واشنطن- غابت كوبا عن العناوين الرئيسية للإعلام الأمريكي منذ بدء الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، وذلك رغم إعطاء إدارة الرئيس دونالد ترمب الأولوية لنصف الكرة الغربي في إستراتيجية الأمن القومي التي نشرها البيت الأبيض في ديسمبر/كانون الأول الماضي.
ومنذ وصوله الثاني للحكم في يناير/كانون الثاني 2025، لم يخف ترمب رغبته في تغيير النظام في كوبا. واليوم، وبالنظر إلى كمية الموارد العسكرية والتكلفة الاقتصادية والاهتمام الشعبي الأمريكي بالحرب على إيران، يبدو أنه قرّر تأجيل التعامل مع ملف كوبا.
في الوقت ذاته، يبدو أن إدارة ترمب غير راغبة في التسبب في كارثة إنسانية لدولة تقع على مقربة منها، وهو ما قد يسفر عنه هجرة ملايين الكوبيين لسواحل ولاية فلوريدا القريبة.
وفي حديث للجزيرة نت، ذكرت باتي فوانتيه، -وهي محامية أمريكية من أصول كوبية تقطن في ضواحي واشنطن العاصمة- أن الوضع تجاه كوبا مُعلَّق في الوقت الراهن، ثم أضافت "أقاربي الموجودون داخل كوبا يزدادون قلقا بشأن ماذا سيحدث عقب وقف القتال مع إيران، هم سعداء حاليا بتراجع الاهتمام بكوبا، لكن القلق الحقيقي يرتبط بما سيحدث لاحقا".
وتشير تقارير على وجود مؤشرات على أن الإدارة الأمريكية تتفاوض مع الحكومة الكوبية بشأن تغييرات هيكلية في اقتصاد كوبا، وهذا انعكس بالفعل في خطابات الرئيس الكوبي ميغيل دياز كانيل الأخيرة، والتي طالبت بإصلاح وتحسين اقتصاد بلاده.
وقبل بدء الحرب على إيران في 28 فبراير/شباط الماضي، قال ترمب عن كوبا إنه يريد "استيلاء وديا" على الجزيرة، دون إعطاء تفاصيل، ثم مزح بالقول إن وزير خارجيته، ماركو روبيو، قد يُعهد إليه بمهمة حكم كوبا، مؤكدا أن الأخيرة "تشكل تهديدا غير عادي واستثنائي" على بلاده. ثم واصل إنه يملك النفوذ لـ "الاستيلاء" على كوبا، واعتبر أنه يمكن له تحرير الجزيرة أو الحصول عليها ليفعل بها ما يريد.
ثم فرضت إدارة ترمب حصارا نفطيا على كوبا، الدولة الجزيرة التي يسيطر عليها نظاما شيوعيا منذ نجاح ثورتها عام 1959.
وجاء الحصار النفطي الأخير لكوبا بعد أيام من قبض واشنطن على حليفها ومُزوِّدها بالنفط، الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو، في عملية عسكرية أمريكية خاطفة نتج عنها مقتل 32 عسكريا كوبيا من فريق حماية مادورو.
كما تسبب الحصار الأمريكي في تفاقم أزمة اقتصادية غير مسبوقة منذ تعرضها لهزة اقتصادية كبيرة بعد انهيار الاتحاد السوفياتي عام 1990.
ومع ذلك، قالت وزارة الخزانة الأمريكية في أواخر الشهر الماضي إنها ستسمح بإعادة بيع النفط الفنزويلي للقطاع الخاص في كوبا. ويبدو أن ذلك يعكس خطوة صغيرة لتخفيف نقص الوقود الحاد في الجزيرة التي أغرقها في الظلام وضاعف تدهور الأوضاع المعيشية داخلها، والتي تبعد عن الأراضي الأمريكية أقل من 90 ميلا، ويقطنها 11 مليون شخص.
وقال ترمب للصحفيين الأسبوع الماضي "لا نمانع أن يحصل أحدهم على كمية كبيرة لأنه يحتاج، يجب أن ينجوا. إذا أرادت دولة إرسال بعض النفط إلى كوبا الآن، فلا مشكلة لدي سواء كانت روسيا أم لا".
غير أن المحامية فوانتيه اعتبرت أن "قرار السماح بكسر صغير للحصار لا يعني بالتأكيد أن الإدارة تخلت تماما عن فكرة تغيير النظام في كوبا".
وفي حديث لشبكة فوكس الإخبارية قبل أيام، قال السيناتور الجمهوري المُقرَّب من ترمب، ليندسي غراهام "كوبا هي التالية. هذه الدكتاتورية الشيوعية في كوبا، أيامها معدودة".
لكن ومع غياب الحشد العسكري الضخم مشابها لما حشدته واشنطن قبالة سواحل فنزويلا، يستبعد على نطاق واسع التدخل العسكري الأمريكي لتغيير النظام في هافانا.
وأشارت فوانتيه إلى ما تتوقعه من خطوات قادمة من إدارة ترمب. وقالت، وهي التي هاجرت عائلتها عقب اندلاع الثورة الكوبية إلى ولاية فلوريدا في بداية ستينيات القرن الماضي "نعم لايزال هناك نظام شيوعي في كوبا، الرئيس ترمب يريد السيطرة على كوبا كما سيطر على فنزويلا بطريقة ودية لا ينتج عنها قتلى أو غزو بري".
وأضافت "ما ذكره ترمب من أن نصف الكرة الغربي يجب أن يخضع مرة أخرى ل مبدأ مونرو، بهدف إضعاف علاقات الصين مع الدول الواقعة في الحديقة الخلفية ل لولايات المتحدة هو ما يحرك ترمب في هذا الاتجاه".
ولم تستبعد فوانتيه "أن يدفع تضييق ترمب على النظام الكوبي وتدهور الأحوال المعيشة إلى أكثر مما هي عليه بالفعل من تدهور خلال العقود الأخيرة، إلى انهيار النظام الكوبي الحاكم، وهو ما سيجبر حكومة كوبا للتسليم بكل ما يطالب به ترمب".
وتشير تقديرات إلى أن سهولة نجاح عملية تغيير رأس الحكم في فنزويلا فتحت شهية ترمب للحرب على إيران، وربما تشجعه لاحقا على الاستيلاء على كوبا رغم انخراط مسؤولين من كلتا الدولتين في مفاوضات منذ فبراير/شباط. وذكر ترمب أن قادة كوبا يرغبون في إبرام صفقة، وأن هذه الشيء سيكون سهلا جدا.
وتجمع آراء خبراء أمريكيين على أن إدارة ترمب، وبضغط شخصي من وزير الخارجية ماركو روبيو، نظرا لخلفيته الكوبية، ستتخذ إجراء بشأن كوبا، والسؤال هو متى؟
وعبّر روبيو، الابن لمهاجرين كوبيين، عن دعمه لتغيير النظام في كوبا خاصة مع تعرضه شخصيا لضغوط متزايدة من قاعدة انتخابية هامة مناهضة للنظام الكوبي تتمركز في جنوب ولايته فلوريدا. وقال لبرنامج "شون هانيتي" في قناة فوكس نيوز الثلاثاء الماضي إن النظامين الاقتصادي والسياسي في كوبا بحاجة إلى التغيير، مضيفا "المزيد من الأخبار حول ذلك ستعلن قريبا".
واعترف روبيو أنه ومع التركيز الكامل على إيران، فإن الضغط على كوبا في الوقت الحالي تراجع، وهو ما يعطي حكومتها وقتا لتطوير موقفها التفاوضي، ويمنحها فترة راحة صغيرة من الاختناق الاقتصادي.
وبينما يتحدث روبيو عن الحاجة إلى تغيير النظام في كوبا، حذّر الرئيس الكوبي دياز كانيل في خطاب له الشهر الماضي من أن "أي عمل عدائي أمريكي سيتصادم مع مقاومة لا يمكن اختراقها من الشعب والجيش في كوبا".
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة