عند مدخل محطة في بيروت، يقف أبو محمد في طابور طويل. يقول إن أي زيادة في أسعار الوقود سيدفع هو ثمنها من لقمة عيشه.
سائق أجرة منذ عشرين عاما، وأب لثلاثة أولاد. يقود سيارة تقشر طلاؤها، واهترأت مقاعدها. هي مصدر رزقه الوحيد.
“بعشرين دولار”، يقولها بهدوء للعامل. يشتري الوقود بالحد الأدنى الذي يسمح له بإكمال يومه. يراقب الأرقام ترتفع ببطء، وهو يفكر ربما: كم رحلة يحتاج اليوم ليغطي ثمن البنزين؟
الاثنين الماضي، أقرّت الحكومة اللبنانية زيادة جديدة على تعرفة البنزين بقيمة 300 ألف ليرة للصفيحة أي ما يعادل حوالي 3.3 دولار، بالتوازي مع رفع الضريبة على القيمة المضافة بنسبة 1%، في خطوة تقول إنها تهدف إلى تمويل زيادة رواتب القطاع العام. قرارٌ مرّ في جلسة رسمية بأرقام واضحة على الورق، لكن وقعه الحقيقي بدأ يتكشّف عند مضخات الوقود، وفي حسابات المعيشة اليومية.
“الزيادة بتوجع”، يقول أبو محمد وهو يطوي ورقة نقدية بعناية. ويشير إلى أن الركاب الذين يقلهم يتحدثون بمرارة عن قرار الضرائب، ويقول الموظفون منهم إن أن زيادة الراتب ستتآكل سريعا مع ارتفاع البنزين والـTVA.
ولا يرى كثيرون داخل القطاع العام في الخطوة مناسبة للاحتفال، كونهم يدركون أن موجة تضخم جديدة ستلتهم هذه الزيادة، خصوصاً في اقتصاد يعتمد على الاستيراد وتنعكس فيه كلفة النقل سريعاً على الأسعار.
أما أبو محمد، فلا راتب ينتظره آخر الشهر. دخله يومي. إن مرض يوماً، يخسر مدخول يومه، وإن انخفض عدد زبائنه كذلك. وكل زيادة جديدة تعني أنه سيعمل أكثر، ليصل فقط إلى النقطة نفسها التي كان يقف عندها قبل القرار الحكومي.
وقد أثار إقرار مجلس الوزراء موجة اعتراض واسعة، إذ قطع سائقو سيارات الأجرة ومواطنون عدداً من الطرق في مناطق عدة، احتجاجاً، ما تسبب بزحمة سير خانقة.
وعلق رئيس اتحادات ونقابات قطاع النقل البري، بسام طليس، في بيان مؤكدا أنه مع تحسين الأجور “لكننا نرفض تحميل المواطنين وقطاع النقل هذا العبء الإضافي”.
وحذر من أن أي زيادة على المحروقات أو الـ TVAستنعكس فورا على كلفة النقل وأسعار السلع.
وأعلن رئيس الاتحاد العمالي العام، بشارة الأسمر، رفضه للقرار، وقال في بيان “كان الأجدر بالحكومة البحث عن مصادر تمويل أخرى، لا إعطاء زيادة لا تفي بالمطلوب ولا تدخل في صلب الراتب وأخذها فوراً وقبل تطبيقها وارهاق الفئات العمالية والعسكرية بمزيد من الأثقال الضرائبية التي تنعكس سلبا على كل فئات الشعب”.
بدوره، وصف رئيس الاتحاد اللبناني لنقابات العمال والمستخدمين، بول زيتون، قرار الحكومة بـ”الجريمة الجديدة” في حق شعب “يختنق يومياً من الفقر والجوع والبطالة”، ورأى في بيان أن هذه الضرائب “ستكون الشرارة التي تدفع الشعب إلى الشارع”.
وانتقدت جمعية المستهلك – لبنان “إصرار الحكومة على السياسات الضريبية الماضية نفسها التي تحمل المستهلكين الأكثر فقرا أعباء السياسات الاقتصادية والاجتماعية التي أدت دائماً الى الأزمات وإلى انهيار البلاد مالياً عام 2019″، معتبرة في بيان أن الحكومة تعتمد مقاربة “غير عادلة” تحت ستار إرضاء صندوق النقد.
وفي المقابل، برّر رئيس الحكومة نواف سلام الزيادة الضريبية، ولا سيما رفع الضريبة على القيمة المضافة، بأنها “لا تتجاوز 1%، وستطال أصحاب الاستهلاك الأكبر، بهدف تمويل زيادات رواتب موظفي القطاع العام والمتقاعدين”، وبأنها “لا تؤثر على الطبقات الشعبية”، مشدداً على أن الزيادات للعسكريين والموظفين “مستحقة”.
وأوضح وزير المالية، ياسين، جابر، في مؤتمر صحفي أن كلفة رفع رواتب القطاع العام تبلغ نحو 800 مليون دولار، موزعة بين ست رواتب إضافية (620 مليونا)، رفع التعويضات العائلية (100 مليون)، ومساواة المتقاعدين العسكريين بالمنح المدرسية (70 مليوناً). وأشار إلى أن زيادة البنزين طُبّقت فوراً لمنع المضاربة، فيما تحتاج زيادة الـ TVA إلى قانون من مجلس النواب.
لن يبقى أثر قرار الحكومة “عند محطة الوقود ولا عند فاتورة الشراء فقط”، يقول الخبير الاقتصادي، وليد أبو سليمان، الذي شرح عبر صفحته على منصة “ أكس ” أن “زيادة البنزين ترفع كلفة التنقل فوراً، ثم تنتقل تلقائياً إلى كلفة النقل والتوزيع والتوصيل، فتبدأ الأسعار بالارتفاع تدريجيا في السلع الاستهلاكية والخدمات، من السوبرماركت إلى الدليفري، ومن المواصلات إلى الصيانة”.
بدوره يرى الباحث في المعهد اللبناني لدراسات السوق، خالد أبو شقرا، أن الضريبة على القيمة المضافة (TVA) ليست سلبية بحد ذاتها، إذ تُعفى المواد الأساسية نظرياً بنسبة 0%، غير أن اعتماد لبنان شبه الكامل على الاستيراد يجعل مدخلات الإنتاج ومواد التغليف خاضعة للضريبة، ما يرفع كلفة السلع تلقائياً. ويحذّر من أن إضافة 1% على السلع الخاضعة للـTVA ستنعكس ارتفاعاً في الأسعار محلياً، وقد تفتح الباب أمام فرض رسوم مقابلة على الصادرات اللبنانية، بما يضعف التنافسية ويحدّ من تدفّق العملة الصعبة.
ووفق تقديراته، “تبلغ إيرادات الـTVA في موازنة 2026 نحو 2 مليار دولار، فيما يُفترض أن تصل إلى نحو 3 مليارات، ما يعني وجود تهرّب يقارب مليار دولار سنوياً”. ويشير إلى أن “تحسين التحصيل بنسبة 11% فقط كفيل بتأمين إيرادات تغني عن فرض ضرائب إضافية”.
أما الرسوم الجمركية،” فتتراوح إيراداتها بين 570 و600 مليون دولار، رغم استيراد سلع بقيمة 21 مليار دولار عام 2025، بمعدل فعلي لا يتجاوز 2.7%”. ويرى أنه في حال رفع هذا المعدل إلى ما بين 5 و7%، “يمكن أن ترتفع الإيرادات إلى ما بين 1.5 وملياري دولار”.
وفيما يخص رواتب القطاع العام، يشدد أبو شقرا على أن الخطأ يكمن في إقرار الزيادات قبل إعادة الهيكلة، معتبراً أن أي زيادة غير مقرونة بإصلاح إداري تبقى معالجة سطحية لا تعالج أصل الخلل.
يقول “يضم القطاع نحو 320 ألف موظف، وتبلغ كلفة رواتبه حوالى 3 مليارات دولار سنوياً”. وبرأيه، “يمكن خفض العدد إلى نحو 250 ألفاً وإعادة توزيع الكتلة المالية نفسها لتحسين الرواتب بصورة مستدامة، عبر إقفال مؤسسات غير منتجة كمصلحة السكك الحديدية، وخصخصة بعض القطاعات كالكهرباء والاتصالات، ومعالجة التخمة الوظيفية في الإدارات ومؤسسات التعليم، والاستفادة من التكنولوجيا لتقليص الكلفة البشرية”.
ويذكّر بأن موظفي القطاع العام “استعادوا نحو 80% من رواتبهم مقارنة بعام 2019، فيما لا يزال نحو 70% من موظفي القطاع الخاص يتقاضون أقل من نصف رواتبهم السابقة”.
وأعلن عدد كبير من النواب رفضهم قرار الحكومة فرض ضرائب جديدة، معتبرين أنها تمسّ مباشرة القدرة المعيشية للمواطنين في ظل غياب إصلاحات بنيوية تعالج أصل الخلل المالي.
وانتقد النائب إيهاب مطر ما وصفه بـ”التهنئة” الحكومية للبنانيين عشية رمضان، مشيراً عبر منصة “ أكس ” إلى أن “6 دولارات شهرياً على تطبيق واتساب كانت كافية لإشعال ثورة، فكيف بزيادة 3.3 دولارات على صفيحة البنزين، أي ما يعادل نحو 13 دولاراً شهرياً في قطاع النقل، وفوقها زيادة على الـTVA؟”.
من جهته، حذّر النائب وليد البعريني من تحوّل زيادة 1% على الضريبة على القيمة المضافة إلى زيادات مضاعفة بفعل جشع بعض التجار، داعياً الحكومة إلى مراقبة الأسعار، ومعتبراً أن “زيادة 1% قد تصبح لدى بعض التجار 100%”.
بدوره، اعتبر النائب سيزار أبي خليل أن السلطة تعود إلى “سياسات التسعينات التي أوصلت إلى الانكماش والعجز والانهيار”، فيما رأى النائب نقولا صحناوي أن قرار “إنصاف الموظفين جاء سريعاً”، لكن “جيب المواطن كان الأسرع في تحمّل الكلفة”، مضيفاً أن خطاب العدالة الاجتماعية “يُستعاد ثمنه بصمت من كل بيت”.
في المقابل، شدّد النائب هادي أبو الحسن على ضرورة اعتماد إصلاحات فعلية، من خلال ضبط التهرّب الضريبي وإقرار الضريبة التصاعدية والضريبة على الثروة، معتبراً أن هذه الطروحات قُدّمت باقتراحات قوانين سابقة، وهي أولى من تحميل المواطنين أعباء إضافية.
وفي محل خضار شعبي في أحد أحياء بيروت، تمسك أم هادي حبة بندورة، وعينها على الأسعار.
ويقول بائع الخضار “إذا البنزين غلي، النقل بيغلى. والشحن بيغلى. وكل شي بيتحمّل كلفة الزيادة”.
المصدر:
الحرة