في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
في وقت ينشغل فيه الصحفيون والباحثون بالتنقيب في آلاف الصفحات من "ملفات إبستين" بحثا عن أدلة جنائية دامغة، برزت حقيقة واحدة لا تقبل الجدل، وهي أن الوثائق كشفت بتفاصيل قاسية الأنشطة السرية لنخبة غير خاضعة للمساءلة.
وبحسب تقرير موسع لصحيفة نيويورك تايمز، تفضح تلك الوثائق نُخبا عالمية تضم رجال أعمال وسياسيين وأكاديميين ونجوما من عالم الفن، وفروا لرجل الأعمال المتهم بالاتجار بالقاصرات جيفري إبستين بيئة من الحماية مقابل ما كان يقدمه لهم من مال ونفوذ وخدمات، وصلت في بعض الحالات إلى حد الاستغلال الجنسي.
حجم تواطؤ النخب في عالم إبستين لا يزال صادما، رغم كل ما كُشف سابقا
بواسطة نيكول هيمر، أستاذة التاريخ بجامعة فاندربيلت
ونقلت الصحيفة عن نيكول هيمر، أستاذة التاريخ بجامعة فاندربيلت، قولها إن "حجم تواطؤ النخب في عالم إبستين لا يزال صادما، رغم كل ما كُشف سابقا"، مضيفة أن الجمهور بات يرى اليوم "مستوى من الفساد بكامل وضوحه".
وتكشف المراسلات المتبادلة عن شبكة علاقات معقدة ضمت أسماء من العيار الثقيل، رؤساء ووزراء ومسؤولين كبارا.
ووفق الصحيفة، فقد جذبت مهارات إبستين اهتمام أغنى رجل في العالم الملياردير الأمريكي إيلون ماسك، الذي بعث رسالة إلى إبستين عبر البريد الإلكتروني عام 2012، يسأله فيها: "أي يوم أو ليلة ستكون فيها الحفلة الأكثر صخبا على جزيرتك؟".
وكان ماسك قد قال لاحقا على وسائل التواصل الاجتماعي إنه كانت له "مراسلات محدودة جدا مع إبستين"، وإنه رفض مرارا تلبية دعوات لزيارة جزيرته.
الفئات التي يجب أن تثور تم شراؤها عبر الثقافة الاستهلاكية
بواسطة الرئيس التنفيذي السابق لبنك باركليز في رسالة لإبستين
وأفاد مراسل الصحيفة روبرت دريبر، في تقريره، بأن الملياردير اليهودي الأمريكي منح أيضا خدمات وتبادل المجاملات مع عدد كبير من النخب الأخرى، من بينهم مخرج هوليود الشهير وودي آلن، و نعوم تشومسكي المفكر وعالم اللغة الأمريكي، وكينيث ستار المدعي العام السابق.
وتشمل القائمة أيضا كاثرين روملر المستشارة القانونية السابقة للبيت الأبيض في عهد الرئيس السابق باراك أوباما، التي استقالت مساء الخميس من منصبها مستشارة عامة لشركة غولدمان ساكس وسط تدقيق في علاقاتها بإبستين.
ومن بين الأسماء التي ارتبطت بعلاقات مع إبستين، كل من ستيف بانون، أحد أبرز حلفاء ترمب السياسيين، وديباك شوبرا، خبير الطب البديل والتنمية الذاتية الأمريكي، والمنتج السينمائي باري جوزيفسون، ولورنس سامرز، الرئيس السابق لجامعة هارفارد ووزير الخزانة الأسبق.
وذكر التقرير أيضا الأمير البريطاني أندرو، وسارة فيرغسون دوقة يورك السابقة، ووليّة العهد النرويجية مِتّه ماريت، إلى جانب حشد من كبار عمالقة المال.
وفي 2014، كتب الرئيس التنفيذي السابق لبنك "باركليز" جيمس إي ستالي رسالة إلكترونية إلى إبستين ورد فيها أن النخب الأمريكية من "الطبقات العليا" لن تواجه أبدا انتفاضة شعبية كالتي حدثت في البرازيل ذاك العام، ضد قضايا اجتماعية واقتصادية.
وزعم رئيس البنك السابق بلهجة متعالية أن الفئات التي يجب أن تثور تم شراؤها عبر الثقافة الاستهلاكية، وفق ما نقلته الصحيفة.
وفي ذلك العام نفسه، تلقى إبستين رسالة إلكترونية من شخص حُجبت هويته جاء فيها نصا: "شكرا على الليلة الممتعة، فتاتك الأصغر سنا كانت مشاغبة قليلا".
وفي رسالة أخرى، طلب إبستين من متلقٍ آخر -حُجبت هويته كذلك- شراء عدد من الألعاب الجنسية، مضيفا: "أريدك أن تتحدث بأقذر وأفحش وأبدع طريقة ممكنة، هذا سيحرر عقلك"، بحسب نيويورك تايمز.
وطبقا للتقرير، فإن الصدمة التي أحدثتها بعض هذه الكشوفات، مقرونة بمكانة الأشخاص المحيطين بإبستين ونفوذهم، لم تُسهم في إخماد نظريات المؤامرة التي أثارها سلوكه، والتي سعت أطراف من اليمين واليسار إلى توظيفها سياسيا. بل على العكس، أدت التفاصيل الجديدة إلى موجة محمومة من التكهنات التي تفتقر إلى أساس واقعي.
ومن هذه النظريات "بيتزاغيت"، إذ ترى الصحيفة أن الإشارات المتكررة إلى البيتزا في الملفات أعادت إحياء النظرية التآمرية المفنَّدة عام 2016، التي زعمت أن ديمقراطيين بارزين كانوا يعذبون الأطفال ويغتصبونهم في قبو مطعم بواشنطن.
الملفات كشفت "عالما كنا نعلم بوجوده، لكننا اتُهمنا بنظرية المؤامرة لمجرد الإشارة إليه"
بواسطة النائبة الجمهورية السابقة مارجوري تايلور غرين
ورغم كون الأماكن والشخصيات الواردة في قضية "بيتزاغيت" تختلف تمام الاختلاف عن تلك التي تظهر في ملفات إبستين، فإن ذلك لم يمنع البعض من الإصرار على وجود صلة بينهما، وفقا لمراسل الصحيفة.
وتطرق التقرير إلى الجدل المتجدد حول وفاة إبستين في السجن عام 2019، بعد نشر سجلات فيديو جديدة أثارت تساؤلات، رغم أن الوفاة صُنفت رسميا على أنها انتحار.
لكن النائب الديمقراطي رو خانا شدد على ضرورة "عدم الانجرار وراء نظريات غير مثبتة"، وقال: "يجب أن نسأل أنفسنا: كيف أنتجنا نخبة بلغت هذا الحد من عدم النضج والتهور والغطرسة؟".
من جهتها، رأت النائبة الجمهورية السابقة مارجوري تايلور غرين أن الملفات كشفت "عالما كنا نعلم بوجوده، لكننا اتُهمنا بنظرية المؤامرة لمجرد الإشارة إليه"، مؤكدة أن أيا من أصدقاء إبستين الذكور لم يُحاسب جنائيا حتى الآن.
وفي اعتقاد المراسل دريبر أن إبستين لم يكن -رغم علاقاته الواسعة- صانع قرار أو "مُحركا خفيا" للسياسات الأمريكية، بل شخصية استغلت ثغرات نظام اجتماعي وسياسي سمح لنخبة نافذة بالإفلات طويلا من العدالة.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة