اتفقت الولايات المتحدة وإيران على تعليق تقاتلهما لمدة أسبوعين، تُجريان خلالهما مفاوضات تنهي الحرب نهائيًّا، حسب منشور الرئيس الأمريكي، دونالد ترمب، على تروث سوشيال. واتفقتا على أن تفتح إيران مضيق هرمز للملاحة فتحًا كاملًا، وعَدَّ ترمب المبادئ العشرة الإيرانية التي استلمها من الباكستانيين أرضية عملية للتفاوض.
وقد أشاد الطرفان بالقيادة الباكستانية التي ربطت التواصل غير المباشر بين الطرفين، وشجَّعتهما على قبول هذا المقترح. وتورد تقارير أن الصين شجعت إيران على التوصل للاتفاق.
أورد ترمب في منشوره عن الاتفاق نقطة مركزية، ستكون مثل المرساة في المفاوضات القادمة، وتشكيل ملامح النظام الناشئ في المنطقة. ذكر أنه تلقى النقاط العشر الإيرانية وأنها أساس عملي للتفاوض القادم. يقتضي ذلك أن إيران تمكنت من تحديد إطار التفاوض وأجندته، وأن ترمب وافق على أن تكون التسوية في حدوده. وهذا مكسب إيراني.
يشير ذلك إلى أن ترمب لم يعد يربط بين وقف أعماله العسكرية مقابل قبول النظام الإيراني بالاستسلام الكامل، والتخلي الكامل عن مشروعه النووي، والحد من مشروعه الصاروخي كي لا يصل إلى إسرائيل، وقطع علاقاته مع الفصائل المسلحة الحليفة.
ذكر في منشوره موافقة إيران على طلبه فتح مضيق هرمز كاملًا للملاحة. وهذا ليس بالهدف المتوخَّى قبل الحرب؛ لأن المضيق كان مفتوحًا في وجه الملاحة، ثم إن قبول إيران بفتحه حاليًّا سيكون مقابل حصولها على حقوق المرور، حسب تقرير أسوشيتد برس عن مسؤل إقليمي لم تفصح عن اسمه، وذكر أن هذه المداخيل ستمكِّن إيران من إعادة الإعمار.
وقد قال السيناتور الأمريكي من الحزب الديمقراطي، كريس مورفي: إن منح ترمب إيران السيطرة على هرمز يعطيها مكسبًا تاريخيًّا.
من منظور أوسع، كشف هذا الاتفاق عن حدود القوى العسكرية الأمريكية: لم تردع إيران عن الدفاع نفسها، ولم ترغمها على الاستسلام، ولم تشلَّ حركتها كليًّا.
هذا يرسخ مجددًا الأنطباع بأن بالإمكان التصدي للولايات المتحدة الأمريكية ورفض الخضوع لها؛ وأن هناك سبلًا أخرى لجعل الحرب مكلفة على الولايات المتحدة، وهي السبل غير المباشرة، كالسبل الاقتصادية. كذلك، كشفت الحرب عن خشية الولايات المتحدة من المجابهة البرية، واكتفائها بالقوة الجوية والعمليات البحرية عن بُعد.
وليس من المستبعد أن تضع الدول المتصارعة مع الولايات المتحدة في المستقبل هذه الاعتبارات في مواجهتها العسكرية للولايات المتحدة.
كشف الاتفاق على تعليق الأعمال القتالية أن إيران انتقلت من موقف الدفاع الذي كانت عليه قبل الحرب، وكان يتضمن أساسًا احتفاظها بمشروعها النووي والصاروخي، إلى موقف الهجوم الذي وسَّع مطالبها لتتضمن فرض قواعد سلوك على منطقة الشرق الأوسط، تشمل الحد من حرية العمل العسكري الإسرائيلية، ووضع القوات العسكرية الأمريكية.
يشير قبول ترمب مجرد النقاش في هذه النقاط أن وجود القوات الأمريكية بالمنطقة لم يعد أمرًا مسلَّمًا به وفوق كل نقاش، وليس من حق إيران التدخل فيه بل وافق على إعطائها حق النظر في هذه الأمور التي لم تكن محل تفاوض قبل الحرب.
أدى نجاح باكستان ومعها الصين في تحقيق الاتفاق إلى جعلهما طرفين رئيسيين في ترتيبات منطقة الخليج والشرق الأوسط. حصل ترمب بفضلهما على مخرج من مأزق التصعيد الذي قد يُلحق أضرارًا هائلة بالمستهلك الأمريكي. وحصلت إيران بفضلهما على صفقة تمنع مزيدًا من الدمار لبنيتها التحتية، وتمنحها أرضية للحفاظ على عدد من أهدافها الحيوية.
يمثل دور الصين في الصفقة تحولًا مهمًّا؛ إذ أشاد به الرئيس الأمريكي، ترمب، وهذا يعني قبولًا بدور الصين مستقبلًا في ترتيبات منطقة الخليج، ويعد ذلك اعترافًا بدورها في منطقة الخليج التي كانت تُعد شأنًا أميركيًّا، وتصر أميركا على منع الصين من التسلل إليه. علاوة على أنه قبل الإعلان عن الاتفاق، كانت البحرين قدَّمت مشروع قرار لمجلس الأمن لرفض إغلاق إيران لمضيق هرمز أو تغيير وضعه عمَّا كان قبل الحرب إلا أن الصين وروسيا استعملتا الفيتو لمنع مرور القرار.
كشف ذلك عن أن الصين تنحاز إلى إيران مقابل دول الخليج، وأنها لا ترى إشراف إيران على مضيق هرمز ضارًّا بمصالحها، ولا تعطي أولوية للأضرار التي تلحق دول الخليج، أو الحاجة إلى طاقتها.
لا يزال الاتفاق في بداياته، وهو مؤقت، وقد يُمنى بالفشل لأسباب عديدة، لكن السبب الرئيسي هو المفاوضات التي ستجري حول وقف إسرائيل أعمالها العسكرية في كل الجبهات، خاصة جبهة لبنان مع حزب الله. سيستميت رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، في رفض هذا الطلب وستستميت إيران في المطالبة به؛ لأنها التزمت بالربط بينها وبين بقية الفصائل المسلحة الحليفة.
قد يضغط نتنياهو من خلال حلفائه في واشنطن على ترمب حتى يتشدد في مطالبه، فترفض إيران، فتندلع الحرب مجددًا. ويملك نتنياهو لهذا الضغط الشخصين اللذين أدارا التفاوض سابقًا، وهما: جاريد كوشنر، صهر ترمب، وستيف ويتكوف، شريكه في الأعمال، وهما يهوديان صهيونيان، تصفهم بعض الشخصيات الدبلوماسية بأنهما يحرصان على تلبية المطالب الإسرائيلية.
قد يفسر ذلك رفض إيران التفاوض معهما واشتراطها التفاوض مع نائب الرئيس، جي دي فانس؛ لأنها أجرت معهما جولات تفاوض سابقة، وكانت كل جولة، حسبها، غطاء لأعمال عسكرية أمريكية وإسرائيلية.
إذا لم تصل المفاوضات إلى اتفاق يتضمن الأعمال العسكرية الإسرائيلية، سيكون ترمب أمام خيارين: العودة مجددًا إلى القتال، فيبدو أنه يقاتل مجددًا من أجل إسرائيل، فتزداد صورته تردِّيًا في أميركا، أو يقبل بفصل المسارات، فيمتنع عن مواصلة الحرب مع إيران مقابل تنازلات بينيَّة، لكنه يترك إيران وإسرائيل تحلان مشاكلهما البينية. وقد يقبل في هذا المنظور أن يدعم إسرائيل في الدفاع فقط ويمتنع عن شَنِّ هجمات على إيران، مثل ما فعل الرئيس الأمريكي السابق، جو بايدن.
في حال، عاد ترمب مجددًا إلى الحرب، سيواجه نفس المعضلة: سيضطر إلى التصعيد، والتهديد بضرب البنية التحتية الإيرانية ومنشآت الكهرباء والطاقة، وتهدد إيران بمهاجمة بقية المنشآت في المنطقة، فترتفع أسعار الطاقة مجددًا، ويرتفع سعر البنزين في الولايات المتحدة، فتنخفض شعبية ترمب والجمهوريين على أعتاب انتخابات التجديد النصفي للكونغرس.
وإذا نفَّذ ترمب تهديداته حينها وهاجم حقول النفط والغاز أيضًا فإن أسعار الطاقة ستشهد ارتفاعًا هائلًا، ولن يكون قابلًا للخفض مجددًا لأن أسواق الطاقة تكون حسبت أن الكميات الناقصة في أسواق الطاقة لا يمكن استعادتها بتاتًا، فترتفع أسعار البنزين في أميركا إلى مستويات كبيرة، قد تقضي على حظوظ الجمهوريين السياسية مستقبلًا
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة