في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
حضر الصراع التاريخي بين الصين وتايوان بقوة في كواليس وعلى هامش أعمال مؤتمر ميونخ للأمن بدورته الـ62 في ألمانيا، على وقع تهديدات صينية مباشرة للولايات المتحدة بعدم التدخل، تزامنا مع تحركات عسكرية حول جزيرة تايوان، الأمر الذي فتح باب السؤال مجددا بشأن مستقبل الصراع.
تعود جذور العلاقة المعقدة بين الصين وتايوان لمئات السنين، فالجزيرة التي ظلت حتى عام 1895 جزءا من الأراضي الصينية، احتلتها اليابان، ثم عادت إلى حكم الجمهورية الصينية بعد الحرب العالمية الثانية عام 1945.
وبالنسبة للصين، فتايوان -التي تُعتبر من أهم المواقع الجيوإستراتيجية في شرق آسيا- تعد جزءا لا يتجزأ من أراضيها، وتطالب بضمها انطلاقا من مبدأ "الصين الواحدة" الذي تعتمده الأمم المتحدة، إذ تؤكد على الدوام أن هذا المبدأ غير قابل للتفاوض، وترفض أي محاولات لانفصالها عنها، حتى لو استدعى ذلك استخدام القوة.
أما تايوان، التي يبلغ عدد سكانها نحو 24 مليون نسمة، فقد استقر فيها قادة الجمهورية الصينية بعد هزيمتهم في الحرب الأهلية أمام الحزب الشيوعي عام 1949، ومنذ ذلك الحين تدير الجزيرة شؤونها بشكل مستقل. وترى نفسها دولة ذات حكم ذاتي منفصل عن بكين، في حين تصفها الصين بأنها مقاطعة متمردة وتعدّها جزءا لا يتجزأ من أراضيها.
وتعتبر تايوان أن موقعها وسط سلسلة الجزر التي تربط اليابان بالفلبين يجعل دورها بالغ الأهمية في الأمن الإقليمي والتجارة الدولية.
ورغم أن الولايات المتحدة لا تعترف بتايوان دولة مستقلة مثل معظم دول العالم، فإنها تواصل التعامل مع النظام السياسي هناك، وتعد المزود الرئيسي للجزيرة بالأسلحة، وتحافظ على علاقات اقتصادية هامة معها، لتتحول تايوان لأعقد الأزمات بين واشنطن وبكين.
وفي نوفمبر/تشرين الثاني 2025، لمحت رئيسة الوزراء اليابانية ساناي تاكايتشي، التي يتمركز نحو 60 ألف جندي أمريكي على أراضي بلدها، إلى أن طوكيو قد تتدخل عسكريا إذا هاجمت الصين تايوان، مما أثار غضب بكين.
وتصاعدت التحركات العسكرية الصينية حول تايوان خلال الأسابيع الأخيرة، إذ رصدت تايبيه عشرات الطائرات والسفن الحربية التي تحيط بالجزيرة بشكل شبه يومي، في استمرار لما تصفه بكين بـ"المناورات الروتينية".
ومنذ عام 2020، كثفت الصين ما يُعرف بـ"تكتيكات المنطقة الرمادية"، عبر زيادة تدريجية لعدد الطائرات والسفن العاملة في محيط الجزيرة، في مسعى لفرض أمر واقع دون الوصول إلى مواجهة مباشرة.
كما أعلن الجيش الصيني أواخر العام الماضي انتهاء سلسلة من المناورات "عالية القوة"، قال إنها تؤكد سيادته على الجزيرة.
وبالعودة إلى مؤتمر ميونخ، فقد هدد وزير الخارجية الصيني وانغ يي -في مداخله له بالمؤتمر اليوم السبت- بأن أي محاولة أمريكية لما وصفه بـ"التآمر" بهدف فصل تايوان عن الصين ستؤدي "على الأرجح إلى مواجهة".
ودعا وانغ يي واشنطن إلى سلوك مسار التعاون مع بكين، قبل أن يستدرك قائلا "ولكن ثمة مسار آخر. مسار فك الارتباط والانفصال وقطع العلاقات مع الصين، وتشكيل فصائل ومجموعات مختلفة تستهدف الصين، وصولا إلى التحريض والتآمر بهدف تقسيم الصين عبر تايوان، مما يعني تجاوز الخطوط الحمراء للصين".
وحذر بالقول "هذا الأمر قد يؤدي على الأرجح إلى مواجهة بين الصين والولايات المتحدة".
وأشاد الوزير الصيني بألمانيا لكونها "طوت تماما صفحة النازية" بعد الحرب العالمية الثانية، لكنه هاجم اليابان، ولفت الى أن "بعض مجرمي الحرب" ما زالوا يحظون فيها بنوع من التمجيد، وأن من وصفهم بـ"أشباح النزعة العسكرية" اليابانية المسؤولة عن ارتكاب فظائع في آسيا بين العامين 1930 و1940 "لم تختف".
وقال وانغ يي "على جميع الدول المحبة للسلام أن توجه تحذيرا الى اليابان"، محذرا "إذا أرادت (اليابان) أن تعود الى الخلف وتسلك هذا المسار، وتجرب حظها مرة أخرى، فستتعرض لهزيمة أسرع وأكثر إيلاما".
وسبق هذه التهديدات، لقاء جمع وزير الخارجية الصيني وانغ يي بنظيره الأمريكي، على هامش مشاركتهما في مؤتمر ميونخ أمس الجمعة، ضمن مساعي خفض التصعيد التجاري والعسكري بين البلدين.
ويأتي لقاء الوزيرين اللذيْن تصافحا أمام الكاميرات، وعقدا اجتماعا على مستوى وفدي البلدين، في أعقاب اتصال هاتفي جرى بين الرئيس الأمريكي دونالد ترمب ونظيره الصيني شي جين بينغ، مطلع الشهر الجاري.
وصرح ترمب عقب الاتصال بأنه سيقوم بزيارة إلى الصين في أبريل/نيسان المقبل، في حين سيزور الرئيس شي الولايات المتحدة أواخر عام 2026.
وخلال الاتصال، شدد الزعيم الصيني على أن قضية تايوان تمثل المسألة الأهم في العلاقات الصينية الأمريكية، محذرا من بيع الأسلحة للجزيرة التي تعتبرها بكين جزءا من أراضيها.
ووافقت الخارجية الأمريكية في 17 ديسمبر/كانون الأول 2025 على بيع أسلحة ومعدات عسكرية لتايوان بقيمة إجمالية بلغت نحو 11 مليار دولار، في صفقة اعتُبرت الأضخم من نوعها حتى اليوم.
في حين تخطط الإدارة الأمريكية لصفقة سلاح جديدة لتايوان قد تصل قيمتها إلى 20 مليار دولار، وفق صحيفة فايننشال تايمز.
وفي مقابلة نادرة مع وكالة الأنباء الفرنسية، حذر الرئيس التايواني لاي تشينغ تي، من أن دولا آسيوية ستكون أهدافا تالية للصين، في حال هاجمت بكين الجزيرة وضمتها.
واستدعى تصريح الرئيس ردا سريعا من المتحدث باسم وزارة الخارجية الصينية لين جيان الخميس الماضي، إذ قال إن "تصريحات لاي تشينغ تي كشفت مجددا عن طبيعته العنيدة المؤيدة للاستقلال، وأثبتت بما لا يدع مجالا للشك أنه مُزعزع للسلام ومُثير للأزمات ومُحرّض على الحرب".
وتوقع الرئيس التايواني أن تصبح الصين في حال سيطرت على تايوان "أكثر عدوانية، ما يُهدّد السلام والاستقرار في منطقة المحيطين الهندي والهادي، فضلا عن النظام الدولي"، مضيفا "إذا ضمت الصين تايوان، فلن تتوقف طموحاتها التوسعية عند هذا الحد".
وألمح إلى أن دولا مثل اليابان والفلبين وسواهما في منطقة المحيطين الهندي والهادئ، ستكون مهددة، وحذر بأن تداعيات سيطرة الصين "ستمتدّ في نهاية المطاف إلى الأمريكيتين وأوروبا"، معربا عن أمله في تعزيز التعاون الدفاعي مع أوروبا.
ورحّبت تايوان قبل القمة المقرر عقدها في نيسان/أبريل المقبل في بكين بين ترمب وشي جين بينغ، بأي مناقشات بين الزعيمين تُسهم في الحفاظ على الوضع الراهن.
المصدر:
الجزيرة