آخر الأخبار

كيف تحولت رسوم ترامب من أداة تجارية إلى وسيلة ضغط سياسي؟

شارك

في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي

لم تعد تهديدات الرسوم الجمركية المرتبطة بغرينلاند مجرد فصل إضافي في سجل النزاعات التجارية، بل تحولت إلى نموذج مختلف تمامًا للحروب الاقتصادية. فالمسألة، كما تطرحها تحليلات متقاطعة لصحيفة وول ستريت جورنال والإيكونوميست، لم تعد تتعلق بالعجز التجاري أو بحماية الصناعات المحلية، بل باستخدام القوة الاقتصادية الأميركية لتحقيق هدف سيادي يتمثل في ضمّ إقليم تابع لدولة حليفة.

هذا التحوّل يضع التجارة في قلب صراع جيوسياسي صريح، ويثير تساؤلات حول حدود ما يمكن أن تحققه الأدوات الاقتصادية عندما تصبح بديلا عن الوسائل التقليدية للنفوذ.

تعريفات لغاية غير مسبوقة

بحسب وول ستريت جورنال، فإن تهديد الرئيس الأميركي دونالد ترامب بفرض رسوم بنسبة 10% ترتفع إلى 25% على دول أوروبية تعارض ضمّ غرينلاند يمثل "استخدامًا غير مسبوق للتعريفات ضد حليف، ولغاية استراتيجية لا داخلية".

الصحيفة تشير إلى أن ترامب استخدم الرسوم خلال العام الماضي لتحقيق أهداف اقتصادية واضحة، من تقليص العجز التجاري إلى تشجيع إعادة التصنيع، لكن ربطها هذه المرة بهدف جغرافي يضع العالم أمام نمط جديد من الحروب التجارية، "لا تكون أهدافها تجارية بل جيوسياسية، وقد تشمل ضمّ مزيد من الأراضي".

ويرى كاتب العمود غريغ إيب أن هذا المسار هو "النقطة المنطقية النهائية" لعقيدة ترامب، القائمة على استغلال الحجم الاقتصادي الأميركي لتحقيق أهداف كانت في السابق تتطلب قوة عسكرية.

لماذا الدانمارك؟

وتُبرز وول ستريت جورنال الفجوة الصارخة في القوة الاقتصادية بين الولايات المتحدة والدانمارك، إذ يبلغ الناتج المحلي الأميركي نحو 65 ضعف نظيره الدانماركي، ما يجعل الأخيرة هدفًا مثاليًا للضغط الاقتصادي.

وتقارن الصحيفة ذلك بتجربة ترامب مع الصين، حيث لوّح العام الماضي برسوم تصل إلى 100%، لكنه تراجع مرتين تحت وطأة الرد الصيني.

إعلان

هذا الاختلاف يعكس، وفق التحليل، بحث ترامب الدائم عن "عدم تماثل القوة" الذي يسمح له باستخدام الرسوم من دون الدخول في مواجهة مكلفة.

القيود الداخلية محدودة الأثر

ورغم أن ترامب، بخلاف الصين، يواجه قيودًا داخلية تتمثل في القوانين والكونغرس والمحاكم والرأي العام، ترى وول ستريت جورنال أن هذه القيود "لا تكبله فعليا".

فالكونغرس يحتاج إلى أغلبية الثلثين لتقييد صلاحياته الجمركية، وهو أمر غير متوافر، في حين أن أي حكم محتمل للمحكمة العليا ضد استخدام قانون "الصلاحيات الاقتصادية الطارئة الدولية" قد يُلتف عليه باللجوء إلى تشريعات أخرى.

ويبقى الرأي العام العامل الأكثر حساسية، خصوصا إذا أدت الرسوم إلى رفع التضخم أو الإضرار بالأسواق، كما حدث في أبريل/نيسان الماضي، لكن حتى الآن لا تظهر مؤشرات قوية على كلفة سياسية فورية.

أوروبا تتحمل الكلفة

من زاوية رقمية، تقلل إيكونوميست من الأثر الاقتصادي المباشر للرسوم المقترحة، طالما بقي التصعيد محدودا. ف الاتحاد الأوروبي صدر في الربع الثالث من 2025 ما قيمته 523 مليار يورو (نحو 609 مليارات دولار) إلى الولايات المتحدة، أي ما يعادل 2.8% من ناتجه المحلي.

وتشير تقديرات غولدمان ساكس إلى أن رسما بنسبة 10% سيخفض ناتج الدول الثماني المستهدفة بنسبة تتراوح بين 0.1% و0.2%، وهو ثمن قد تراه هذه الدول مقبولًا مقابل الحفاظ على السيادة.

مصدر الصورة جنود دنماركيون أمام مقر قيادة القيادة القطبية المشتركة في نوك (أسوشيتد برس)

وتستشهد إيكونوميست بدراسة لمعهد كيل تُظهر أن الأميركيين تحمّلوا 96% من كلفة الرسوم الحالية، بينما بقيت أسعار الشركات الأوروبية شبه ثابتة، ما يعني أن أثر الرسوم موزع ولا يرقى إلى مستوى صدمة اقتصادية كبرى.

قطاعات مكشوفة وأخرى محصّنة

ورغم محدودية الأثر الكلي، تحذر إيكونوميست من تفاوت كبير بين القطاعات. فقد تراجعت واردات الولايات المتحدة من المركبات الأوروبية بنسبة 32%، مقابل انخفاض عام بنسبة 17%.

وتعد شركات السيارات التي لا تمتلك مصانع داخل أميركا الأكثر عرضة للمخاطر، مثل "أودي" التي انخفضت مبيعاتها الأميركية 27% في 2025، و"بورشه" التي شهدت تراجع أرباحها التشغيلية بنحو 90%.

في المقابل، تشير تقديرات مورغان ستانلي إلى أن غالبية إيرادات الشركات الأوروبية الكبرى في السوق الأميركية تنتج أو تجمع محليا، ما يخفف من وقع الرسوم.

هل تنجح الحرب الاقتصادية؟

وتشكك وول ستريت جورنال في قدرة الإكراه الاقتصادي على تحقيق أهداف جيوسياسية كبرى. فالتجارب التاريخية، من إيران إلى فنزويلا، تُظهر أن العقوبات الطويلة الأمد نادرا ما تحقق غايات استراتيجية حاسمة من دون أدوات أخرى.

وتذكر الصحيفة بأن الصين خفضت اعتمادها على السوق الأميركية، حيث تراجعت حصة صادراتها إلى الولايات المتحدة من 20% في 2018 إلى 10% بنهاية 2025، فيما نجح الاتحاد الأوروبي في تنويع مصادر الغاز بعد الحرب الروسية الأوكرانية، مقلصا حصة روسيا من 45% في 2021 إلى 19% في 2024.

وفي هذا السياق، ينقل التقرير عن تورستن بينر، مدير معهد السياسة العامة العالمية في برلين، قوله إن نجاح ترامب في غرينلاند قد يفتح الباب أمام مطالب لاحقة: "الشيء التالي قد يكون آيسلندا، أو جزءا من النرويج، أو أي فكرة أخرى تخطر على البال".

إعلان
الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

إقرأ أيضا


حمل تطبيق آخر خبر

آخر الأخبار