ساوباولو- بعد شهر على الحدث الذي شكّل منعطفا غير مسبوق في التاريخ السياسي الفنزويلي المعاصر، والمتمثل في اعتقال الرئيس نيكولاس مادورو عقب عملية عسكرية أمريكية خاطفة، لا تزال تداعيات ما جرى تتكشف على المستويات السياسية والعسكرية والاقتصادية.
وبين صمت المؤسسة العسكرية المطبق، والتحولات الحادة في مسار العلاقات مع واشنطن، تبرز أسئلة جوهرية حول طبيعة المرحلة التي دخلتها فنزويلا، وما إذا كانت البلاد تتجه نحو مسار انتقالي مؤقت، أم نحو إعادة رسم دورها وموقعها كمحمية اقتصادية تدار ببراغماتية قسرية تحت إشراف أمريكي مباشر؟
وفي 30 يناير/كانون الثاني 2026، صادقت الجمعية الوطنية الفنزويلية بالإجماع على تعديل جوهري لـ"قانون المحروقات العضوي".
وفي بيان رسمي صدر عن رئاسة البرلمان، وُصف هذا التعديل بأنه "خطوة إستراتيجية لتحديث قطاع الطاقة وجذب الاستثمارات الأجنبية المباشرة لضمان استقرار الإنتاج الوطني".
بيد أن الباحث في علم الاجتماع مويسيس دوران قال للجزيرة نت إن هذا التعديل يفرغ بالكامل الطابع السيادي لأعمال النفط، ويهيئ أكثر الشروط ملاءمة لشركات النفط متعددة الجنسيات على حساب المصالح الوطنية.
ويؤكد دوران أن نظام رودريغيز أدرك أن بقاءه الاقتصادي بات يعتمد بنيويا على الاصطفاف مع الأولويات الأمريكية، مما خلق حالة من التبعية المطلقة تحدد فيها السياسة الاقتصادية وفق مصالح البيت الأبيض.
وعلى صعيد المؤشرات النقدية، أظهرت بيانات البنك المركزي الفنزويلي استقرارا نسبيا لسعر صرف البوليفار (العملة المحلية) عند حدود 450 – 480 بوليفارا للدولار مطلع فبراير/شباط الجاري، وهو ما عزته نائبة الرئيس والقائمة بأعماله، ديلسي رودريغيز، إلى "سياسات الانضباط النقدي الصارمة التي انتهجتها الحكومة الانتقالية".
لكنّ الخبير الاقتصادي مانويل سوذرلاند أوضح للجزيرة نت، أن هذا الاستقرار ناتج عن صفقة قسرية أدت لمضاعفة صادرات النفط الموجهة حصريا لأمريكا 3 مرات.
وأضاف: أصبحت أمريكا الآن هي التي تدير بشكل مباشر كل النفط الذي يخرج من فنزويلا والذي يدخل إليها، كما تدير المدفوعات عبر نظام مقاصة لا يخصص الموارد إلا لشراء السلع والخدمات الأمريكية، وهو ما لم تشهده البلاد منذ الحقبة الاستعمارية الإسبانية.
وشهد الخطاب الرسمي تحوّلا ملحوظا في نبرته ومفرداته؛ فبعد أقل من 24 ساعة على الهجوم، صرّحت رودريغيز في خطاب متلفز عبر قناة التلفزيون الرسمي: "انطلاقا من اختلافاتنا، نمد يدنا للعمل المشترك ضمن أجندة تعاون تضمن الرخاء لشعبينا".
ورأى الباحث دوران أن هذا التحول يختزل الانتقال من الخطاب المعادي للإمبريالية إلى البراغماتية، مع الاستمرار في استخدام شرعية الثورة كغطاء أمني.
من جانبه، أشار أستاذ العلوم السياسية في جامعة سوليا، روبيرتو لوبيز سانشيز، في حديثه للجزيرة نت إلى أن هذا التحول يعكس خضوعا كاملا لإملاءات الرئيس الأمريكي دونالد ترمب، خاصة في ظل غياب أي تقرير رسمي من القوات المسلحة الوطنية البوليفارية يُفسر العجز عن الرد على الهجوم الذي استهدف المقر العسكري الرئيسي ومنظومة الدفاع الجوي.
وفي بيان مقتضب لوزارة الدفاع الفنزويلية، اكتفت بالقول إن القوات المسلحة "تعمل على ضمان النظام العام ودعم المؤسسات الدستورية"، وهو ما اعتبره سانشيز استسلاما دون قتال.
وتحولت العلاقة مع واشنطن من القطيعة التامة إلى وصاية صريحة؛ ففي 31 يناير/ كانون الثاني الماضي، وصلت القائمة بالأعمال الأميركية، لورا دوغو، إلى كاراكاس لإعادة فتح البعثة الدبلوماسية.
وصرّحت وزارة الخارجية الفنزويلية -في بيان رسمي- أن اللقاءات تهدف لـ"تطبيع العلاقات الدبلوماسية وتعزيز قنوات الحوار". إلا أن دوران يكشف أن التفويض الأمريكي يتضمن تنفيذ المراحل الثلاث التي طرحها وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو: الاستقرار، والتعافي الاقتصادي والمصالحة، ثم الانتقال.
ويقول دوران: واشنطن تدير حاليا ثلاثية قوى تتمثل في:
وهو ما يضع حكومة رودريغيز في حالة تبعية بنيوية. فيما يؤكد الخبير سوذرلاند أن أمريكا باتت تحكم البلاد بشكل مباشر عبر مكتب فني يشرف على تنفيذ التعليمات.
وفي 7 يناير/كانون الثاني الماضي، أعلنت شركة النفط الوطنية -في بيان تقني- عن "توسيع الشراكات الإستراتيجية مع الشركات الأمريكية وفق معايير قانونية جديدة تضمن كفاءة التشغيل".
ورأى الأكاديمي سانشيز أن ديلسي رودريغيز تلتزم بجميع متطلبات ترمب في محاولة لكسب الوقت والصمود حتى 2028، محذّرا من أن هذا القبول بالوصاية حوَّل فنزويلا إلى محمية نيوليبرالية استعمارية جديدة، حيث تدار موارد البلاد بقرارات تُتخذ في واشنطن وتنفذ في كاراكاس.
وشكليا، لا تزال السيطرة بيد الكتلة "الشافيزية المادوروية" بعد إعادة تنظيم صفوفها، إذ تقود رودريغيز رئاسة مكلفة لمدة 90 يوما قابلة للتمديد.
وأصدرت المحكمة العليا الفنزويلية بيانا أكدت فيه "الشرعية الدستورية للرئاسة الانتقالية لديلسي رودريغيز"، وهو ما يعتبره دوران تأكيدا على بقاء بنية حكم الأمر الواقع.
ووصف دوران الوضع بأنه استبداد تحت الوصاية، حيث يمتلك البيت الأبيض قدرة تأثير استثنائية عبر إدارة نظام العقوبات كأداة ثواب وعقاب. وتحت هذا الضغط، أطلقت وزارة الداخلية سراح نحو 320 سجينة وسجينا سياسيا.
ويؤكد سوذرلاند أن هذا الانفراج سمح للمثقفين والمطاردين بالخروج من العمل السري، لكنه يحد من قدرة الحكومة على اتخاذ قرارات مستقلة، حيث تشعر السلطة الحالية بقرب انتهاء صلاحيتها إذا ما فُرض عليها مسار انتخابي حقيقي لا تملك فيه أي فرصة للفوز.
وقال سانشيز إن رودريغيز تسيطر على جميع السلطات العامة والأجهزة المكلفة بالقمع الانتقائي، لكنها سيطرة تعمل ضمن الهوامش التي يحددها الطرف الوصي الأمريكي.
وتعيش المعارضة الفنزويلية حالة انقسام حاد إلى 3 كتل رئيسية، وفقا لتحليل مويسيس دوران:
وختم الخبير الاقتصادي سوذرلاند بالتحذير من أن التفاهم المركزي بين القوة الوصية والنخبة السلطوية قد يقصي المجتمع الفنزويلي عن القرارات الأساسية.
فيما رأى الأكاديمي سانشيز أن استعادة الديمقراطية الحقيقية وتفعيل دستور عام 1999 ستعتمد حصرا على حجم الضغط الشعبي والتعبئة المدنية القادرة على فرض إرادة المواطنين، بعيدا عن الصفقات التي تُبرم في الغرف المغلقة والتي تضمن تدفق النفط مقابل الصمت عن جوهر النظام السلطوي القائم.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة