James Borrell/RBG Kew
فيسبوك (تويتر سابقا) شارك رابط
تم نسخ الرابط

(CNN) -- قد تكون الألقاب التي تُمنح للمحاصيل الزراعية شديدة الإطراء. فالقطن، على سبيل المثال، اشتهر منذ القرن التاسع عشر باسم "الذهب الأبيض"، لكن قلة من المحاصيل حظيت بألقاب تضاهي تلك التي أُطلقت على نبات "الإنسيت"، مثل "شجرة مكافحة الجوع" و"الموز المنشّط" و"محصول العجائب". مع ذلك، إذا كنت تعيش خارج إثيوبيا، فربما لم تسمع بهذا النبات من قبل.

يُعد الإنسيت غذاءً أساسياً لأكثر من 20 مليون شخص في إثيوبيا، لكنه لا يحظى بشهرة عالمية تُذكر مقارنة بالمحاصيل الثلاثة الكبرى، أي الأرز، والقمح، والذرة، التي توفر معاً أكثر من نصف عدد السعرات الحرارية التي يستهلكها سكان العالم.

من بعيد، تبدو نبتة الإنسيت شبيهة بشكل لافت للنظر بنبتة الموز. وكثيراً ما يخطئ الناس في اعتبارها أشجاراً، فكلتاهما في الواقع أعشاب عملاقة ذات سيقان كاذبة تتكون من أغلفة أوراق متداخلة ومتراصة بإحكام، وليست أنسجة خشبية.
James Borrell/RBG Kew

يؤكد الباحث البريطاني جيمس بوريل، المتخصص في علم الأحياء والحفاظ على النباتات، أن الإنسيت من أكثر المحاصيل التي لا تحظى بالتقدير الذي تستحقه، نظراً لقدرتها الكبيرة على التكيف مع البيئات المختلفة.

لم يكن بوريل نفسه قد سمع بالإنسيت قبل أن يبدأ عمله عام 2017 في حدائق كيو النباتية الملكية في غرب لندن. وسرعان ما اكتشف سبب عدم شهرة المحصول عالمياً. إذ أن الإنسيت البري ينمو طبيعياً في عدد من الدول الإفريقية، من السودان شمالاً إلى موزمبيق جنوباً، لكن استخدامه كمحصول غذائي يتركز تقريباً بالكامل في إثيوبيا.

عندما يكتمل نموه، يصل ارتفاع نبات الإنسيت إلى 10 أمتار، أي ما يعادل ضعف حجم نباتات الموز العادية تقريباً.
James Borrell/RBG Kew

حتى داخل إثيوبيا، تقتصر زراعته أساساً بالمرتفعات الجنوبية الغربية، على ارتفاع يتراوح بين 1,500 و3,000 متر فوق سطح البحر. ويبدو النبات للوهلة الأولى كأنه شجرة ضخمة، إذ قد يصل ارتفاعه إلى نحو 10 أمتار، وتنبثق منه أوراق خضراء قد يصل طولها إلى 5 أمتار. لكنه في الحقيقة ليس شجرة، بل نبات عشبي ضخم من فصيلة الموز.

يتكون ما يبدو كجذع من سيقان أوراق متراكبة بإحكام، ويُستخدم هذا الجزء إلى جانب الكورمة، وهي قاعدة لحمية تحت الأرض تشبه الدرنة الكبيرة، لإنتاج الغذاء.

عمل فريق من خبراء البستنة على إيصال نبات "الإنسيت" إلى مرحلة النضج.
James Borrell/RBG Kew

تُسحق هذه الأجزاء وتُمزج بمواد تساعد على التخمر، ثم توضع في حفر تحت الأرض لعدة أشهر، وقد تمتد عملية التخمر إلى عامين. بعد ذلك يُستخدم المزيج لصنع طعام إثيوبي تقليدي يشبه الخبز يُعرف باسم "الكوتشو". كما ينتج عن العملية سائل نشوي يُسمى "البولا"، يمكن تجفيفه وتحويله إلى مسحوق أبيض ثم استخدامه في صناعة العصيدة أو كرات العجين.

أما ثمار الإنسيت الصفراء أو البرتقالية فلا تؤكل. ورغم تشابه النبات مع الموز، إلا أن ثماره مليئة ببذور سوداء صلبة ولا تحتوي على لب صالح للأكل تقريباً. ولذلك يُعرف أيضاً باسم "الموز الكاذب".

لكن مزايا النبات الحقيقية تكمن في إنتاجيته وقدرته على مقاومة الجفاف والأمراض. ويكفي نحو 60 نباتاً من الإنسيت لإطعام أسرة مكونة من 5 أشخاص لمدة عام. كما أنه محصول معمر يمكن أن يعيش وينتج لأكثر من عامين دون الحاجة إلى إعادة زراعته، بخلاف محاصيل رئيسية مثل القمح، والأرز، والذرة التي تنتهي دورة حياتها عادة خلال موسم زراعي واحد.

يقوم مزارعون بدرس القمح في ضواحي مدينة غوندار في إثيوبيا.
Eduardo Soteras/AFP via Getty Images

تشير دراسة لنمذجة نطاق الزراعة نُشرت عام 2021 وشارك بوريل في إعدادها إلى أن الإنسيت قادر على النمو في مساحات واسعة من شرق وجنوب إفريقيا.

بحسب الدراسة، يمكن توسيع المناطق المناسبة لزراعته لما يصل إلى 12 ضعف المساحة الحالية، ما قد يساعد في توفير الغذاء لما يصل إلى 111.5 مليون شخص إضافي في إفريقيا جنوب الصحراء، وهي منطقة تواجه تزايداً في انعدام الأمن الغذائي وسوء التغذية.

يرى الباحثون أن الإنسيت قد ينجح أيضاً في دول أخرى حول العالم تتمتع بمناخ مناسب. وقد أثبتت حدائق كيو ذلك عملياً عندما أزهر النبات هناك للمرة الأولى في أبريل/ نيسان 2023، بعد أربع سنوات من وصوله إلى الحديقة كنبتة صغيرة لا يتجاوز ارتفاعها 30 سنتيمتراً.

لا يوجد إقبال كبير على ثمار نبات الإنسيت ذات البذور.
James Borrell/RBG Kew

لكن السؤال يبقى; لماذا لم ينتشر الإنسيت خارج إثيوبيا كما انتشرت محاصيل مثل الذرة، والأرز، والبطاطا؟

يرجح بوريل أن السبب يعود إلى مجموعة من العوامل التاريخية، والثقافية، والسياسية. إذ أن إثيوبيا تفرض قيوداً صارمة على نقل المواد النباتية إلى الخارج لحماية مواردها الوراثية من الاستغلال أو "القرصنة البيولوجية".

وقد عزز نزاع قانوني عام 2019 حول براءات اختراع مرتبطة بمحصول "التيف" الإثيوبي هذه المخاوف، إذ رأى كثيرون القضية باعتبارها صراعاً على مورد وطني مهم.

كذلك، فإن الأنواع البرية من الإنسيت الموجودة في دول أخرى ليست مناسبة لإنتاج الغذاء مثل الأصناف التي طورتها المجتمعات الإثيوبية على مدى قرون. كما أن نقل المعرفة اللازمة لزراعة النبات ومعالجته ليس أمراً سهلاً، نظرا لأن عملية تحويله إلى غذاء تحتاج إلى خبرة متخصصة.

تتمثل التحديات الأخرى في أن حصاد الإنسيت ومعالجته عملية شاقة بدنياً، وغالباً ما تقوم بها النساء. وتعمل جامعات إثيوبية عدة على تطوير حلول ميكانيكية لتسهيل العمل، لكنها لم تُطبق بعد على نطاق واسع. كما أن مذاق بعض الأطعمة المصنوعة منه، مثل الكوتشو، قد يحتاج إلى الاعتياد.

رغم ضخامة حجمه، فإن مكانة نبات "الإنسيت" على الصعيد العالمي تعد متواضعة نسبياً.
James Borrell/RBG Kew

مع تصاعد تأثيرات تغير المناخ، يرى الباحثون أن تنويع المحاصيل الغذائية أصبح أكثر أهمية. فالاعتماد العالمي على عدد محدود من المحاصيل يجعل الزراعة أكثر عرضة للآفات، والأمراض، والتغيرات البيئية.

يتميز الإنسيت بقدرته على تحمل مجموعة واسعة من الظروف المناخية، ما يجعله مرشحاً مهماً في عالم يتسم بمناخ متزايد التقلب.

لكن المفارقة أن زراعة الإنسيت تتراجع داخل إثيوبيا نفسها. وفي دراسة أُجريت عام 2025 على أكثر من 400 مزارع في جنوب غرب البلاد، قال نحو 60% منهم إن المساحة المخصصة لزراعة الإنسيت انخفضت خلال العقود الأخيرة، كما تراجع استهلاكه داخل الأسر، في ظل توجه بعض المزارعين إلى محاصيل تجارية أكثر ربحية مثل القمح، والذرة، والبطاطا.

لهذا تعمل حدائق "كيو" وشركاؤها على تشجيع المجتمعات المحلية على حماية التنوع الزراعي، ومنها تعويض المزارعين الذين يواصلون زراعة أصناف مهددة من الإنسيت.

يرى بوريل أن الاهتمام الدولي بهذا النبات يمكن أن يساعد في تحسين وسائل زراعته، وزيادة دخل المزارعين، والحفاظ على مورد فريد تمتلك إثيوبيا وحدها خبرة طويلة في استخدامه.