دمشق- عكست زيارة الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي إلى دمشق -أمس الأحد- وجود اهتمام من كييف بالتقارب مع سوريا بعد سقوط نظام بشار الأسد.
وقد أكد زيلينسكي في تصريحات له بعد الزيارة اهتمامه بتطوير العلاقات العسكرية والأمنية بين بلاده و سوريا.
وتوضح الجزيرة نت عبر سؤال وجواب دوافع التقارب بين أوكرانيا وسوريا، وما المصالح التي يسعى كل طرف لتحقيقها من خلال هذه الزيارة الرسمية الأولى لزيلينسكي إلى دمشق.
أعطت أوكرانيا مؤشرات مبكرة على رغبتها في التحرُّك ضمن ساحة دولية كانت محسوبة على النفوذ الروسي، فقد سارعت كييف عقب سقوط الأسد مباشرة إلى تزويد سوريا بـ500 طن من دقيق القمح على شكل مساعدات إنسانية، قبل أن يتوجه وزير الخارجية الأوكراني أندريه سيبيغا إلى دمشق أواخر ديسمبر/كانون الأول 2024.
وفي سبتمبر/أيلول 2024، اتهمت وسائل إعلام روسية شبه رسمية أوكرانيا بأنها دفعت بخبراء من أجل تطوير قدرات " هيئة تحرير الشام" في مجال استخدام الطائرات المُسيّرة وتصنيعها.
ورأى الكاتب والمحلل السوري، أسامة بشير، المتابع للشؤون الأوكرانية، أن كييف مهتمة بإظهار تحقيقها نجاحات سياسية ودبلوماسية على حساب روسيا، والاستفادة من التغيير الذي حصل في سوريا.
ورجّح بشير- في حديثه لموقع الجزيرة نت- أن تعمل أوكرانيا على إقناع سوريا بسحب اعترافها بسيادة روسيا على شبه جزيرة القرم، والتي صدرت في عهد نظام الأسد سابقا.
ورغم استبعاده لحصول توتّر بين روسيا وسوريا في المرحلة الراهنة نتيجة تطور العلاقات بين كييف ودمشق، فإن بشير يعتقد أن أوكرانيا ستعمل تدريجيا على أن تحل مكان روسيا في سوريا وتفقد موسكو نفوذها
ويتوقع بشير أن تقدم كييف نفسها لدمشق بديلا عن موسكو سواء في مجال القمح، أو التكنولوجيا العسكرية.
ويعتقد بشير أن أوكرانيا تبحث عن تطوير تعاونها الأمني مع تركيا ودول الخليج وبالأخص السعودية عبر النشاط أمنيا في ساحات توفر لكييف التقاطع مع هذه الدول، مرجحا وجود دور تركي وسعودي في زيارة زيلينسكي الأخيرة إلى دمشق.
وبحسب قراءة الباحث المتخصص بالشؤون الدولية فراس بورزان، فإن انفتاح أوكرانيا على سوريا هو ضمن إستراتيجية هجومية تتبناها كييف، تهدف إلى تطويق النفوذ الدولي لروسيا.
وسبق أن حث وزير الخارجية الأوكراني دمشق على إنهاء مهام القواعد الروسية في سوريا خلال زيارته التي أجراها أواخر 2024.
وذكر بورزان للجزيرة نت أن أوكرانيا تقدم لسوريا عروض تعاون في مجالات تنافس فيها روسيا أمنيا وعسكريا، بالإضافة إلى الأمن الغذائي.
وأوضح أن كييف تعمل من خلال تحركاتها على تقوية موقعها الدولي، خاصة فيما يتعلق بالتحالف مع الغرب عبر إظهار فعاليتها الأمنية والعسكرية والسياسية.
تبحث سوريا، التي خرجت للتو من حرب امتدت لقرابة 14 عاما، عن ترميم اقتصادها وقدراتها الدفاعية، وبناء عليه لا تمانع بتوسيع شراكاتها الدولية، لدرجة أن الحكومة الجديدة -التي تشكلت من فصائل عسكرية واجهت روسيا في سوريا- دخلت في مسار إعادة صياغة العلاقات مع موسكو لأهداف اقتصادية وعسكرية.
وبرأي الخبير العسكري السوري رشيد حوراني، فإن أوكرانيا، التي تنتمي إلى مدرسة هجينة في التسليح تجمع بين السلاح الشرقي والغربي، تُعتبر وجهة محتملة لسوريا من أجل ترميم العتاد العسكري الموجود بحوزة الجيش السوري حاليا، وهو روسي المنشأ.
وأشار حوراني -في تصريح للجزيرة نت- إلى أن أوكرانيا بعد انفصالها عن الاتحاد السوفياتي احتفظت بمعظم البنية التحتية العسكرية من مصانع للطائرات والدبابات ووحدات المدفعية، ويمكن لسوريا أن تستفيد منها في ظل محدودية التقدم الذي تم إحرازه بين الحكومة السورية الحالية وروسيا في سياق التعاون العسكري.
وأوضح حوراني أن أوكرانيا لديها تقدم استخباراتي، وهي تتعاون مع الولايات المتحدة في الحرب الحالية على إيران، ولذا فإن كييف تُمثّل فرصة تعاون بالنسبة لمختلف الأطراف الدولية، خاصة بعد ما أظهرته من قدرة على الصمود في وجه روسيا عبر التقدم التكنولوجي والاستخباراتي، مقابل كثافة النيران التي تعتمد عليها موسكو في الحرب.
رجّح المحلل السياسي أسامة بشير أن تسعى سوريا للاستفادة من علاقة أوكرانيا مع إسرائيل، التي تُصنف على أنها أفضل من علاقة روسيا مع الإسرائيليين.
يُذكر أن الرئيس الأوكراني لديه أصول يهودية، وفي ظل وجود جالية أوكرانية في إسرائيل، يمكن لكييف الدخول على خط الوساطة بين دمشق و تل أبيب لتسريع الوصول إلى تفاهمات.
وتحدثت وسائل إعلام سورية شبه رسمية عن وجود توجه لدى دمشق من أجل الاستفادة من القمح الأوكراني لسد احتياجاتها التي تصل إلى 2.5 مليون طن سنويا، نظرا لأن أوكرانيا من كبار مصدري الحبوب، إلى جانب إمكانية الاستفادة من التقدم التكنولوجي الأوكراني من أجل إعادة تأهيل منشآت الطاقة السورية.
وحرصت الحكومة السورية منذ توليها إدارة البلاد مطلع 2025 على إظهار قدراتها في إعادة سوريا إلى خريطة العلاقات الدولية بعد سنوات طويلة من العزلة، ومن المهم بالنسبة لها تعزيز علاقاتها مع كييف التي لديها علاقات مهمة مع دول الاتحاد الأوروبي، ازدادت بشكل ملحوظ بعد الحرب الروسية الأوكرانية.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة