آخر الأخبار

الحرب النفسية وهندسة الإدراك: لماذا تُستهدف موائد رمضان قبل الإفطار في جنوب لبنان؟

شارك

الحرب النفسية اليوم أصبحت ركيزة أساسية في "هندسة الوعي"، وتنقسم إلى رسائل داخلية للجمهور الإسرائيلي وأخرى خارجية للخصم بتقنيات متعددة.

تنظر فاطمة (30 عامًا) من شرفة مطبخها المطلّة على بحر مدينة صور الجنوبية، هناك حيث تعلم أن بارجة حربية إسرائيلية تبحر في الأفق، وإن لم ترها بعينيها.

تُحرّك قدر شوربة العدس على النار، تنتظر زوجها وأطفالها الثلاثة ليجتمعوا حول مائدة الطعام، في آخر أسبوع من رمضان، الذي يتزامن مع الحرب الدائرة على لبنان.

تتصاعد آيات القرآن من المآذن، تحاول أن تُهدأ من روعها، لكنها في قرارة نفسها تعلم أن دوي الانفجارات سيرافق تلك الآيات، ريثما تغرب الشمس و يحلّ الظلام.

تقول لـ"يورونيوز": "بتنا ننتظر الضربة الإسرائيلية كل يوم في هذا التوقيت. كل يوم، يضربون قبل الافطار بعشر دقائق أشعر وكأنهم يتعمدون ذلك، حين نجلس أنا وزوجي وأولادي على المائدة، نسمع صفارات الإسعاف تنطلق في كل اتجاه، تنقل الشهداء والجرحى ونغصّ باللقمة التي نتناولها بخوف". تدمع عيناها وهي تكمل: "كل يوم هناك عائلة يخطفها الموت قبل أن تبلغ موعد إفطارها في المدينة، ولا أعرف متى سيأتي دورنا".

يوم الثلاثاء جدد الجيش الإسرائيلي تحذيره للسكان المتواجدين جنوب نهر الزهراني بضرورة إخلاء قراهم "فورًا" تحت طائلة تعريض حياتهم للخطر، مرفقًا ذلك بصورة تلوّن مساحة تصل إلى 30 كيلومتر من لبنان باللون الأحمر.

ورغم الادعاءات الإسرائيلية بأن إنذاراتها تأتي لحماية المدنيين، فإن البعض يتهمها بتعمّد بثّ الخوف في صدورهم، من خلال اختيار توقيت الضربات على الإفطار أو وسط الليل، واختراق جدار الصوت، والاتصالات الآلية بالإخلاء الفوري، وتوزيع المناشير وعدة وسائل أخرى.

ما هي الحرب النفسية؟

في العادة، تصنّف هذه الإجراءات ضمن أدوات "الحرب النفسية"، التي تُعرف بأنها مجموعة من العمليات غير القتالية الهادفة إلى التأثير على معنويات الخصم وإضعاف قدرته على المواجهة.

وفي السياق اللبناني، يُعتقد أن إسرائيل تُوجّه هذه الأدوات بشكل خاص نحو البيئة الاجتماعية المحيطة بحزب الله: سكان الجنوب والضاحية الجنوبية لبيروت والبقاع.

هندسة الإدراك

في حوار مع "يورونيوز"، يشرح الدكتور علي مكي، الاستشاري في الدعاية والإعلام الاستراتيجي وإدارة السمعة، أن الحرب النفسية اليوم لم تعد أداة ثانوية في النزاعات، بل أصبحت ركيزة أساسية في ما يُعرف بـ "هندسة الوعي والإدراك".

ويوضح أن الرسائل في الحرب تنقسم إلى شقين رئيسيين: الأول موجه من الحكومة الإسرائيلية إلى جمهورها الداخلي ويتعلق بكيفية إدارة تدفق المعلومات لديها (الرقابة العسكرية على الإعلام مثلًا). أما الشق الثاني فيستهدف الخصم، ويعتمد على تقنيات متعددة ومستويات مختلفة من الخطاب.

ويضيف مكي: "صحيح أن الحرب النفسية منظومة أدوات شاملة، رافقت الصراعات عبر التاريخ، لكنها تطورت بتطور الإعلام. وهدفها الأساسي هو التأثير في الرأي العام على المستوى العسكري والسياسي، والأهم من ذلك هو التأثير في اتجاهات الرأي العام الشعبي وأفكاره". ويضيف أن الدول تفكر كالتالي: "إذا لم أستطع إقناع جمهور الخصم بفكرة فإنني أحاول ما في وسعي لسلبه القدرة على اتخاذ القرار".

وحول أدوات هذه الحرب، يوضح المتحدث أنها لا تعتمد على استراتيجية واحدة. فـ "نشر الشائعات والتخويف يظل أسلوبًا تقليديًا، وهو ما كان معروفًا في الحروب القديمة والغزوات، لكنه تطور بعد الحربين العالميتين الأولى والثانية مع تأسيس ما يُعرف بالحرب الدعائية المنظمة. وجوهر هذه الآليات هو ما نشهده اليوم، وإن بقالب معاصر، كما هو الحال في التحذيرات المتكررة بإخلاء مناطق أو الابتعاد عن مباني محددة بمسافات معينة" وفق تعبيره.

طبقات الرسالة: تعاطف، ترهيب، وشيطنة

ويشرح مكي في تحليله للإنذارات الإسرائيلية: "هذه التحذيرات تحمل أكثر من طبقة في رسالة واحدة. الطبقة الأولى تتسم بخطاب تعاطفي عبر التأكيد أن الجيش الإسرائيلي 'لا ينوي المساس' بالمدنيين، لتبدو إسرائيل وكأنها حريصة على سلامتهم. الطبقة الثانية من الخطاب ترهيبية في جوهرها 'ابتعد 300 أو 500 متر'، مما يبث الرعب ويدفع الناس للفرار.

الطبقة الثالثة هي نزع الصفة الإنسانية عن الخصم، حزب الله في هذه الحالة، حيث يتم تجنب ذكره إلا مقرونًا بنعت 'الإرهابي'، مما يخلق شرخًا في المجتمع اللبناني بين مؤيديه ومعارضي هذا التنظيم.

ويتابع مكي: "فهذه الصياغة (إرهابي) إما تستفز مؤيدي الحزب، أو ترسّخ في أذهان معارضيه فكرة مساواته بتنظيمات مثل 'داعش'، مما ينجح في 'شيطنة' الحزب ونزع الصفة الإنسانية عنه في نهاية المطاف".

التأثير السياسي: تغيير من الداخل

وبحسب الخبير، يصل هذا التأثير النفسي إلى صناع السياسة، حيث يلفت إلى أن الحكومة اللبنانية اتخذت قرارًا مؤخرًا باستبدال كلمة "مقاومة" بكلمة "حزب الله" في خطابها الرسمي مثلًا. وهنا، ومن دون تصريح مباشر، تكون الدولة العبرية قد ألغت عملياً ما كان يُعرف في لبنان بمعادلة "جيش، شعب، مقاومة"، عبر تفكيك هذه المعادلة من الداخل وبقرار لبناني، وفق رؤيته.

الذكاء الاصطناعي وصناعة الواقع البديل

وعن الفارق بين أدوات الحرب النفسية بين حرب 2006 والحرب الحالية، يرى مكي أن إسرائيل كانت في السابق تركز على قدرتها على التأثير في جمهور الخصم عبر وسائل الإعلام التقليدية. لكن مع ثورة الإعلام الرقمي وتطور الذكاء الاصطناعي، باتت تسعى إلى "توظيف الجمهور نفسه لبث أفكارها"، وهو ما يُعرف بـ "أجندة الشعب".

وفي هذا السياق، يشير مكي إلى الفيديو المتداول لرئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، والذي يشتبه في كونه مولّدًا بالذكاء الاصطناعي.

"هذا المحتوى مثلًا شغل بال الكثيرين من جمهور حزب الله، وأثار تساؤلاتهم حول مصير نتنياهو، مما صرف انتباههم عن مجريات المعركة الفعلية وساهم في خلق واقع بديل قائم على الذكاء الاصطناعي. وهذه هي الغاية القصوى للحرب النفسية الحديثة" يقول مكي.

بناء الثقة والاستفزاز

وبالتوازي مع هذا التأثير، يلفت الاستشاري في الدعاية إلى تعدد المستويات في الخطاب الإسرائيلي الموجّه للرأي العام اللبناني، فيميز بين خطابين متوازيين: الأول خطاب ظاهره العقلانية وهدفه بناء الثقة، مثل لجوء إسرائيل إلى الأرقام الدقيقة في حديثها عن منشآت حزب الله (كقولها "عثرنا على عدد محدد من الصواريخ في موقع كذا")، مما يوحي بالدقة والموضوعية، بالإضافة إلى" تأكيد اغتيال قياديين معينين قبل إعلان الجهات المعنية عن ذلك"، مثل الإسراع إلى الإعلان عن مقتل أمين عام مجلس الأمن القومي علي لاريجاني، الثلاثاء، من قبل وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل وكاتس ونتنياهو.

والمستوى الثاني يتمثل في خطاب استفزازي موجه عبر وسائل غير رسمية، كإعلانات المستوطنين بالعبرية الداعية للاستثمار في جنوب لبنان.

ويرى مكي أن هذه الإعلانات تحمل رسالة مزدوجة: فهي تطمئن الجمهور الإسرائيلي إلى قوة الدولة وقدرتها على فرض واقع جديد (وهذا يندرج تحت ضمن نطاق إدارة المعلومات داخل الجمهور(، وفي الوقت نفسه توحي للجمهور المعادي بأن المعركة "محسومة" وأن العودة إلى الحياة الطبيعية مستحيلة.

الإغراق الإعلامي: إرباك المتلقي واستنزافه

إلى جانب ما ذُكر، يعد "الإغراق الإعلامي" تقنية أخرى بارزة بحسب مكي، فقبل أي تصعيد كبير، يلاحظ المتحدث تضخمًا متعمدًا في التفاصيل حول مواضيع مثل المفاوضات أو احتمالية شن هجوم على إيران أو لبنان.

ويعتبر أن هذا الكم الهائل من المعلومات يربك المتلقي، ويشتت انتباهه، ويستنزف طاقته على المدى الطويل، مما قد يدفعه إلى "حالة من الاستسلام الفكري والاستعداد لتقبل أي متغيرات حتى لو وصل الأمر إلى تطبيع العلاقة في الحالة اللبنانية مع إسرائيل، باستثناء البيئات التي تتعاطى مع الحزب من منطلق عقائدي".

أما عن قيام الحزب بإرسال تحذيرات "مضادّة"، من خلال إصدار منشور بالعبرية يطالب سكان شمال إسرائيل بإخلاء قراهم، فيراه مكي محاولةً لمجاراة الحرب النفسية. غير أنه يلفت إلى أن الرقابة العسكرية الإسرائيلية تحول دون الوقوف على الأثر النفسي الحقيقي لهذه المنشورات على الإسرائيليين.

يورو نيوز المصدر: يورو نيوز
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا