تواجه أوروبا ضغوطا تجارية وسياسية لتأمين احتياجاتها من الغاز الطبيعي، بعد أن أظهرت الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران أن ملف الطاقة لا يزال يمثل نقطة ضعف واضحة لدول الاتحاد الأوروبي، إذ تتعرض الآن لصدمة طاقة ثانية بعد أقل من 4 سنوات على الصدمة التي أعقبت الحرب بين روسيا وأوكرانيا.
وحذر السفير الأمريكي لدى الاتحاد الأوروبي أندرو بوزدير -في مقابلة مع صحيفة فايننشال تايمز البريطانية- من أنه يجب على الاتحاد تطبيق الاتفاق التجاري الذي تم توقيعه مع الولايات المتحدة دون تعديل، وإلا سوف يخسر ما وصفه "بالمعاملة التفضيلية" من قبل مصدري الغاز الطبيعي المسال الأمريكيين.
وكان الرئيس الأمريكي دونالد ترمب ورئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين وقعا الاتفاق في أسكتلندا العام الماضي، لكن تم تأجيل الموافقة عليه من قبل البرلمان الأوروبي نتيجة تهديد ترمب بغزو جزيرة غرينلاند التابعة للدنمارك.
وأكد بوزدر أن جانب الطاقة، في الاتفاقية التجارية بين وشنطن وبروكسل، والتي تم توقيعها في منتجع تيرنبيري للغولف في أسكتلندا، "معرض للخطر" إذا حاول التكتل تعديل أي من الشروط الأخرى لهذه الاتفاقية.
وأضاف أنه "لا يعرف ما الذي يمكن أن يحدث في مجال الطاقة إذا لم يتم تطبيق الاتفاقية كلها"، مؤكدا أن هناك مشترين آخرين للغاز الطبيعي المسال من الولايات المتحدة.
وأوضح بوزدر أن رؤيته للأمر هي أنه يجب على الأوروبيين الالتزام بشراء طاقة بقيمة تريليون دولار من الولايات المتحدة، مشيرا إلى أن "الأمر لم يكن مجرد وعد بشراء هذه الطاقة، بل كان التزاماً ببيعها لهم".
تأتي الضغوط الأمريكية على أوروبا في ملف الطاقة في الوقت الذي توقفت فيه قطر، أكبر منتج للغاز الطبيعي المسال في العالم عن الإنتاج وأعلنت حالة القوة القاهرة بعد استهداف منشآتها لإنتاج الغاز وتوقف الملاحة بمضيق هرمز، مما أدى إلى تراجع المعروض من الغاز الطبيعي في الأسواق العالمية.
وتحصل أوروبا على 10% فقط من احتياجاتها من الغاز المسال عبر الإمدادات من مضيق هرمز، لكن اعتمادها بشكل أساسي على استيراد الغاز لتلبيه احتياجاتها يجعلها عرضة لمخاطر نقص العرض وارتفاع الأسعار، خاصة وأن بعض الدول مثل إيطاليا تعتمد على الغاز القطري في تغطية نحو ثلث احتياجاتها.
وتمكنت الولايات المتحدة في عام 2025 من تغطية نحو 58% من احتياجات دول الاتحاد الأوروبي من الغاز الطبيعي المسال. وإجمالا تغطي الولايات المتحدة نحو 25% من إجمالي الواردات الأوروبية من الغاز الطبيعي، والتي تشمل الغاز الذي يتم نقله عبر الأنابيب إضافة إلى الغاز الطبيعي المسال.
ويتميز الغاز الذي يتم نقله عبر الأنابيب، مثل الغاز القادم من النرويج وروسيا والجزائر لأوروبا، بأنه منخفض التكلفة مقارنة بشحنات الغاز الطبيعي المسال التي يم نقلها من الولايات المتحدة لأوروبا عبر الأطلسي، ويضاف لسعرها تكاليف الشحن والتأمين.
ووفقا لبيانات المفوضية الأوروبية فإن أكبر الدول التي تستورد منها أوروبا الغاز، ما في ذلك إجمالي واردات الغاز عبر الأنابيب والغاز المسال معا، كانت كما يلي في عام 2025، وفق بيانات المفوضية الأوروبية:
وفي السياق نقلت صحيفة وول ستريت جورنال عن كريستوف غرودلر، العضو في البرلمان الأوروبي قوله تعليقا على تصريحات بوزدر "هذا ابتزاز غير مقبول، والرد الوحيد هو إنهاء تبعيتنا".
وكانت رئيسة الوزراء الإيطالية جورجا ميلوني توجهت إلى الجزائر بهدف زيادة واردات روما من الغاز الجزائري عبر خط ترانسميد، وهو ما قام به أيضا وزير الخارجية الإسباني خوزسيه مانويل ألبارس.
لكن صحيفة وول ستريت جورنال أشارت إلى أن قدرة أوروبا على زيادة وارداتها من الغاز الجزائري محدودة لأنها متربطة بقدرات وسعة خطوط الأنابيب، علاوة على الحاجة لمزيد من الاستثمارات لزيادة استكشافات الغاز، وهو ما سوف يستغرق وقتا، مما يعني أن الغاز الأمريكي المسال هو عمليا البديل المتاح أمام أوروبا للغاز الروسي في الوقت الحالي.
وتحتل روسيا حاليا المرتبة الثالثة بين أكبر الدول المصدرة للغاز الطبيعي إلى أوروبا، بعد أن كانت تمد القارة بنحو 40% من احتياجاتها قبل الحرب في أوكرانيا، سواء عبر الأنابيب أو الغاز الطبيعي المسال، وكانت تتصدر قائمة مصدري الطاقة لدول الاتحاد الأوروبي.
غير أن الاتحاد انتهج إستراتيجية مختلفة منذ اندلاع الحرب بين روسيا وأوكرانيا في 22 فبراير/شباط 2022 بهدف تخفيض الاعتماد على الغاز والنفط الروسيين.
وأكدت فون دير لاين بعد نقص إمدادات الغاز والنفط في أعقاب حرب إيران وإغلاق مضيق هرمز أنه لا عودة إلى شراء الغاز الروسي، رغم أنه أقل تكلفة، كما أن الاتحاد يهدف لوقف استيراد هذا الغاز عام 2027.
وفي السياق قال مفوض الطاقة الأوروبي دان يورغنسن لموقع بوليتيكو إن أوروبا لوقت طويل "كانت تمول بشكل غير مباشر روسيا في حربها على أوكرانيا"، مضيفا أن "روسيا كانت تبتز الدول الأعضاء بالاتحاد الأوروبي، واستخدمت الطاقة سلاحا ضدنا".
لكن هناك انقساما في أوروبا تجاه اسيراد الغاز من روسيا، إذ يرفض فيكتور أوربان رئيس وزراء المجر بشدة فرض حظر على شراء الغاز الروسي، نظرا لاعتماد المجر عليه، كما يطالب رئيس وزراء بلجيكا بار دي ويفر بالتفاوض مع موسكو لكي تتمكن أووربا مجددا من الحصول على طاقة منخفضة التكلفة.
ومن جانبها لم تتوقف موسكو عن ممارسة الضغوط على أوروبا في ملف الغاز، وأوضح الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أن بلاده قد تخفض إمدادات الغاز لدول الاتحاد الأوروبي، قبل أن تتوقف عن شرائه، نظرا لوجود مشترين آخرين في الأسواق الناشئة.
ووصف المتحدث باسم الكرملين ديمتري بيسكوف سياسة قادة أوروبا الرامية لحظر استيراد الغاز الروسي بأنها أشبه "بمن يطلق النار على قدميه"، مشيرا إلى أن قادة أوروبا يلحقون الضرر بشعوبهم بهذه السياسة لأنها سوف تحملهم تكاليف أعلى للطاقة، فيما توجد لدى موسكو أسواق بديلة.
وأوضح الخبير الاقتصاد زياد الهاشمي في مقابلة مع الجزيرة نت أن أوروبا غير قادرة على أن تتحرر من الاعتماد على مصادر خارجية للطاقة، لكن كل ما تستطيع القيام به هو التنويع لتقليل المخاطر، علاوة على تخفيض اعتمادها على الوقود الأحفوري والتحول تدريجيا لمصادر طاقة بديلة.
وأكد الهاشمي أن "عصر الغاز الرخيص بالنسبة لأوروبا قد انتهى" بعد الحرب في إيران، إذ سوف يستغرق الأمر فترة لتعود الأوضاع بأسواق الطاقة لما كانت عليه. وعلى سبيل المثال سوف يستغرق الأمر ما بين 3 إلى 5 سنوات لعودة قطر لنفس مستويات الإنتاج قبل الحرب.
وقال الهاشمي إن واشنطن تستخدم الغاز في الوقت الراهن ورقة ضغط في المفاوضات مع أوروبا حول الاتفاقات التجارية وحتى التحالفات السياسية، وتسعى لأن يكون ملف الطاقة الأوروبي خاضعا للسيطرة الأمريكية.
وأضاف الهاشمي أن الولايات المتحدة تريد اتفاقات متكاملة وليس اتفاقات منفردة للغاز مع أوروبا، بمعنى حزمة من الاتفاقات مع الاتحاد الأوروبي، وقبلها كانت هناك تعهدات أوروبية بتوسيع واردات الغاز المسال من الولايات المتحدة.
وعلى الجانب الآخر تراجعت قدرة روسيا على التأثير على إمدادات الطاقة لأوروبا بشكل كبير لكن لاتزال لديها أوراق هامة، وفق الهاشمي، منها تخفيض كمية الغاز المتدفقة عبر الأنابيب لأوروبا، خاصة دول شرق أوروبا، قبل أن تجد مصدرا بديلا، والتحكم في الأسعار وتوقيت تسليم الغاز للضغط على الاتحاد الأوروبي.
وأشار الهاشمي إلى أن من أبرز البدائل أمام أوروبا زيادة الاعتماد على الغاز الطبيعي من الجزائر، التي تمد إيطاليا وإسبانيا بجانب هام من احتياجاتهما، وزيادة الاستثمارات في استكشافات الغاز في الجزائر وليبيا. لكن تبقى أوروبا، وفق قوله، في الوقت الحالي غير قادرة على التخلص من تبعيتها لدول أخرى في ملف الطاقة.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة