فبراير/شباط 2026.
دياب: تجمعنا مع إخوتنا المسلمين شراكة في بناء الثقافة والحضارة الفلسطينية ولذلك نتعرض لمحاولات اقتلاع (الجزيرة)عن حال البلدة مع اعتداءات الجيش والمستوطنين، يقول دياب "نحن فلسطينيون أبناء هذه الأرض، تجمعنا مع إخوتنا المسلمين شراكة في بناء الثقافة والحضارة الفلسطينية، ولذلك نتعرض لمحاولات اقتلاعنا من أرضنا، واعتداءات المستوطنين تتزايد في الزبابدة وفي البلدات المسيحية الأخرى".
ويضيف "هؤلاء لا يريدون أن أبقى في هذه الأرض أو أبني حضارة فيها. نحن مسيحيون فلسطينيون، نؤمن أن الله إله الجميع، ولا يمكن أن نصدق أنه يمنح الحق لشعب دون آخر في هذه الأرض".
ويختم "عيد الفصح ليس فقط قيامة السيد المسيح، بل هو الفرح والنهوض من الموت. نؤمن أن الشعب الفلسطيني قادر على النهوض من هذه الظروف الصعبة، وصلاتنا أن يكون هذا العيد بداية لقيامة الوطن وقيامة الأمل، حتى نصل إلى حقوقنا المشروعة".
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة