غزة- بعد عامين من الألم والفراق، وفي ساحة مستشفى ناصر بخان يونس، ضمّت الأم سندس الكرد طفلتها بيسان إلى صدرها لحظة وصولها من مصر، وهي التي لم تعرف عنها شيئًا طوال تلك الفترة، سوى أسئلة معلقة بين الحياة والموت. لم يكن اللقاء عاديا، بل كان مزيجا من الدموع والذهول، كأن الزمن توقف ليعيد لها ما سُلب منها.
تأمّلت ملامح طفلتها الصغيرة، محاولة حفظ كل تفصيله لم تعشها من قبل، بينما كانت بيسان تلمس وجه أمها كأنها تتعرف إليها للمرة الأولى. عامان من الغياب اختُصرا في حضن واحد حمل كل ما لم يُقل وكل ما فُقد.
لم يكن اللقاء نهاية الحكاية، بل بداية زمن جديد تحاول فيه سندس استعادة أمومتها وترميم ما كسرته الحرب، وهي تدرك أن الرابط بينهما لم ينقطع يوما، حتى في أقسى لحظات الغياب.
لم تكن بيسان الوحيدة التي عادت إلى حضن أسرتها، بل كانت واحدة ضمن 11 طفلا نجوا من الإبادة وعادوا إلى أحضان أسرهم في قطاع غزة أول أمس الاثنين بعد غياب امتد لأكثر من عامين.
ومع اقتحام المستشفى لاحقا، واشتداد الحصار عليه جرى إجلاء عدد من الأطفال الخدج بعد توقف الأجهزة، واختفت آثار الطفلة بين الفوضى، في حين كانت العائلة تعيش فصولا متلاحقة من الفقد، شملت استشهاد عدد من أفرادها. وخرجت سندس من المستشفى بإصابات بالغة لتبدأ حياة النزوح، بينما ظل مصير طفلتها مجهولا.
لكن في مايو/أيار 2025، ظهر بصيص أمل حين وردت معلومة من أحد الممرضين عن طفلة من غزة في مصر لم تُعرف هويتها. ومن خلال سوار الولادة الذي وضعه الممرضون في يدها آنذاك والذي حمل اسم الأم، تكشّفت الحقيقة: الطفلة بيسان نُقلت مع خدج آخرين إلى مركز رعاية في القاهرة، حيث تلقت العلاج حتى تحسنت حالتها.
قالت الأم سندس للجزيرة نت: "اليوم هو يوم ميلاد ابنتي الحقيقي حين رأيتها لأول مرة بعد أكثر من عامين من الغياب. شعرت وكأنني أعيش اللحظة متأخرة، لكن بفرحٍ لا يوصف. كنت أعدّ سنواتها في قلبي، وأتخيّل ملامحها، وأخاف أن تكون قد رحلت دون أن أودعها".
وأضافت: "حين التقيت بها أخيرًا، لم أستوعب أن هذه الطفلة هي ابنتي التي انتظرتها كل هذا الوقت. نظرت إلى وجهها طويلًا، وكأنني أحاول استعادة كل ما فاتني من عمرها في لحظة واحدة. كانت لحظة لا تشبه أي شيء بين البكاء والفرح."
وتابعت بصوت يغلبه التأثر: "لم أكن أعلم إن كانت على قيد الحياة أم لا، كنت أعيش بين الأمل والخوف، حتى جاء ذلك الخبر الذي أعادني للحياة من جديد. واليوم، بعد أن التقيت بها، أشعر أن جزءًا مني عاد إليّ. كل ما أتمناه الآن أن أبقى بقربها، أن أعوّضها عن كل لحظة غابت فيها عني. انتظرت كثيرًا، وسأبقى متمسكة بها، لأن هذا اللقاء هو الحياة التي عادت إليّ من جديد".
ويستعيد الزوج مصعب الكرد ذكريات الحرب حين قُصف المنزل أمام عينيه، وهو خارجه وقريبا منه بينما كانت زوجته الحامل بداخله، ويروي للجزيرة نت كيف هرع نحو الركام محاولًا إنقاذ من بداخله، بين صدمة المشهد وخوفه على زوجته وجنينه، قبل أن يتمكن المسعفون من نقلها وهي في حالة حرجة. لم يكن يعلم حينها إن كانت ستنجو، ولا إن كان سيحظى برؤية جنينه يومًا.
وأوضح أن الأيام التي تلت القصف كانت الأشد قسوة، بين متابعة حالة زوجته الصحية والبحث عن أي خبر عن طفلته بيسان التي وُلدت في ظروف استثنائية ثم اختفت آثارها وسط الفوضى والخوف. وقال: "كنت أعيش على أمل ضعيف، أتمسك بأي خبر يدلني على ابنتي إن كانت على قيد الحياة أم لا".
وأضاف: "شكلت معلومة الممرض التي أشارت إلى وجود عدد من الأطفال الخدج من غزة في مصر، مع حديث عن إمكانية إعادتهم إلى القطاع، نقطة تحوّل في مسار البحث. تعاملت معها كخيط أمل يستحق المتابعة، لتبدأ على إثره رحلة تواصل مكثفة مع الجهات المعنية، وفي مقدمتها السفارة في مصر".
ومع استمرار المتابعة، جاء التأكيد الرسمي للكرد بوجود الأطفال، مما فتح الباب أمام احتمال أن تكون طفلته من بينهم. وتحولت الشكوك إلى يقين تدريجي، حيث تم التأكيد بوجود بيسان من بين هؤلاء الأطفال وهي الآن بين أحضان عائلتها.
واختتم حديثه قائلا: "تلك اللحظة التي اعتقدت فيها أنني فقدت كل شيء، تحولت بعد الانتظار ثم اللقاء إلى بداية قصة أخرى، حين عاد الأمل بوجود طفلتي حيّة، بعد أن ظننت أنها غابت إلى الأبد".
من جانبه، اعتبر درداح الشاعر، أستاذ الصحة النفسية في جامعة الأقصى، أن قصة سندس الكرد، التي حُرمت من طفلتها منذ ولادتها وهي التي مكثت في العناية المركزة نتيجة إصاباتها البالغة وفي ظروف مأساوية، تجسد حالة شديدة من القلق والتوتر النفسي الناتج عن الفقد والبعد.
وأضاف -في حديثه للجزيرة نت- أن سندس عانت كل أصناف العذاب، خاصة في ظل حرب الإبادة وما صاحبها من أزمات شتتت الشمل وفرّقت الأحباب، مما زاد من شعورها بالحزن والألم المستمرين، وترقب أي معلومة قد تطمئن قلبها المكلوم.
وقال "قوة تحمُّلها وصبرها كانا نتيجة ربط الله على قلبها، حيث ظهر الأمل من خلال الإيمان بالله، فتغير شعورها من الألم إلى الأمل، ومن الحزن إلى السعادة، ومن الفقد إلى الرضا".
وأضاف: "عودة طفلتها إلى حضنها كانت بمثابة البلسم الشافي لجروحها، وعوضتها عن كل ما عانته من ألم وحزن. وتعكس قصتها المشاعر العميقة بشكل مؤثر، كما تجسد حالة الألم التي تعانيها الأم الفلسطينية، وهي ليست حالة فردية بل ظاهرة اجتماعية واسعة، خاصة في ظل النزوح والفقد الذي يزيد من معاناتها".
بدوره، يؤكد القانوني الدولي ورئيس الهيئة الدولية لدعم حقوق الشعب الفلسطيني "حشد" صلاح عبد العاطي، في حديثه للجزيرة نت، أن "الظروف التي واجهها الأطفال الخدج في مستشفى الشفاء، من نقلهم من قسم الحضانات إلى أقسام أخرى، وقطع الكهرباء عنهم نتيجة اقتحام الجيش الإسرائيلي للمستشفى، مما أدى إلى وفاة 5 أطفال منهم ونقل الباقين إلى مصر، تمثل انتهاكا صارخًا للقانون الدولي الإنساني، وترقى إلى جرائم حرب".
وأوضح أن هذه الممارسات الإجرامية تستدعي من الجهات الدولية مساءلة المسؤولين الإسرائيليين عن جرائم استهداف المستشفيات والمرضى والأطقم الطبية، وكذلك مأساة الأطفال الخدج الذين توفوا جراء هذه الانتهاكات، مع ضرورة وضع آليات دولية ملزمة لحماية الأطفال خلال النزاعات المسلحة.
وأشار إلى أن إنقاذ الأطفال الخدّج وإعادة بعضهم إلى أحضان ذويهم ليس مجرد حدث طبي أو إنساني، بل رسالة قوية تؤكد قدرة الإرادة الإنسانية على تجاوز أقسى الظروف، وتبرز قيمة التكاتف الإنساني في صون حياة الأبرياء ومواجهة قسوة الواقع الذي تفرضه الحروب.
وفي إحاطة صحية حول موضوع هؤلاء الأطفال الخدج، أفاد الطبيب أحمد الفرا، مدير مبنى الأطفال والولادة بمستشفى ناصر الطبي، بأن إجمالي عدد الأطفال الخدج الموجودين داخل الحضانات بالمجمع كان 33 طفلاً، حيث توفي منهم 5 نتيجة انقطاع الكهرباء وصعوبة نقلهم من مبنى إلى مبنى بسبب القصف والاجتياح.
وقال للجزيرة نت: "تم إجلاء الأطفال المتبقين وعددهم 28 طفلا من قطاع غزة إلى جمهورية مصر العربية بتاريخ 19 نوفمبر/تشرين الثاني 2023، دون أن يعرف ذووهم مصيرهم بفعل الحرب والإبادة، وتوفي منهم 7 أطفال نتيجة ظروف النقل والصعوبات الطبية المصاحبة، وقد عاد 4 أطفال منهم في فترات سابقة من فتح المعبر، وعاد 11 طفلا آخر في 30 مارس/آذار الماضي ويتبقى حاليا 6 أطفال برفقة ذويهم خارج قطاع غزة وهم بصحة جيدة".
وأكد الفرا حرص وزارة الصحة الفلسطينية على متابعة حالات الأطفال الصحية بشكل مستمر، وتقديم الدعم الطبي اللازم لهم ولأسرهم، مع التأكيد على التحديات الكبيرة التي تواجه الرعاية الصحية للأطفال الخدج في ظل الظروف الإنسانية الصعبة.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة