قُتل سبعة أشخاص على الأقل بينهم ستة مدنيين اليوم الثلاثاء (السادس من يناير/كانون الثاني 2026) في مدينة حلب في شمال سوريا جراء اشتباكات مستمرة بين القوات الحكومية وقوات سوريا الديمقراطية ، اللتين تبادلتا الاتهامات بالمسؤولية عن اندلاعها، على وقع تعثر المفاوضات بين الطرفين منذ أشهر.
ورغم توقيعهما اتفاقا في مارس/ آذار 2025 نص على دمج مؤسسات الإدارة الذاتية الكردية في إطار الدولة السورية، يخوض الطرفان بين الحين والآخر اشتباكات دامية خصوصا في مدينة حلب، التي تضم حيين تقطنهما غالبية كردية. وتسيطر قوات قسد على حيي الشيخ مقصود والأشرفية والذي تقع على تلة تعطيها الأفضلية للسيطرة على أغلب أحياء مدينة حلب.
من جانبه أكد وزير الدفاع التركي اليوم الثلاثاء أن على جميع الفصائل المسلحة الكردية أن تسلم سلاحها، "بما يشمل سوريا"، وقال الوزير يشار غولر خلال احتفال في أنقرة "على حزب العمال الكردستاني وكل الفصائل المرتبطة به أن توقف فورا أي نشاط إرهابي في كل المناطق حيث هي، بما يشمل سوريا، وأن تسلم سلاحها من دون شروط. (...) لن نسمح لأي تنظيم إرهابي، وخصوصا حزب العمال الكردستاني وحزب الاتحاد الديموقراطي وو حدات حماية الشعب وقوات سوريا الديمقراطية بأن يرسخ وجوده في المنطقة".
واتهمت قوات سوريا الديمقراطية قبل ظهر الثلاثاء " الفصائل المسلحة التابعة لوزارة الدفاع" بأنها "استهدفت بطائرة استطلاع حي الشيخ مقصود" في مدينة حلب، ما أسفر عن "استشهاد مواطن من سكان الحي وإصابة اثنين آخرين بجروح". وفي وقت لاحق، أفادت عن ارتفاع حصيلة القتلى إلى "ثلاثة شهداء بينهم امرأتان" نتيجة "القصف المدفعي والصاروخي العشوائي الذي شنته فصائل حكومة دمشق على أحياء الشيخ مقصود والأشرفية"، وفق ما ذكر بيان قوات سوريا الديموقراطية.
وفي بيان آخر، اتهمت القوات الكردية فصائل منضوية في صفوف الجيش السوري بقصف مدينة دير حافر، الواقعة على بعد نحو خمسين كيلومترا شرق مدينة حلب ، ومحيط سد تشرين الاستراتيجي الواقع شمال شرق حلب "بقذائف الهاون والأسلحة الثقيلة". وأكدت القوات المدعومة أمريكياً أنها "تمتلك حق الرد المشروع على تلك الهجمات، دفاعا عن شعبنا وحفظا لأمن واستقرار مناطقنا".
من جهتها، اتهمت السلطات قوات سوريا الديمقراطية "بخرق جديد للاتفاقات الموقعة مع الحكومة"، في اشارة الى اتفاق مارس/آذار 2025. وأوردت إدارة الإعلام في وزارة الدفاع، وفق تصريحات نقلتها وكالة الأنباء الرسمية "سانا"، أن قوات سوريا الديمقراطية استهدفت "عدة أحياء من مدينة حلب ملاصقة للأحياء التي تسيطر عليها"، ما أوقع "ثلاثة شهداء وأكثر من 12 إصابة في صفوف الأهالي". واتهمتها كذلك باستهداف "موقع للجيش في محيط حي الشيخ مقصود، نتج عنه شهيد وخمسة مصابين" بجروح.
وقالت إن "الجيش استهدف مصادر نيران قسد ومصادر إطلاق طائراتها المسيرة". وأعلنت وزارة الزراعة أن موظفتين في مركز البحوث العلمية التابع لها في عداد القتلى. وأوردت وكالة سانا أن قوات سوريا الديمقراطية "استهدفت بالقذائف" مستشفى في حي بستان الباشا، في حين أوردت محافظة حلب على حسابها على تلغرام أن قذيفة سقطت على البوابة الرئيسية للمستشفى.
وقال مصدر طبي في مشفى الرازي في مدينة حلب لوكالة الأنباء الألمانية (د ب أ): "قتلت سيدتان وطفلة وأصيب أكثر من 15 آخرين بينهم 9 في منطقة الزراعة في حي الميدان جراء سقوط قذائف صاروخية أطلقت قوات قسد المتمركزة في حيي الشيخ مقصود والاشرفية شمال شرق مدينة حلب". وأضاف المصدر أن "جميع الأشخاص الذين وصلوا إلى المشفى هم مدنيون وبينهم طفلان أحدهم عمره ثلاث سنوات وطفلة عمرها اربع سنوات". وقال مصدر في محافظة حلب لـ(د ب أ) "قوات قسد المتمركزة في حيي الأشرفية والشيخ مقصود قامت باستهداف الأحياء المجاورة للحيين بعشرات القذائف تركز أغلبها على أحياء الميدان والخالدية ودوار شيحان واليرمون والعواض والشيخ طه".
وحمل المصدر قوات قسد "مسؤولية التصعيد في المدينة وأنها قامت باستهداف عربة عسكرية تابعة لوزارة الدفاع بطائرة مسيرة انتحارية في شارع الكاستيلو أدى لمقتل عنصر من الدفاع وإصابة ثلاثة اخرين ثم بدأت باستهداف الاحياء المدنية القريبة من حيي الأشرفية والشيخ مقصود".
وقال مصدر في محافظة حلب: "واصلت قوات وزارة الدفاع السورية التصدي لقوات قسد واستهداف المواقع التي يتم إطلاق النار منها وتم تدمير عدد من المواقع التي يتم استهداف أحياء حلب منها كما تم استهداف عدد من الطائرات المسيرة التي أطلقتها قسد". وأكد المصدر جاهزية قوات وزارة الدفاع للتصدي لأي خرق من قبل قوات قسد التي انقلبت على الاتفاق الذي تم في 23 الشهر الماضي والذي ينص على وقف أي تصعيد يستهدف المدنيين".
وقالت وزارة الدفاع السورية في بيان إن قوات سوريا الديمقراطية واصلت "تصعيدها" باستهداف مواقع للجيش ومناطق سكنية في حلب. من جانبها، نفت قوات سوريا الديمقراطية مسؤوليتها عن الهجوم قائلة إن الخسائر البشرية ناجمة عن قصف مدفعي وصاروخي "عشوائي" شنته فصائل متحالفة مع حكومة دمشق.
وقال المرصد السوري لحقوق الإنسان إن القصف تسبب في حالة من الذعر على نطاق واسع بين السكان، خاصة في الأحياء المكتظة بالسكان. من جانبه، قال محمد إبراهيم من محافظة حلب أن المئات من المدنيين نزحوا من الأحياء القريبة من مناطق سيطرة قسد إضافة إلى وجود مئات وربما آلاف العمال في منطقة معامل الليرمون وتوجههم إلى أقاربهم أو إلى أحياء وسط مدينة حلب". وقال إبراهيم لـ(د ب أ): " الآن تعمل كوادر محافظة حلب والدفاع المدني لمساعدة المدنيين الذين نزحوا من الأحياء الشمالية وإيصالهم إلى مناطق أمنة".
لكن المتحدث باسم قوات سوريا الديمقراطية، فرهاد الشامي، قال لـ(د ب أ) إن فصائل مدعومة من الحكومة - بما في ذلك فرقة سليمان شاه (العمشات) وفرقة الحمزة وفصيل السلطان مراد - هي من نفذت الهجمات. وأضاف أن مدنيا واحدا قتل وأصيب اثنان آخران جراء قصف هذه القوات. واتهمت قوات قسد الميليشيات المدعومة من الحكومة، والمتحالفة مع تركيا، بمهاجمة عدة أماكن، من بينها "دير حافر" في ريف حلب، بقذائف الهاون والأسلحة الثقيلة والطائرات المسيرة.
وجاء تجدد الاشتباكات اليوم الثلاثاء بعد يومين من جولة تفاوض جديدة عقدت الأحد في دمشق. وناقشت، وفق الأكراد ، مسألة دمج قواتهم في صفوف الجيش، من دون أن تحقق "نتائج ملموسة"، وفق الإعلام الرسمي.
وليست هذه المرة الأولى يخوض فيها الطرفان اشتباكات دامية. ففي 22 ديسمبر/كانون الأول 2025، اندلعت اشتباكات مماثلة، بعد ساعات من زيارة أجراها وزير الخارجية التركي هاكان فيدان لدمشق، حض خلالها القوات الكردية على "ألا تعود تشكل عائقا أمام وحدة الأراضي السورية واستقرارها على المدى الطويل". وأحصت وزارة الصحة حينها مقتل أربعة مدنيين جراء قصف قوات سوريا الديمقراطية، التي أفادت من جهتها عن مقتل امرأة في القصف الحكومي.
ويتبادل الطرفان منذ أشهر الاتهامات بإفشال الجهود المبذولة لتطبيق الاتفاق الذي وقعه قائد قوات سوريا الديمقراطية مظلوم عبدي والرئيس أحمد الشرع في 10 مارس/ آذار 2025. وكان يُفترض انهاء تطبيق بنوده بنهاية 2025، إلا أن تباينا في وجهات النظر بين الطرفين حال دون إحراز تقدم، رغم ضغوط تقودها واشنطن بشكل رئيسي.
وتسيطر القوات الكردية على مساحات واسعة في شمال وشرق سوريا، تضم أبرز حقول النفط والغاز. وشكلت رأس حربة في قتال تنظيم الدولة الإسلامية وتمكنت من دحره من آخر معاقل سيطرته في البلاد عام 2019 بدعم من التحالف الدولي بقيادة واشنطن.
وإثر الإطاحة بحكم بشار الأسد ، أبدى الأكراد مرونة تجاه السلطة الجديدة، ورفعوا العلم السوري في مناطقهم، إلا أن تمسكهم بنظام حكم لامركزي وبتكريس حقوقهم في الدستور لم يلقَ آذانا مُصغية في دمشق.
ولا تبدي قوات سوريا الديمقراطية رغبة تذكر في التخلي عن الحكم الذاتي الذي تمتعت به بوصفها الحليف الرئيسي للولايات المتحدة خلال الحرب، وهو ما ساعدها على السيطرة على السجون المخصصة لاحتجاز أعضاء تنظيم الدولة الإسلامية وعلى موارد النفط الهائلة.
ومن شأن دمج قوات سوريا الديمقراطية في الجيش رأب أعمق صدع متبقٍ في سوريا لكن عدم تحقيق ذلك ينذر باندلاع مواجهة مسلحة ربما تعيق خروج البلاد من حرب مستمرة منذ 14 عاما وقد تستدرج تركيا أيضا، التي تهدد بمهاجمة المقاتلين الأكراد الذين تصنفهم إرهابيين.
تحرير: خالد سلامة
المصدر:
DW