احيت سويسرا في يوم 9 يناير ذكرى ضحايا حريق كرانس مونتانا . ولقي 40 شخصا معظمهم من الشباب حتفهم في حانة هناك ليلة رأس السنة وأصيب أكثر من 110 آخرين بجروح بعضها خطيرة.
في اليوم نفسه نشرت مجلة شارلي أبدو الساخرة الفرنسية على صفحتها الأولى رسما للرسام الكاريكاتوري إيريك سالش. يظهر في الرسم اثنان من المتزلجين يبدو أنهما محترقان وملفوفان بالضمادات وهما يتزلجان على منحدر. ويحمل الرسم تعليقا استفزازيا "المحترقون يتزلجون، كوميديا العام".
ويشير الرسم بوضوح إلى كارثة الحريق. تستخدم الصورة بشكل ساخر عنوان الفيلم الكوميدي الفرنسي "السمراوات يتزلجن"، وأثار على الفور جدلا كبيرا.
طالب عضو مجلس النواب عن ولاية فاليه بنجامين رودوي بحظر بيع مجلة شارلي إبدو في سويسرا: "في وقت يكافح فيه الضحايا الصغار من أجل البقاء على قيد الحياة، فإن هذا أمر مثير للاشمئزاز وغير مقبول. إنه انتهاك لكرامة الإنسان. لا أجد الكلمات التي تصف هذه الصورة".
قدمت الكاتبة السويسرية بياتريس ريان وزوجها ستيفان وهو محامٍ شكوى جنائية إلى النيابة العامة. ويحاججون بأن سالش وشارلي إبدو انتهكا المادة 135 من القانون الجنائي السويسري التي تعاقب على إنتاج ونشر صور عنيفة تنتهك كرامة الإنسان بشكل خطير.
وقالت رياند في تصريح لها لمحطة راديو وتلفزيون سويسرا: "أجد هذا الأمر بغيضا للغاية. حرية التعبير لها حدود. إنهم يسخرون من الضحايا. السؤال هو: هل الكرامة الإنسانية لها الأسبقية على حرية التعبير أم لا؟"
ووصف محامي الضحايا جان لوك أدور الدافع وراء هذا الفعل بأنه "مثير للصدمة للغاية وذو ذوق سيئ للغاية"، لكنه لا يعتقد أن الدعوى الجنائية يمكن أن تنجح: "العقوبة يجب أن تأتي من قراء هذه المجلة".
كما أعرب آلاف المستخدمين عن غضبهم على الإنترنت. وردوا على وسائل التواصل الاجتماعي برموز تعبيرية غاضبة. وكتب أحدهم على إنستغرام: "حرية التعبير لا تبرر أي شيء. (...) اخجلوا من أنفسكم، أنتم بائسون". وجاء في تعليق آخر: "عندما دفنتم موتاكم، بكيتم معهم ... وعندما يحزن الآخرون على أطفالهم، تسخرون منهم. يا للعار! أين إنسانيتكم؟".
يشير التعليق إلى الهجوم الإرهابي على المجلة الساخرة الفرنسية في عام 2015. في ذلك الوقت تعرض مكتب تحرير شارلي إبدو لهجوم من قبل إسلامويين، وأطلقوا النار على 12 شخصا من بينهم خمسة رسامين كاريكاتور بارزين من فريق تحرير المجلة والمحررين. كان الساخرون قد أثاروا غضب الإسلامويين لأنهم نقلوا رسوما كاريكاتورية تظهر النبي محمد (ص) من صحيفة دنماركية ونشروها. كان التضامن مع شارلي إبدو كبيرا في أوروبا في ذلك الوقت.
وهكذا نجحت المجلة مرة أخرى في إثارة ضجة كبيرة. ودافع رئيس تحرير المجلة ، جيرار بيار عن الكاريكاتير في برنامج "فوروم" على قناة RTS الإذاعية والتلفزيونية السويسرية الغربية: "بالطبع يمكن أن يكون هذا صادما، لكن السخرية يجب أن تكون صادمة". لا نسخر من الضحايا، بل نظهر عبثية المأساة .
اعترف بيار بأن الرسام "تجاوز الحدود إلى حد ما"، لكنه شدد على أن "الفكاهة السوداء لا يجب أن تكون ممتعة بالضرورة".
يدور النقاش حول السؤال المركزي: هل يجوز للسخرية أن تفعل كل شيء؟ يعرّف قاموس دودن السخرية بأنها "نوع فني (أدب، كاريكاتير، فيلم) يمارس النقد من خلال المبالغة والسخرية والتهكم (اللاذع) على الأشخاص والأحداث ويعرضهم للسخرية ويندد بالأوضاع ويجلدها بروح الدعابة اللاذعة".
إن كون الكاريكاتير يذهب إلى أبعد من اللازم بالنسبة للكثيرين هو هدفه ومغزاه. وقد أشار مؤيدو النهج الساخر المتطرف في الماضي إلى تقليد شارلي إبدو الطويل في تقديم صور استفزازية وكثيرا ما تكسر المحرمات في سياق حرية الصحافة والتعبير. قال رسام الكاريكاتير الفرنسي باتريك لاماسور، رئيس شبكة رسامي الكاريكاتير الصحفيين الدوليين Cartooning for Peace لـ DW العام الماضي بمناسبة الذكرى العاشرة للهجوم على شارلي إبدو: "كل ما أقوله وأفعله يمكن أن يغضب شخصا ما، كل شيء. والحد الوحيد يمكن أن يكون القانون، لأننا جميعا متفقون على القانون".
في غضون ذلك نشرت شارلي إبدو رسما آخر لسالش. هذه المرة مع قناصين يقتلان أعضاء هيئة التحرير. العنوان: "هل يجوز إهانة (تجديف) السويسريين؟" ، "هيئة التحرير تم القضاء عليها بواسطة قناصين".
أعده للعربية: م.أ.م
المصدر:
DW