في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
أنقرة- وجدت تركيا نفسها في قلب معادلة أمنية إقليمية متوترة مع تصاعد المواجهة العسكرية في الشرق الأوسط عقب الضربات الأمريكية والإسرائيلية على إيران.
ومع تحول سماء المنطقة إلى مسرح لعبور الصواريخ الباليستية واختبار منظومات الدفاع الجوي، باتت تداعيات الصراع تقترب من حدود دول الجوار، ومن بينها تركيا التي تشكل الجناح الجنوبي الشرقي لحلف شمال الأطلسي ( الناتو).
وفي هذا السياق، برزت ولاية ملاطية التي تحتضن قاعدة كورجيك الرادارية التابعة للناتو، بوصفها إحدى أكثر النقاط حساسية في شبكة الدفاع الصاروخي للحلف.
ومع مرور صواريخ إيرانية عبر الأجواء التركية في الأيام الأخيرة، اتجهت أنقرة إلى تعزيز دفاعاتها الجوية بنشر منظومة باتريوت التابعة لألمانيا في المنطقة، في خطوة تعكس تنامي القلق الأمني واستعداد تركيا لاحتواء أي تداعيات محتملة لتوسع الحرب في الشرق الأوسط.
تعد منظومة باتريوت واحدة من أكثر أنظمة الدفاع الصاروخي تطورا في العالم. وهي منظومة أمريكية بعيدة المدى ومتعددة المهام، صممت أساسا لاعتراض الصواريخ الباليستية قصيرة ومتوسطة المدى، إلى جانب صواريخ كروز والطائرات المعادية.
وتعتمد المنظومة على رادار متطور قادر على رصد الأهداف الجوية من مسافات تصل إلى نحو 100 كيلومتر، كما يستطيع تتبع عدد كبير من الأهداف في الوقت نفسه وتوجيه عدة صواريخ اعتراضية نحوها بشكل متزامن.
ويرتبط اختيار ولاية ملاطية لنشر منظومة باتريوت بمكانتها داخل شبكة الدفاع الصاروخي لحلف شمال الأطلسي. فالمدينة الواقعة في جنوب شرق الأناضول تحتضن أحد أهم مواقع الإنذار المبكر للحلف على جناحه الجنوبي الشرقي، ما يجعلها نقطة محورية لرصد التهديدات الصاروخية القادمة من الشرق الأوسط.
ويمنح هذا الموقع ملاطية دورا عمليا في تأمين ما يشبه "ممر الحماية" للأجواء التركية الشرقية وللبنية العسكرية التابعة للناتو في المنطقة. وقد اكتسب هذا الدور أهمية إضافية في ضوء الحوادث الأخيرة التي شهدت مرور صواريخ إيرانية عبر مسارات جوية قريبة من تركيا.
ففي إحدى تلك الحوادث، عبر صاروخ إيراني أجواء العراق وسوريا قبل أن تعترضه دفاعات الناتو فوق شرق البحر المتوسط، بينما دخل صاروخ آخر المجال الجوي التركي قبل أن تتساقط شظاياه في ولاية غازي عنتاب جنوبي البلاد.
وتقع هذه المنطقة جغرافيا بين قاعدة إنجرليك الجوية غربا وموقع رادار كورجيك في ملاطية شرقا، وهو ما منح تلك الحوادث بعدا إستراتيجيا.
كما أن وجود قاعدة جوية للقوات التركية في المنطقة يسهل دمج هذه المنظومات ضمن بنية الدفاع الوطني، بما يسمح لأنقرة بتعزيز حماية الأصول الحيوية للناتو على أراضيها وتوسيع نطاق تغطية دفاعاتها الجوية ضمن منظومة متعددة الطبقات.
ويرى الأكاديمي والمحلل السياسي علي فؤاد جوكشه أن نشر منظومة باتريوت في ولاية ملاطية يمثل قرارا ذا أبعاد إستراتيجية، خاصة في ضوء التطورات الأخيرة المرتبطة بالصواريخ التي يعتقد أنها أطلقت من إيران وتم اعتراضها فوق المجال الجوي التركي.
وأوضح جوكشه للجزيرة نت أن إسقاط هذه الصواريخ فوق الأراضي التركية يثير تساؤلات بشأن الهدف الحقيقي الذي كانت تتجه إليه. فبينما تشير شظايا صاروخ سقطت في منطقة دورتيول التابعة لولاية هاتاي إلى احتمال أنه كان متجها نحو هدف أبعد في شرق البحر المتوسط، فإن سقوط صاروخ آخر في ولاية غازي عنتاب يفتح الباب أمام احتمال أنه كان في طريقه إلى هدف داخل الأراضي التركية.
وأشار إلى أن هذا الاحتمال يستند إلى اختلاف مسار الصاروخ واتجاه حركته، فضلا عن الموقع الجغرافي لغازي عنتاب مقارنة بدورتيول، وهو ما يدفع إلى طرح تساؤلات حول طبيعة الهدف المقصود.
ومع ذلك، شدد جوكشه على أنه لا يعتقد أن إيران تسعى إلى تنفيذ هجوم صاروخي مباشر ضد تركيا، لافتا إلى أن السياسة التي تنتهجها أنقرة في محاولة احتواء الحرب ومنع توسعها تحظى بإدراك لدى صناع القرار في طهران، وهو ما يجعل فرضية الاستهداف المتعمد لتركيا غير مرجحة في تقديره.
تكتسب ولاية ملاطية أهمية إضافية لاحتضانها قاعدة كورجيك التي تعد إحدى أهم حلقات منظومة الإنذار المبكر والدفاع الصاروخي لحلف شمال الأطلسي في المنطقة.
وقد أنشئت هذه المحطة عام 2012 بموجب اتفاق بين أنقرة والحلف، وتضم رادارا أمريكيا متطورا من طراز (AN/TPY-2) يعمل بتقنية إكس باند عالية الدقة، ويعد من أكثر أنظمة الاستشعار تطورا في العالم في مجال رصد الصواريخ الباليستية.
ويؤدي هذا الرادار دورا محوريا داخل شبكة الدفاع الصاروخي الأطلسية، إذ يستطيع رصد عمليات إطلاق الصواريخ في مراحلها الأولى تقريبا وتعقب مسارها لمسافات بعيدة، قبل أن يزوّد منظومات الاعتراض ببيانات التتبع والتمييز اللازمة للتعامل مع التهديد في الوقت المناسب.
وقد برزت أهمية هذا الموقع عمليا خلال التطورات الأخيرة، إذ أعلنت وزارة الدفاع التركية أن رادار كورجيك ساهم في رصد وتحديد مسار صاروخين باليستيين إيرانيين كانا في اتجاه الأجواء التركية خلال الأيام الماضية، ما أتاح للدفاعات الجوية التركية والأطلسية التحرك في الوقت المناسب لاعتراضهما.
في السياق نفسه، ترى خبيرة السياسة الخارجية زينب جيزام أوزبينار أن نشر منظومة باتريوت يكشف عن عودة الدور الإستراتيجي لتركيا داخل الناتو إلى الواجهة في أوقات الأزمات.
وقالت أوزبينار للجزيرة نت إن أنقرة، رغم سعيها خلال السنوات الأخيرة إلى تعزيز استقلالها الإستراتيجي وتطوير صناعاتها الدفاعية، فإن مجالات متقدمة مثل الدفاع الصاروخي والإنذار المبكر لا تزال تعتمد بدرجة كبيرة على البنية التحتية للحلف.
وأضافت أن تركيا، بحكم موقعها على الجناح الجنوبي الشرقي للناتو، تؤدي دور الحاجز الجيوسياسي وخط الدفاع المتقدم في مواجهة تداعيات الأزمات القادمة من الشرق الأوسط، في حين يسعى الحلف من خلال هذا التموضع إلى الحد من انتقال تلك التهديدات إلى الأمن الأوروبي.
غير أن هذا الواقع، بحسب أوزبينار، يضع أنقرة أمام معادلة إستراتيجية معقدة، فهي من جهة تستفيد من مظلة الدفاع الجماعي للناتو، لكنها من جهة أخرى تجد نفسها في موقع متقدم على خطوط التماس مع التوترات الإقليمية، بما في ذلك التوازنات الأمنية المرتبطة بإيران.
وترى أن نشر منظومة باتريوت لا ينبغي النظر إليه باعتباره خطوة عسكرية تقنية فحسب، بل بوصفه تطورا يعكس بوضوح الوزن الجيوستراتيجي لتركيا داخل الحلف وحجم المخاطر الأمنية المرتبطة بهذا الدور.
من جانبه، يرى المحلل السياسي علي أسمر أن نشر منظومة الدفاع الجوي باتريوت في ولاية ملاطية لا يعني بالضرورة أن تركيا أصبحت طرفا مباشرا في الحرب الإقليمية الجارية، لكنه يعكس بوضوح دخول أنقرة مرحلة من الاستعداد الدفاعي المرتبط بتداعيات الصراع.
وأوضح أسمر للجزيرة نت أن الموقع الجغرافي لتركيا، القريب من بؤر التوتر في الشرق الأوسط، يجعلها عرضة للتأثر بالانعكاسات الأمنية للحرب حتى وإن لم تكن منخرطة فيها عسكريا.
وأضاف أن تركيا، وإن لم تدخل الحرب، أصبحت عمليا جزءا من البيئة الأمنية المحيطة بها، إذ يعكس نشر منظومة باتريوت إدراكا متزايدا لاحتمال امتداد المخاطر العابرة للحدود، مثل الصواريخ الباليستية أو الحوادث العسكرية غير المقصودة، إلى المجال الجوي التركي.
وختم بالقول إن هذه الخطوة تحمل بعدين متوازيين؛ أولهما دفاعي يتمثل في تعزيز حماية المجال الجوي التركي من تداعيات الصراع، وثانيهما إستراتيجي يتعلق بتأمين منظومة الإنذار المبكر التابعة للحلف في قاعدة كورجيك، التي تعد أحد الأعمدة الرئيسية لشبكة الدفاع الصاروخي الأطلسية.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة