آخر الأخبار

لماذا علينا أن نتذكر أيزنهاور في هذه الحرب؟

شارك

في الخطاب الذي ألقاه الرئيس دوايت أيزنهاور على الشعب الأمريكي في 17 يناير/كانون الثاني 1961 بمناسبة انتهاء رئاسته الثانية للولايات المتحدة الأمريكية، أشار إلى ما أسماه المجمع العسكري الصناعي "Military Industrial Complex" المتمثل في التحالف فيما بين الصناعات العسكرية الضخمة، ومؤسسة الدفاع التي على رأسها البنتاغون، وعدد من الإدارات الحكومية، إلى جانب المعنيين داخل السلطة التشريعية، على أساس أن الجميع يستفيد من زيادة الإنفاق- بشكل غير مبرر- على العتاد العسكري.

وذلك سواء من ناحية الأرباح الضخمة التي تجنيها الشركات العاملة في هذا المجال، أو إشباع الرغبة لدى مؤسسة الدفاع في الاستحواذ على أكبر قدر من التسليح، إلى جانب استفادة بعض أعضاء الكونغرس من تكثيف الصناعات العسكرية في دوائرهم، ما يستتبع زيادة في العمالة، وينعكس بدوره إيجابيا على شعبيتهم.

وكان تحذير أيزنهاور قائما على أن هذا التحالف سيكون له تأثير ضار، حيث سيؤدي إلى زيادة الإنفاق العسكري بشكل مبالغ فيه، ولا يعكس الاحتياجات الدفاعية الفعلية.

ولا شك أن هذا التحذير من أيزنهاور بالذات- والذي وصل إلى أعلى رتبة في القوات المسلحة "جنرال ذي خمس نجوم"، وشغل منصب القائد العام لقوات الحلفاء في الحرب العالمية الثانية قبل انتخابه رئيسا للولايات المتحدة- يعطيه وزنا إضافيا.

ولكن رغم ذلك؛ استمر هذا التحالف قائما، بما انعكس على الزيادة المطردة في الإنفاق العسكري في الولايات المتحدة على مدار عقود منذ خطاب أيزنهاور، وحتى يومنا هذا، حيث أعلنت الإدارة الأمريكية أنها تعتزم أن تطلب من الكونغرس تخصيص 1.5 تريليون دولار لميزانية الدفاع لعام 2027.

وهو مبلغ، وإن كان يصعب على التصديق فقد يبدو عاديا -إذا ما صح هذا التعبير- إذا أخذنا في الاعتبار أن البنتاغون يطلب حاليا من الكونغرس، بصورة مبدئية، ميزانية إضافية، مقدارها 200 مليار دولار، لتغطية النفقات الناتجة عن الحرب الدائرة مع إيران.

إعلان

ومع ذلك فإن الميزانية المقترحة لعام 2027، تمثل زيادة مقدارها 575 مليار دولار على ميزانية العام السابق، 925 مليارا، بما يستدعي النظر في الأسباب من وراء هذه الزيادة التي تمثل قفزة كبيرة في نفقات الدفاع.

قد يكون أحد التفسيرات، هو ظهور ما يمكن تسميته بـ"المجمع العسكري التكنولوجي" قياسا على تعبير الرئيس أيزنهاور الذي أطلقه منذ أكثر من ستة عقود.

وإحدى خصائص هذا المجمع الجديد- إلى جانب أنه لا يتعامل في العتاد العسكري التقليدي الثقيل من الدبابات والطائرات وسفن وغيرها وإنما في برامج كمبيوتر "Software"، تستخدم في إدارة هذه المعدات وتجعلها أكثر كفاءة، أو تقوم بمهام عسكرية مستقلة بذاتها- أنه يضم شركات عملاقة قائمة بالفعل، مثل "غوغل" و"مايكروسوفت"، والتي تطور أنظمة معلوماتية تمت تجربتها في مجالات غير عسكرية، إلى جانب شركات أخرى ناشئة متخصصة في ابتكار أنظمة جديدة دفاعية، أو هجومية لم تكن موجودة من قبل في الترسانة العسكرية الأمريكية.

والقاسم المشترك بين هذه الشركات قديمها وحديثها، هو الاستثمارات الضخمة التي يتم ضخها في عمليات البحث والتطوير اللازمة سواء لتحويل التطبيقات المدنية إلى أخرى عسكرية، أو ابتكار تطبيقات جديدة تماما.

وتقدر هذه الاستثمارات على مدار العقد الماضي بمئات المليارات من الدولارات، سواء من خلال الاحتياطات النقدية الكبيرة الموجودة لدى الشركات القائمة بالفعل، أو من صناديق الاستثمار في الشركات الناشئة.

وبالطبع، فإن الشركات العاملة في هذا المجال تتطلع إلى عائد كبير على ما تنفقه من استثمارات، وهو ما ينعكس بالضرورة على ما تبرمه من عقود مع مؤسسة الدفاع في الولايات المتحدة، وهذا بدوره يفسّر الزيادات الكبيرة في ميزانية هذه المؤسسة، حيث بدأت منذ فترة بالتوسع في استخدام هذه الأنظمة التكنولوجية الحديثة.

وقد بدأ هذا التوجه في فترة الرئيس جو بايدن، وتم التوسع فيه مع قدوم الرئيس دونالد ترمب الذي أصدر أمرا للبنتاغون بتسريع عملية تطوير الأنظمة العسكرية عموما؛ لتتمكن من استخدام التطبيقات التكنولوجية الحديثة في مختلف أسلحتها.

وفي هذا الإطار، تأتي العقود التي يبرمها البنتاغون مع الشركات الكبرى في مجال التكنولوجيا مثل "غوغل" و"مايكروسوفت" و"أوبن إيه آي، Open AI" لاستخدام أنظمتها المعلوماتية، أو مع الشركات الجديدة الناشئة لاستخدام ما هو جديد من ابتكارات في هذا المجال.

وقد جاءت الحرب الجارية الآن مع إيران لتقدم العديد من الأمثلة على الاستخدام المكثف لهذه التكنولوجيا البازغة في المجال العسكري.

وأحد هذه الأمثلة برنامج "ميفين، Project Meven"، وهو الذي بدأته شركة "غوغل" عندما تعاقدت عليه مع البنتاغون في عام 2017، لكنها اضطرت إلى عدم تجديد العقد؛ نتيجة احتجاجات واسعة من العاملين لديها؛ على استخدام البرنامج في العمليات العسكرية.

وعقب ذلك قامت شركة "بلانتير" باستئناف العمل عليه، حيث يستخدم في الصراع الدائر حاليا عن طريق استخدام الذكاء الاصطناعي في تحليل البيانات المستقاة من الأقمار الصناعية والمسيرات، وغيرها من أجهزة الاستطلاع، وتحديد الأهداف التي يلزم مهاجمتها، حيث يتم ذلك بصورة لحظية، بعد أن كان في السابق يتطلب ساعات أو أياما، ويتردد أن أكثر من ألفي هدف قصفتها القوات الأمريكية في أيام الأربعة الأولى في الحرب، تم تحديدها بهذه الطريقة.

إعلان

كذلك فإن هذه القوات تستخدم أجهزة ليزر قوية ابتكرتها إحدى الشركات الناشئة؛ لتدمير المسيرات الإيرانية.

ومن المتناقضات إن إحدى المسيرات التي يستخدمها الجيش الأمريكي ضد إيران مبنية في الأساس على تصميم المسيرة الإيرانية "شاهد" التي استخدمتها روسيا بكثافة في حربها مع أوكرانيا، حيث تم إحضار بعضها إلى الولايات المتحدة، وقامت شركة ناشئة أمريكية مقرها ولاية أريزونا بإعادة بناء التصميم، مع إجراء بعض التطويرات عليه.

وتشير التصريحات الصادرة عن مسؤولين في البنتاغون إلى أنهم راضون عن نتائج استخدام هذه الأنظمة التكنولوجية الحديثة في هذه الحرب، بما يمثل نقطة تحول واضحة، وقد أصبح البعض يعتبرها أول حرب أمريكية تديرها التكنولوجيا.

وهو الأمر الذي أدى إلى زيادة طلب المؤسسة العسكرية المزيد منها في المرحلة القادمة، بما يعنيه ذلك من مراكمة الأرباح للشركات العاملة في هذا المجال، والذي سيجذب بدوره المزيد من الاستثمارات، وسينعكس بالطبع على زيادة النفقات العسكرية، الأمر الذي في مجمله يؤكد ما سبق أن تنبأ به دوايت أيزنهاور في خطابه عام 1961.

بيد أن هناك أصواتا تنادي بالحذر عند استخدام هذه التكنولوجيات، فإلى جانب المعارضة التي أبداها بعض العاملين في هذه المجالات والمبنية على أسس أخلاقية تتعلق باستخدام ما ينتجون من برامج في المجالات العسكرية، فقد ظهرت أصوات أخرى تشير إلى أن هذا الاتجاه المتعجل، أو ربما المتهور، في استخدام هذه الأنظمة الجديدة سيؤدي بطبيعته إلى عدم وجود إشراف بشري كافٍ بالنسبة لما ينتج عنها من آثار، إلى جانب الاعتماد الزائد على حفنة من الشركات في أي حروب قادمة.

ولكن- وكما علمتنا تجارب سابقة في حالات قد تكون شبيهة للوضع الحالي- فإنه من الصعب التحكم في المسار الذي تتخذه مثل هذه الطفرات التقنية، خصوصا إذا كانت ستؤدي إلى أن الأطراف القادرة على الاستحواذ عليها، واستخدامها، ستصبح في وضع متميز داخل المنظومة الدولية.

وربما كان خير مثال على ذلك، هو الوضع الذي نعيشه حاليا فيما يتعلق بالاستخدامات العسكرية للطاقة النووية، والتي بدأت بطرف واحد، ثم توسّعت لتشمل تسع دول، إلى جانب عدد آخر من الطامحين.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.

الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا