أنقرة- تحتضن العاصمة التركية أنقرة، غدا الأربعاء، قمة ثنائية جديدة تجمع الرئيس التركي رجب طيب أردوغان ورئيس الوزراء اليوناني كيرياكوس ميتسوتاكيس، في إطار الاجتماع السادس لمجلس التعاون الرفيع المستوى بين البلدين، في محاولة جديدة لدفع مسار الحوار بين الجانبين قدما.
وتنعقد القمة في وقت لا تزال فيه الخلافات الجوهرية بشأن السيادة البحرية وترسيم الحدود في بحر إيجه وشرق المتوسط تلقي بثقلها على العلاقات الثنائية، رغم ما شهدته الفترة الأخيرة من تهدئة نسبية واستئناف لقنوات التواصل.
وبين رهانات التقدم الحذِر وحدود التعقيد المزمن، تبرز تساؤلات بشأن إن كان هذا اللقاء يفتح نافذة لمعالجة الخلافات المتراكمة أم يندرج في إطار إدارة التباينات ومنع تحوُّلها إلى أزمات مفتوحة؟
تتصدر الخلافات المزمنة بين تركيا و اليونان جدول أعمال القمة المرتقبة، وفي مقدمتها النزاع على السيادة البحرية وحدود المياه الإقليمية في بحر إيجه، وهو ملف تتداخل فيه اعتبارات تاريخية وقانونية تعود جذورها إلى عقود طويلة.
وتشمل هذه الخلافات قضايا السيادة على عدد كبير من الجزر، وتحديد نطاق المياه الإقليمية، وترسيم الجرف القاري والمناطق الاقتصادية الخالصة في بحر إيجه وشرق المتوسط. ويتشابك هذا المسار مع ملف تقسيم جزيرة قبرص العالق منذ سبعينيات القرن الماضي، إلى جانب قضايا حقوق الأقليات الدينية والقومية، سواء ما يتعلق بالأقلية التركية في تراقيا الغربية باليونان أو الأقلية اليونانية الأرثوذكسية في إسطنبول.
ويفاقم هذه التعقيدات سباق تسلح متواصل وتبادل تحذيرات سياسية وأمنية بين أنقرة وأثينا، على الرغم من عضويتهما المشتركة في حلف شمال الأطلسي.
وقد انعكست هذه القضايا السيادية المعقدة على مسار العلاقات الثنائية خلال السنوات الماضية، إذ لجأت اليونان -بدعم من قبرص الرومية- إلى توظيف خلافاتها مع تركيا داخل مؤسسات الاتحاد الأوروبي. في المقابل، اتجه الطرفان إلى توسيع دائرة التحالفات الإقليمية لتعزيز مواقعهما في صراع النفوذ وتقاسم موارد شرق المتوسط.
فبينما عززت أثينا شراكاتها مع قبرص وإسرائيل، وسعت إلى استمالة مصر ودعم أطراف في شرق ليبيا في ملفات الغاز وترسيم الحدود، مضت أنقرة في مسار موازٍ عبر توقيع اتفاقية ترسيم حدود بحرية مع حكومة الوفاق في طرابلس عام 2019، وتعميق تعاونها مع غرب ليبيا، إلى جانب تحسُّن علاقاتها أخيرا مع القاهرة وبعض الفاعلين في شرق ليبيا.
وعشية القمة المرتقبة، عادت نبرة التوتر إلى الواجهة عبر تبادل رسائل سياسية حادة بين الجانبين. فقد جاء الإعلان عن لقاء أردوغان وميتسوتاكيس عقب سجال كلامي أثاره تصريح للأخير، قال فيه أن من حق اليونان توسيع مياهها الإقليمية في بحر إيجه إلى 12 ميلا بحريا متى رأت ذلك مناسبا، وهو ما ترفضه أنقرة وتَعُده مساسا بأمنها القومي.
وردَّت وزارة الدفاع التركية على هذا التصريح بالتشديد على رفض أي خطوات أحادية في هذا الملف.
وأوضح للجزيرة نت أن المقاربة التركية المستندة إلى عمق إستراتيجي تعززه عقيدة "الوطن الأزرق" تقابلها أطروحات يونانية وصفها بالحدية، مما يجعل السيناريو الأكثر ترجيحا يتمثل في فصل الخلافات الجوهرية العالقة عن جدول الأعمال المشترك، أو إبقائها خارج دائرة الاشتباك السياسي المباشر، والتركيز بدلا من ذلك على مجالات يمكن تحقيق تقدُّم عملي فيها.
وأشار جوكلاب إلى أن هذا التوجه يسمح للطرفين بإدارة القضايا الحساسة مثل مناطق الصلاحيات البحرية والمجال الجوي، من دون المساس بالخطوط الحُمر السيادية، عبر إحالتها إلى قنوات تقنية ودبلوماسية بعيدة عن مناخ التوتر الذي يطغى عادة على مستوى القرار السياسي، بما قد يفتح المجال أمام تهدئة ميدانية محسوبة.
وأضاف أن السيناريو الثاني يتمثل في الدفع نحو مقاربة وظيفية قائمة على تحقيق مكاسب متبادلة ولا سيما في ملفات الطاقة وجغرافيا الطاقة، إلى جانب مسارات مرتبطة ب الاتحاد الأوروبي، مثل تحديث الاتحاد الجمركي وتسهيل نظام التأشيرات.
ولفت إلى أن آلية الأجندة الإيجابية مع اليونان قد تشكل إطارا يمنح هذه التحركات التركية مشروعية دبلوماسية إضافية، ويعزز موقع أنقرة التفاوضي.
ورأت خبيرة السياسة الخارجية التركية زينب جيزام أوزبينار أن شرق المتوسط يشهد مرحلة إعادة تشكُّل عميقة في موازين القوى الإستراتيجية، مشيرة إلى أن الإستراتيجية التي سادت لسنوات، وقامت على محور "اليونان- قبرص الرومية- مصر" بهدف تطويق تركيا وحصرها جغرافيا، فقدت جزءا كبيرا من فاعليتها مع انطلاق مسار التطبيع بين أنقرة والقاهرة.
وأشارت إلى أن الموقف المصري الأخير، ولا سيما تقديم القاهرة مذكرة دبلوماسية أعربت فيها عن تحفظها على بعض الطروحات اليونانية المتعلقة بترسيم الحدود البحرية خصوصا في محيط جزيرة ميس، عكس تحولا واضحا في مقاربة مصر، وأظهر أنها لم تعد تقدّم دعما غير مشروط لأثينا في هذا الملف.
وفسرت أوزبينار في حديثها للجزيرة نت أن هذا التحول يمثل بالنسبة لتركيا كسرا لأحد أبرز عوائقها الدبلوماسية في شرق المتوسط، إذ باتت القاهرة تنظر إلى التعاون مع أنقرة من منظور براغماتي يحقق لها مكاسب أوسع، سواء من حيث توسيع نطاق مناطقها البحرية أو تعزيز هامش الحركة في ملفات حيوية مثل ليبيا وأمن الطاقة.
وأضافت أن تزايد التباينات بين القاهرة وأثينا لا يمكن قراءته فقط بوصفه خلافا "تكتيكيا" عابرا بل تعبيرا عن تضارب مصالح اقتصادية حقيقية، بعدما أدركت مصر أن تبنّي الرؤية اليونانية بشأن حدود المناطق الاقتصادية الخالصة قد يكلفها خسارة مساحات شاسعة من منطقتها البحرية.
وبشأن انعكاس هذه التحولات على اللقاءات الرفيعة المستوى المرتقبة بين أنقرة وأثينا، رجَّحت أوزبينار أن تتخذ المباحثات طابعا براغماتيا مفروضا بحكم الواقع الجديد.
ولفتت إلى أن اليونان ستدخل هذه اللقاءات وهي أقل اعتمادا على الدعم المصري، وبطموحات أضعف في ما يتعلق بأداء دور محور طاقة إقليمي، مما قد يدفعها إلى إظهار قدر أكبر من المرونة والتخفيف من الخطاب التصعيدي في القضايا التي كانت تُعَد سابقا خطوطا حُمرا.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة