تعالج أطروحة رشيد عاشور مفهوم الدولة المدنية باعتباره أحد المفاهيم المركزية في الفكر السياسي الغربي الحديث، وأحد أهم التحولات المفاهيمية التي أعادت تشكيل تصور السلطة والشرعية والعلاقة بين الحاكم والمحكوم. وتنطلق الأطروحة من رؤية تعتبر الدولة المدنية ليست مجرد جهاز إداري أو قانوني، بل بناءً فلسفيًا وتاريخيًا واجتماعيًا تشكّل عبر قرون من الصراع الفكري والسياسي.
وقد حصل رشيد عاشور على درجة الدكتوراه في العلوم السياسية من جامعة ابن زهر في المغرب عن أطروحته المعنونة: "مفهوم الدولة المدنية في الفكر السياسي الغربي الحديث: دراسة في الأصول الاجتماعية والاقتصادية والسياسية".
وترى الدراسة أن الدولة المدنية نشأت من تفكك النظام الإقطاعي والسلطة الكنسية، ومن صعود الفرد الحديث بوصفه ذاتًا مستقلة تمتلك حقوقًا طبيعية، ومن ظهور فكرة العقد الاجتماعي التي تجعل السلطة السياسية نتاجًا لإرادة بشرية لا تفويضا إلهيا. ومن هذا المنطلق، فإن الدولة المدنية تمثل قطيعة مع أنماط الحكم التقليدية، وتعبّر عن روح الحداثة السياسية القائمة على العقل والقانون والمؤسسات.
تعود الأطروحة إلى عصر النهضة الأوروبية بوصفه لحظة تأسيسية في التحول نحو الدولة الحديثة. ففي هذا العصر، بدأ الفكر السياسي يتحرر من اللاهوت، وبرزت دعوات إلى عقلنة السياسة وإقامة دولة دنيوية مستقلة عن السلطة الدينية.
ويحتل نيكولو مكيافيللي موقعًا مركزيًا في هذا التحول، حيث أسّس لفكرة السياسة الواقعية التي تفصل بين الأخلاق والسياسة، وتؤكد على أهمية القوة والتنظيم والاستقرار في الحكم. وقد أسهمت أفكاره في بناء تصور جديد للدولة بوصفها كيانًا دنيويًا له منطقه الخاص.
ثم تنتقل الأطروحة إلى توماس هوبز الذي صاغ تصورًا تشاؤميًا للطبيعة البشرية، حيث اعتبر أن الإنسان في حالته الطبيعية يعيش في صراع دائم، وأن الدولة تنشأ عبر عقد اجتماعي يمنح الأفراد بموجبه السلطة لحاكم قوي مقابل الأمن. ورغم سلطوية هذا التصور، فإنه أسهم في ترسيخ فكرة الدولة بوصفها نتاجًا لاتفاق بشري
كما تتناول الدراسة أفكار جون لوك الذي أكد الحقوق الطبيعية للفرد، مثل الحق في الحياة والحرية والملكية، ورأى أن السلطة السياسية يجب أن تقوم على رضا المحكومين، وأن للشعب الحق في مقاومة الحاكم إذا انتهك العقد الاجتماعي. وتعدّ أفكار لوك من الأسس الفكرية الليبرالية للدولة المدنية.
وتناقش الأطروحة أفكار جان جاك روسو حول الإرادة العامة والسيادة الشعبية، حيث اعتبر أن الشعب هو مصدر السلطة، وأن الدولة يجب أن تعبّر عن الإرادة العامة لا عن مصالح النخب. كما تعرض نظرية مونتسكيو في فصل السلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية بوصفها آلية مؤسسية لمنع الاستبداد وترسيخ دولة القانون.
تولي الأطروحة اهتمامًا خاصًا للثورات السياسية الكبرى التي جسّدت الأفكار النظرية للدولة المدنية في الواقع السياسي. فالثورة الإنجليزية أسّست لفكرة الملكية الدستورية، حيث قُيّدت سلطة الملك بالدستور والبرلمان. والثورة الأمريكية أعلنت استقلال المستعمرات على أساس حقوق الإنسان والمواطنة، وأسّست لنظام جمهوري قائم على الفصل بين السلطات.
أما الثورة الفرنسية، فتُعدّ في الأطروحة اللحظة التأسيسية الكبرى للدولة المدنية؛ حيث أعلنت مبادئ الحرية والمساواة والأخوة، وألغت الامتيازات الطبقية والدينية، وأقامت نظامًا قانونيًا قائمًا على المواطنة. كما أعلنت سيادة الشعب بوصفها مصدر الشرعية السياسية، وهو تحول جذري في تاريخ الفكر السياسي.
تعرض الأطروحة نظريات العقد الاجتماعي بوصفها الإطار النظري المركزي لفكرة الدولة المدنية. فالعقد الاجتماعي يفترض أن الأفراد يتنازلون عن جزء من حريتهم الطبيعية للدولة مقابل الأمن والنظام. وبذلك تتحول الدولة من سلطة مفروضة بالقوة إلى كيان قائم على اتفاق بين الأفراد.
وترى الدراسة أن فكرة العقد الاجتماعي أسهمت في تحويل مفهوم السلطة من مفهوم شخصي مرتبط بالحاكم إلى مفهوم مؤسسي مرتبط بالقانون والدستور. كما أسهمت في ترسيخ فكرة المساءلة السياسية، حيث يمكن للشعب سحب الشرعية من الحاكم إذا انتهك العقد أو أساء استخدام السلطة.
تخصص الأطروحة حيزًا واسعًا لمفهوم العلمانية بوصفه أحد الشروط البنيوية للدولة المدنية. وتوضح أن العلمانية في الفكر الغربي ليست عداءً للدين، بل تنظيمًا للعلاقة بين المجالين السياسي والديني.
وترى الدراسة أن العلمانية نشأت استجابة لصراعات دينية دامية في أوروبا، حيث أدت الحروب الدينية إلى إدراك ضرورة فصل السلطة السياسية عن الهيمنة الدينية. وبذلك تحولت الدولة إلى إطار محايد يضمن حرية المعتقد لجميع المواطنين دون فرض عقيدة رسمية.
كما تناقش الأطروحة النماذج المختلفة للعلمانية، مثل النموذج الفرنسي الصارم والنموذج الأنغلوسكسوني المرن، مؤكدة أن الدولة المدنية ليست نموذجًا جامدًا بل صيغة تتكيف مع السياقات الثقافية والسياسية.
تولي الأطروحة أهمية مركزية لمفهوم سيادة القانون بوصفه الركيزة الأساسية للدولة المدنية الحديثة. فالدولة المدنية، وفق منظور الدراسة، ليست مجرد سلطة سياسية، بل هي نظام قانوني مؤسسي يخضع فيه الجميع للقانون دون استثناء، بما في ذلك الحاكم نفسه. وهذا التحول يمثل قطيعة جوهرية مع أنماط الحكم التقليدية التي كانت تقوم على الامتيازات الشخصية أو التفويض الإلهي أو السلطة الوراثية المطلقة.
وترى الأطروحة أن سيادة القانون تعني وجود منظومة قانونية عامة ومجردة تُطبَّق على جميع المواطنين، وتُحدّد صلاحيات السلطة وتمنع تعسّفها.
كما تؤكد أن القانون في الدولة المدنية ليس أداة قمع، بل إطارًا تنظيميًا يضمن الحقوق والحريات ويحدّ من الاستبداد. وتناقش الدراسة دور الدساتير المكتوبة في ترسيخ هذا المبدأ، حيث تُعدّ الدساتير وثائق تعاقدية عليا تنظّم العلاقة بين الدولة والمجتمع وتحدّد الحقوق والواجبات.
كما تتناول الأطروحة استقلال القضاء بوصفه شرطًا ضروريًا لسيادة القانون، حيث لا يمكن الحديث عن دولة مدنية دون جهاز قضائي مستقل قادر على الفصل في النزاعات ومحاسبة السلطتين التنفيذية والتشريعية. وتعرض الدراسة تطور فكرة القضاء المستقل في الفكر السياسي الغربي، ودوره في حماية الحقوق المدنية والسياسية
تخصّص الأطروحة مساحة واسعة لنظرية فصل السلطات بوصفها إحدى أهم الإسهامات الفكرية في بناء الدولة المدنية. وتستند في ذلك إلى أطروحات مونتسكيو الذي رأى أن تركيز السلطة في يد جهة واحدة يؤدي حتمًا إلى الاستبداد، وأن توزيعها بين سلطات تشريعية وتنفيذية وقضائية يضمن التوازن والرقابة المتبادلة.
وترى الدراسة أن فصل السلطات ليس مجرد تقسيم وظيفي، بل منظومة رقابية متبادلة تمنع تغوّل أي سلطة على الأخرى. كما تناقش مفهوم الضوابط والتوازنات بوصفه تطورًا لاحقًا لفكرة الفصل؛ حيث تتداخل السلطات في بعض الوظائف لضمان الرقابة المتبادلة ومنع الجمود المؤسسي.
وتؤكد الأطروحة أن هذه البنية المؤسسية تمثل جوهر الدولة المدنية؛ حيث تتحول السلطة من إرادة فردية إلى شبكة مؤسسات قانونية منظمة.
تركّز الأطروحة على مفهوم الحرية الفردية بوصفه أحد القيم المؤسسة للدولة المدنية الحديثة. وتعرض تطور مفهوم الحرية في الفكر السياسي الغربي من الحرية السلبية التي تعني غياب الإكراه، إلى الحرية الإيجابية التي تعني القدرة على الفعل والمشاركة في الشأن العام.
وتناقش الدراسة الحرية السياسية، مثل حرية التعبير والصحافة والتنظيم السياسي، بوصفها شروطًا ضرورية لوجود دولة مدنية ديمقراطية. كما تناقش الحرية الدينية بوصفها أحد نتائج فصل الدين عن الدولة، حيث يضمن النظام المدني حرية الاعتقاد وممارسة الشعائر دون تدخل الدولة.
وترى الأطروحة أن الحرية في الدولة المدنية ليست مطلقة، بل مقيّدة بالقانون وبحقوق الآخرين، وهو ما يحقق التوازن بين حرية الفرد والنظام العام.
تعرض الأطروحة مفهوم المساواة بوصفه أحد مبادئ الدولة المدنية الأساسية، حيث يُفترض أن جميع المواطنين متساوون أمام القانون بغض النظر عن الدين أو العرق أو الطبقة الاجتماعية. وتناقش الدراسة إعلان حقوق الإنسان والمواطن بوصفه نصًا تأسيسيًا للمساواة القانونية في الفكر السياسي الحديث.
لكن الأطروحة تشير أيضًا إلى التناقض بين المساواة القانونية وعدم المساواة الاجتماعية والاقتصادية؛ إذ يرى مفكرون نقديون أن الدولة المدنية حققت مساواة شكلية لكنها لم تحقق عدالة اجتماعية حقيقية. وتناقش الدراسة دور الدولة في تحقيق العدالة الاجتماعية عبر سياسات إعادة التوزيع، والتعليم، والرعاية الصحية، والعمل الاجتماعي.
كما تتناول تطور مفهوم دولة الرفاه الاجتماعي في القرن العشرين بوصفه محاولة لتجاوز حدود الدولة الليبرالية الكلاسيكية وتحقيق حد أدنى من العدالة الاقتصادية والاجتماعية.
تبحث الأطروحة في الديمقراطية باعتبارها آلية ممارسة السلطة داخل إطار الدولة المدنية. وترى أن الديمقراطية ليست مرادفًا للدولة المدنية، لكنها شرطًا أساسيًا لشرعية النظام السياسي المدني.
وتناقش الدراسة الديمقراطية التمثيلية التي تقوم على الانتخابات الدورية والبرلمانات المنتخبة، وتعرض مزاياها في تحقيق الاستقرار السياسي والمشاركة الشعبية. كما تناقش الديمقراطية المباشرة والتشاركية بوصفها نماذج بديلة أو مكملة تسعى إلى توسيع مشاركة المواطنين في صنع القرار.
وتؤكد الأطروحة أن الديمقراطية في الدولة المدنية تتطلب ثقافة سياسية ديمقراطية، ومؤسسات قوية، وإعلامًا حرًا، ومجتمعًا مدنيًا نشطًا، وأن الانتخابات وحدها لا تكفي لضمان الديمقراطية.
تولي الأطروحة اهتمامًا خاصًا لدور الإعلام في الدولة المدنية، حيث ترى أن الإعلام يمثل أحد أعمدة المجال العام الديمقراطي. وتناقش أطروحات هابرماس حول المجال العام بوصفه فضاءً للنقاش العقلاني بين المواطنين، وتعرض تطور هذا المجال مع الصحافة الحديثة ووسائل الإعلام الجماهيرية.
وترى الدراسة أن الإعلام في الدولة المدنية ليس مجرد ناقل للأخبار، بل مؤسسة رقابية تساهم في مساءلة السلطة وكشف الفساد وتشكيل الرأي العام. كما تناقش تحديات الإعلام في العصر الرقمي، حيث تتداخل المعلومات الموثوقة مع الأخبار الزائفة، ما يطرح تحديات جديدة للديمقراطية المدنية.
تعرض الأطروحة مفهوم المجتمع المدني بوصفه شبكة من المؤسسات والجمعيات والنقابات والمنظمات غير الحكومية التي تعمل في الفضاء بين الدولة والسوق. وترى أن المجتمع المدني يمثل عنصرًا حيويًا في الدولة المدنية، حيث يسهم في الدفاع عن الحقوق، وتعبئة المواطنين، وتعزيز المشاركة السياسية.
وتناقش الدراسة تطور مفهوم المجتمع المدني في الفكر السياسي الغربي، من هيغل إلى غرامشي وتوكفيل، وتبرز دوره في ترسيخ الديمقراطية ومنع الاستبداد. كما تشير إلى أن قوة المجتمع المدني مؤشر على مدى رسوخ الدولة المدنية.
تناقش الأطروحة العلاقة بين الدولة المدنية والهوية الوطنية، حيث ترى أن الدولة الحديثة أسهمت في إنتاج مفهوم الأمة بوصفها مجتمعًا سياسيًا متخيّلًا يقوم على اللغة والثقافة والتاريخ المشترك. وتعرض دور التعليم والإعلام والمؤسسات الثقافية في بناء الهوية الوطنية وترسيخ الانتماء السياسي.
كما تشير الدراسة إلى التوتر بين الهوية الوطنية والتعدد الثقافي، حيث تواجه الدولة المدنية تحديات دمج الأقليات الثقافية والدينية ضمن إطار المواطنة المشتركة. وتناقش نماذج متعددة لإدارة التعدد الثقافي، مثل التعددية الثقافية والاندماج المدني.
تؤكد الأطروحة أن مفهوم حقوق الإنسان يمثل الأساس الأخلاقي والقانوني للدولة المدنية. وتعرض تطور هذا المفهوم عبر الإعلان العالمي لحقوق الإنسان والمواثيق الدولية، وتناقش الحقوق المدنية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية.
وترى الدراسة أن الدولة المدنية لا تكتمل دون منظومة حماية حقوق الإنسان، وأن احترام الحقوق يمثل معيارًا رئيسيًا لشرعية النظام السياسي. كما تناقش دور المؤسسات الدولية والمحلية في مراقبة حقوق الإنسان وتعزيزها.
تستعرض الأطروحة الانتقادات التي وُجّهت إلى مفهوم الدولة المدنية في الفكر المعاصر. فالماركسيون يرون أن الدولة المدنية تخدم مصالح الطبقة البرجوازية، وما بعد الحداثيين يشككون في حيادية الدولة ويرون أن السلطة متغلغلة في الخطاب والمعرفة والمؤسسات.
كما تناقش الدراسة الانتقادات المحافظة التي ترى أن الدولة المدنية تهدد القيم الدينية والتقاليد الاجتماعية، والانتقادات الشعبوية التي ترى أن النخب السياسية تهيمن على الدولة المدنية وتهمّش إرادة الشعب.
وترى الأطروحة أن هذه الانتقادات تكشف حدود الدولة المدنية وتناقضاتها، لكنها لا تنفي أهميتها كنموذج لتنظيم السلطة وحماية الحقوق.
تعالج الأطروحة مفهوم الشرعية السياسية بوصفه أحد الأسس النظرية للدولة المدنية الحديثة. ففي النظم التقليدية، كانت الشرعية تُستمد من الدين أو الوراثة الملكية أو القوة العسكرية، أما في الدولة المدنية فتقوم الشرعية على الإرادة الشعبية والقانون والدستور.
وترى الدراسة أن الانتقال من الشرعية التقليدية إلى الشرعية القانونية-العقلانية يمثل أحد أهم التحولات في الحداثة السياسية، حيث تصبح السلطة مشروعة لأنها تستند إلى قواعد قانونية وإجراءات دستورية، وليس لأنها تستند إلى شخص الحاكم أو إرادة إلهية مفترضة. كما تناقش الأطروحة مفهوم العقد الدستوري بوصفه تجسيدًا للعقد الاجتماعي، حيث يمثل الدستور الوثيقة العليا التي تنظّم السلطة وتحدد حدودها.
كما تتناول الدراسة مفهوم الشرعية الديمقراطية، حيث تُكتسب السلطة عبر الانتخابات والمشاركة الشعبية، وتناقش العلاقة بين الشرعية القانونية والشرعية الشعبية، مؤكدة أن الدولة المدنية تحتاج إلى توازن بين الشرعية القانونية والمؤسساتية والشرعية الشعبية.
تخصص الأطروحة جزءًا مهمًا لتحليل البيروقراطية بوصفها أحد مكونات الدولة المدنية الحديثة. فالإدارة العقلانية، وفق تصور ماكس فيبر، تمثل العمود الفقري للدولة الحديثة، حيث تقوم على قواعد مكتوبة، وتسلسل هرمي، وتقسيم وظيفي للعمل.
وترى الدراسة أن البيروقراطية تمثل عقلنة السلطة السياسية، حيث تُدار الدولة عبر مؤسسات وقواعد لا عبر إرادة شخصية. لكنها تشير أيضًا إلى مخاطر البيروقراطية، مثل الجمود الإداري، وتحول الجهاز الإداري إلى سلطة مستقلة عن المجتمع، ما قد يؤدي إلى اغتراب المواطن عن الدولة.
كما تناقش الأطروحة مفهوم الإدارة العامة الحديثة، ودورها في تنفيذ السياسات العامة، وتقديم الخدمات، وضمان فعالية الدولة المدنية في الحياة اليومية للمواطنين.
تناقش الأطروحة دور الدولة المدنية في التنمية الاقتصادية والاجتماعية، حيث ترى أن الدولة الحديثة ليست فقط دولة قانون وسياسة، بل أيضًا دولة تنمية. وتعرض تطور دور الدولة من الحارس الليبرالي للسوق إلى الفاعل التنموي الذي يتدخل في الاقتصاد لتصحيح الاختلالات وتحقيق العدالة الاجتماعية.
وتناقش الدراسة نماذج الدولة التنموية في أوروبا وآسيا، وتبرز دور السياسات العامة في التعليم والصحة والبنية التحتية والبحث العلمي، مؤكدة أن الدولة المدنية لا يمكن أن تكون مجرد إطار قانوني محايد، بل يجب أن تلعب دورًا في تحسين حياة المواطنين.
تبحث الأطروحة موقع الدولة المدنية في النظام الدولي الحديث، حيث ترى أن الدولة الوطنية المدنية تشكّلت في إطار النظام الدولي القائم على سيادة الدول والقانون الدولي. وتناقش تطور مفهوم السيادة من السيادة المطلقة إلى السيادة المقيدة بالقانون الدولي وحقوق الإنسان.
كما تتناول الدراسة دور المنظمات الدولية في التأثير على الدولة المدنية، مثل الأمم المتحدة والمؤسسات الاقتصادية الدولية، وتناقش التوتر بين السيادة الوطنية والعولمة السياسية والاقتصادية.
مبنى الأمم المتحدة (غيتي)تتناول الأطروحة التحولات الثقافية والاجتماعية التي تؤثر على الدولة المدنية، مثل العولمة الثقافية، والهجرة، والتعدد الثقافي، وصعود الهويات الفرعية. وترى أن الدولة المدنية تواجه تحديات إدارة التنوع الثقافي والديني واللغوي ضمن إطار المواطنة المشتركة.
وتناقش الدراسة سياسات الاندماج الثقافي، والتعددية الثقافية، والمواطنة متعددة الهويات، مؤكدة أن الدولة المدنية الحديثة يجب أن تتعامل مع واقع اجتماعي متغير ومتعدد الهويات دون الوقوع في الإقصاء أو التفكيك الاجتماعي.
تخصص الأطروحة جزءًا لتحليل ظاهرة الشعبوية بوصفها تحديًا معاصرًا للدولة المدنية. فالشعبوية، وفق الدراسة، تنشأ من فقدان الثقة في المؤسسات السياسية، ومن شعور المواطنين بالتهميش الاقتصادي والسياسي.
وترى الدراسة أن الشعبوية تهدد المؤسسات الديمقراطية للدولة المدنية عبر التشكيك في النخب والمؤسسات، لكنها في الوقت نفسه تكشف عن أزمات حقيقية في التمثيل السياسي والعدالة الاجتماعية. وتناقش الأطروحة الحاجة إلى إصلاح الدولة المدنية لتعزيز الثقة الشعبية.
تعالج الأطروحة مسألة الأمن في الدولة المدنية، حيث ترى أن احتكار الدولة للعنف المشروع يمثل أحد شروط وجودها، لكنه يجب أن يخضع للرقابة القانونية والدستورية. وتناقش العلاقة بين الأمن والحرية، مؤكدة أن الدولة المدنية يجب أن تحقق توازنًا بين حماية الأمن وضمان الحقوق والحريات.
كما تناقش الدراسة سياسات الأمن الداخلي، والشرطة، والاستخبارات، ودور القضاء في مراقبة السلطة الأمنية، مؤكدة أن الدولة المدنية لا تعني غياب القوة، بل تنظيمها قانونيًا.
تبحث الأطروحة تأثير التكنولوجيا الرقمية على الدولة المدنية، حيث أعادت الرقمنة تشكيل الإدارة العامة، والخدمات الحكومية، والمشاركة السياسية. وتناقش مفهوم الحكومة الإلكترونية، والديمقراطية الرقمية، والمشاركة عبر الإنترنت.
وترى الدراسة أن التكنولوجيا توفر فرصًا لتعزيز الشفافية والمشاركة، لكنها تطرح تحديات تتعلق بالخصوصية، والمراقبة، والسيطرة الرقمية، ما يفرض إعادة التفكير في مفهوم الدولة المدنية في العصر الرقمي.
للتكنولوجيا الرقمية تأثير كبير على الدولة المدنية (الفرنسية)تؤكد الأطروحة أن الدولة المدنية ليست نموذجًا نظريًا خالصًا، بل تجربة تاريخية مليئة بالتناقضات والصراعات. فقد شهدت الدول الغربية صراعات طبقية، وحروبًا أهلية، ونضالات من أجل الحقوق المدنية، ما يدل على أن الدولة المدنية تطورت عبر صراع اجتماعي طويل.
وتناقش الدراسة أمثلة تاريخية لتطور الدولة المدنية في أوروبا والولايات المتحدة، وتبرز كيف تم توسيع حقوق المواطنة تدريجيًا لتشمل العمال والنساء والأقليات، مؤكدة أن الدولة المدنية عملية تاريخية مستمرة وليست حدثًا مكتملًا.
تخصص الأطروحة جزءًا مهمًا لإشكالية نقل نموذج الدولة المدنية إلى العالم غير الغربي. وترى أن الدولة المدنية الغربية نتاج سياق تاريخي وثقافي خاص، وأن استنساخها في سياقات أخرى دون مراعاة الخصوصيات المحلية يؤدي إلى أزمات سياسية وثقافية.
وتناقش الدراسة نماذج الدولة الهجينة التي تجمع بين عناصر مدنية وعناصر تقليدية أو دينية أو سلطوية، وتبرز التحديات التي تواجه المجتمعات غير الغربية في بناء دولة مدنية مستقرة.
تختتم الأطروحة بتحليل مستقبل الدولة المدنية والديمقراطية في ظل التغيرات العالمية. وترى الدراسة أن الديمقراطية تواجه تحديات متعددة، مثل التكنولوجيا، والعولمة، والشعبوية، والأزمات الاقتصادية، لكنها لا تزال النموذج الأكثر شرعية لتنظيم السلطة.
وتؤكد الأطروحة أن مستقبل الدولة المدنية مرتبط بقدرتها على تحقيق التوازن بين الحرية والمساواة، وبين التعدد الثقافي والوحدة الوطنية، وبين الديمقراطية السياسية والعدالة الاجتماعية.
تخلص الأطروحة إلى أن الدولة المدنية ليست مجرد نظام قانوني أو سياسي، بل مشروع حضاري وفلسفي مفتوح للتطور. فهي نتاج قرون من الصراع الفكري والاجتماعي والسياسي، وتظل عرضة للنقد والتطوير والتعديل.
وترى الدراسة أن الدولة المدنية حققت إنجازات كبيرة في حماية الحقوق والحريات، لكنها تواجه تحديات جديدة تتطلب إعادة التفكير في بنيتها ووظائفها. كما تؤكد أن الدولة المدنية ليست نهاية التاريخ السياسي، بل مرحلة في تطور طويل لمفهوم السلطة والشرعية والحكم.
تقدم أطروحة رشيد عاشور قراءة شاملة لمفهوم الدولة المدنية في الفكر السياسي الغربي الحديث، بوصفه نتاجًا لمسار طويل من التحولات الفلسفية والتاريخية والاجتماعية والسياسية. وتعرض الجذور الفكرية للدولة المدنية في نظريات العقد الاجتماعي والتنوير الأوروبي، ودور الثورات السياسية الكبرى في تكريس المواطنة وسيادة الشعب، وأهمية سيادة القانون وفصل السلطات والمؤسسات الدستورية في بناء الدولة الحديثة.
كما تناقش العلاقة بين الدولة المدنية والاقتصاد السياسي، ودور البيروقراطية والتنمية، وتأثير العولمة والتكنولوجيا والتحولات الثقافية، وانتقادات التيارات الماركسية وما بعد الحداثية والشعبوية.
وتخلص الأطروحة إلى أن الدولة المدنية ليست صيغة جامدة، بل مشروع حضاري مفتوح يواجه تحديات متزايدة تتعلق بالديمقراطية والعدالة الاجتماعية والهوية والسيادة في عالم متغير.
________________________
الأطروحة كاملة
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة