تخيّل كائنات مجهرية تعمل بصمت في محيطات العالم، تلتقط الكربون من الهواء وتساعد في دفنه بعيدا في الأعماق فتساهم في تهدئة مناخ الأرض على المدى الطويل.
هذه ليست قصة خيالية، بل هي واقع علمي تشير إليه دراسة جديدة تحذر من أن نماذج المناخ العالمية قد تقرأ خريطة المحيطات وهي ناقصة لأنها لا تأخذ هذا الدور الحيوي في الحسبان بشكل كامل.
العوالق المكلسة هي كائنات بحرية مجهرية تبني أصدافا من كربونات الكالسيوم (CaCO3)، وتضم ثلاث مجموعات رئيسية:
وبحسب تقرير نشره موقع "ساينس ديلي" (Science Daily) فإن هذه الكائنات لا ترى بالعين المجردة، لكن لها دورا مهما في دورة الكربون العالمية عبر ما يعرف بـ"مضخة الكربون" في المحيطات، إذ تلتقط الكربون أثناء نموها، وعندما تموت تساعد أجسادها وأصدافها في نقله إلى أعماق البحر، حيث يمكن أن يخزن بعيدا عن الغلاف الجوي لفترات طويلة، كما تسهم في تشكيل الرواسب التي يعتمد عليها العلماء لفهم كيف كان مناخ الأرض في الماضي.
الدراسة، التي قادها فريق من معهد علوم وتكنولوجيا البيئة بجامعة برشلونة المستقلة (ICTA-UAB) ونشرت في مجلة "ساينس" (Science)، تظهر أن نماذج المناخ الأساسية المستخدمة اليوم غالبا ما تبسط أو تهمل دور هذه الكائنات، وهو ما قد يجعل فهمنا لاستجابة المحيطات لتغير المناخ غير مكتمل.
أحد العناصر الرئيسة التي تغيب عن كثير من هذه النماذج هو ما يسمى "الذوبان الضحل" (shallow dissolution). فجزء كبير من كربونات الكالسيوم، التي تنتجها هذه العوالق لا يصل إلى قاع البحر، بل يذوب في الطبقات العليا من المحيط قبل ذلك بفعل نشاط بيولوجي مثل الافتراس وتكتل الجسيمات وتنفس الميكروبات.
هذه العملية تغير كيمياء الماء في الطبقات السطحية وتؤثر في الطريقة التي يخزن بها الكربون ويعاد تدويره، لكن العديد من نماذج نظام الأرض المتداولة لا تدمجها بعد بشكل كاف في حساباتها.
وتحذر قائدة الدراسة باتريتسيا زيفيري من أن "أصداف العوالق صغيرة، لكنها مجتمعة تشكل كيمياء محيطاتنا ومناخ كوكبنا"، وأن تجاهلها في النماذج المناخية يعني احتمال إغفال عمليات أساسية تحكم استجابة نظام الأرض لتغير المناخ.
تشير الدراسة أيضا إلى أن هذه المجموعات الثلاث من العوالق المكلّسة ليست عاملا واحدا متجانسا:
يدعو الباحثون إلى بذل جهود علمية منظمة لقياس ما تنتجه كل مجموعة من هذه العوالق من كربونات الكالسيوم، وكمية ما يذوب منها في الطبقات العليا، وما يصدّر منها إلى الأعماق.
إدراج هذه التفاصيل البيولوجية الدقيقة في نماذج المناخ لا يساعد فقط في تحسين تقديرات تفاعل المحيط مع الغلاف الجوي وتخزين الكربون على المدى الطويل، بل يساهم أيضا في تفسير أفضل للسجلات الرسوبية التي نعتمد عليها لإعادة بناء تاريخ المناخ على الأرض.
وفي زمن تتزايد فيه الحاجة إلى توقعات مناخية أكثر دقة، تذكرنا هذه الدراسة بأن حكاية الكوكب لا تكتمل إلا إذا ضمت أصغر "مهندسيه"، وهم تلك العوالق المجهرية التي تعمل في الظل وترسم بصمت ملامح مستقبل محيطاتنا ومناخنا.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة