موسكو/واشنطن- انتهت اليوم الخميس 5 فبراير/شباط 2026 صلاحية معاهدة الحد من الأسلحة الإستراتيجية الجديدة "نيو ستارت"، ودخل العالم رسميا مرحلة الحد من القيود على التسلح الإستراتيجي بين أكبر قوتين نوويتين، وذلك لأول مرة منذ عام 1972، بعد إحجام روسيا و الولايات المتحدة عن تمديدها.
وكانت موسكو علّقت رسميا مشاركتها في المعاهدة في فبراير/شباط 2023، مُعللة ذلك باستحالة عمليات التفتيش والوضع الجيوسياسي العام، لكنها أكدت عزمها على الالتزام بالحدود الكمية حتى نهاية مدتها. في المقابل، أعربت واشنطن عن رغبتها في إبرام اتفاقية "أكثر ملاءمة" تشمل الصين، لكنها لم تتخذ خطوات ملموسة لتمديد الحدود بصيغتها الحالية.
والمعاهدة التي انتهى مفعولها هي اتفاقية تنص على كيفية خفض الطرفين لترسانتيهما من الأسلحة الهجومية الإستراتيجية. وقد وُقّعت في براغ عام 2010 من قبل زعيمي البلدين آنذاك، ديمتري ميدفيديف و باراك أوباما، ودخلت حيز التنفيذ في 5 فبراير/شباط 2011.
وبعد 10 سنوات، مُدّدت المعاهدة لـ5 سنوات أخرى، ولا يمكن تمديدها أكثر من ذلك لأن بنودها تنص على فعل ذلك مرة واحدة فقط. وتنطبق "نيو ستارت" على الصواريخ الباليستية العابرة للقارات، وقاذفاتها، ورؤوسها الحربية؛ والصواريخ الباليستية التي تُطلق من الغواصات، وقاذفاتها، ورؤوسها الحربية؛ والقاذفات الثقيلة وأسلحتها النووية.
وسبق أن أعلنت روسيا استعدادها للالتزام بالحدود الكمية المركزية لهذه المعاهدة لمدة عام إضافي بعد انتهاء صلاحيتها حتى فبراير/شباط 2027 "للحفاظ على استقرار الوضع، شريطة أن تُبدي الولايات المتحدة ضبطا مماثلا للنفس".
يعتبر الباحث في النزاعات الدولية، فيودور كوزمين، أن الوضع الدولي أصبح أكثر خطورة بسبب زوال ما يصفها بآخر ضمانات الأمان، لكن ذلك لا يعني الدخول في سباق تسلح فوري.
وأوضح للجزيرة نت أن الزيادة الحادة في الترسانات مستبعدة في المستقبل المنظور بسبب القيود المفروضة على الميزانية والأوضاع الاقتصادية في كلا البلدين، فضلا عن التكافؤ النووي.
لكنه أشار إلى أن المشكلة التي سيواجهها المجتمع الدولي الآن لم تعد في أعداد الصواريخ بقدر ما تتعلق بفقدان الشفافية والقدرة على التنبؤ بتصرفات الأطراف، بعد أن عُلّق نظام التفتيش عام 2023، وباتت عمليات التحقق شبه مستحيلة.
ووفقا للباحث كوزمين، فإن أي اتفاقيات مستقبلية ستضطر حتما إلى مراعاة قدرات الصين النووية. وبما أن بكين لا تعتزم الدخول في اتفاقيات متعددة الأطراف، فإن الولايات المتحدة ليست مستعدة لمعاهدة جديدة مع روسيا لا تأخذ في الاعتبار القوة الصاروخية النووية لدى الصين.
من جانبه، يرى محلل الشؤون العسكرية والأمنية، ألكسي أرباتوف، أن عدم تجديد المعاهدة منح كلا الجانبين إمكانية زيادة عدد الرؤوس الحربية المنتشرة، وهي أكثر من 1550 رأسا، وكذلك وسائل الإطلاق التي تتجاوز أكثر من 700 وسيلة.
وتابع أن هذا التطور سيعني، بالحد الأدنى نظريا، بدء سباق تسلح نووي خارج عن السيطرة، لا سيما في ظل وجود توترات سياسية بين التكتلات الكبرى تجعل التوصل إلى اتفاق جديد سريعا أمرا بالغ الصعوبة.
واعتبر أن انهيار معاهدات الحد من الأسلحة الإستراتيجية، وخاصة "نيو ستارت"، سيدفع الأطراف إلى الاعتماد على المعلومات الاستخباراتية، مما قد يُؤدي إلى سوء التقدير والتخطيط وفقا لأسوأ السيناريوهات. لكنه يخلص إلى وجود بدائل محتملة، كالإعلان عن هدنة إستراتيجية أو التزام طوعي بالقيود دون معاهدة رسمية للحفاظ على الاستقرار الأساسي في العالم.
وكان وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو قد أكد موقف بلاده بأنه "من أجل تحقيق سيطرة حقيقية على الأسلحة في القرن الـ21، من المستحيل القيام بشيء لا يشمل الصين بسبب مخزونها الهائل والمتنامي بسرعة".
وفي تعليق على الموضوع، قال الرئيس التنفيذي لمشروع الأمن الأمريكي، ماثيو والين، إنه "حاليا، وللمرة الأولى منذ زمن بعيد لا يوجد ما يمنع الولايات المتحدة أو روسيا من بناء أسلحتهما النووية الإستراتيجية ونشر المزيد منها للاستخدام الفوري. كلما زاد عدد الأسلحة النووية الموجودة والاستخدامات النشطة، زادت فرصة الخطأ القاتل".
وأضاف للجزيرة نت أن بكين عامل مهم له صلة بالجهود الأولى لإدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترمب لاستبدال برنامج "نيو ستارت" قبل انتهاء صلاحيته الأصلية بعد 10 سنوات.
وتابع أن الصين رفضت تلك الجهود، موضحة بشكل أساسي أنه بما أنها لا تملك نفس عدد الأسلحة النووية الإستراتيجية مثل واشنطن وموسكو، فمن العبث محاولة جعلها توقع معاهدة. وفي الوقت نفسه، تبذل جهدا لبناء ترسانتها بسرعة لتقترب من المستوى الأمريكي أو الروسي.
بدوره، قال شياودون ليانغ، محلل سياسات أول في سياسة الأسلحة النووية ونزع السلاح وجمعية مراقبة الأسلحة، إنه بعد انقضاء فترة اتفاقية "نيو ستارت"، يكون ولأول مرة منذ 35 عاما، بإمكان الولايات المتحدة وروسيا البدء في توسيع قواتهما النووية الإستراتيجية بإضافة المزيد من الرؤوس الحربية إلى الصواريخ القائمة.
ووفقا له، فإنه خلال السنوات المقبلة، قد تنشر أيضا المزيد من الصواريخ والقاذفات للمهام النووية، مضيفا أن غياب حدود المعاهدة يخلق مزيدا من عدم اليقين ليس فقط لواشنطن وموسكو، بل أيضا لبكين، ما يزيد من مخاطر سباق تسلح ثلاثي الأطراف جامح لا يترك أي طرف في وضع أفضل، ويزيد من العواقب المحتملة لسوء التقدير النووي.
وينصح الخبير ليانغ إدارة ترمب بضرورة السعي الثنائي لاتفاق تجميد نووي مع الصين خلال زيارته الرسمية المنتظرة إلى بكين في أبريل/نيسان المقبل. ويرى أنه يمكن للرئيس الأمريكي أن يبدأ محادثات مع روسيا بشكل منفصل حول مكونات معاهدة جديدة للحد من الأسلحة النووية، أو مجموعة من الاتفاقيات الرسمية وغير الرسمية المترابطة، التي تغطي بشكل كامل مخاوف الطرفين.
أما ستيف بايفر الخبير في الشؤون الأوروبية ونزع السلاح بمعهد بروكينغز فيعتقد أن الصين، التي تزيد ترسانتها النووية أسرع من أي دولة أخرى، ترفض بشدة المشاركة في أي مناقشات حول الأسلحة النووية.
ويضيف، للجزيرة نت، أنه "بينما يعبّر ترمب أحيانا عن اهتمامه بمراقبة الأسلحة النووية، لا يبدو أن هناك دفعا جديا في واشنطن. قد يكون ذلك بسبب الشعور المتزايد في وزارة الحرب (البنتاغون) بأن حدود برنامج ستارت الجديدة كانت مقيدة جدا نظرا للحاجة لردع روسيا والصين من خلال ترسانتيهما النوويتين المتناميتين. لذا، يبدو أننا ندخل سباق تسلح نووي ونحن نائمون".
المصدر:
الجزيرة