يمثل الاتفاق التاريخي بين "آبل" و"إنتل" الذي كُشف عنه قبل عدة أيام نقطة تحول مفصلية في تاريخ صناعة أشباه الموصلات، حيث لا يعد مجرد صفقة تجارية بين عملاقين، بل إعادة رسم لخارطة السيادة التقنية العالمية.
فبعد سنوات من حرب الاستقلال التي خاضتها آبل للتخلص من معالجات إنتل، عادت الشركتان للتحالف تحت مظلة "التصنيع التعاقدي"، في خطوة وصفتها التقارير بأنها "زلزال تقني" يعيد تشكيل سلاسل الإمداد.
بدأت جذور هذا التحول في الظهور عقب تقارير نشرتها صحيفة وول ستريت جورنال الأمريكية في 8 مايو/أيار الجاري، مؤكدة أن المفاوضات المكثفة التي استمرت لأكثر من عام أثمرت عن اتفاق أولي تقوم بموجبه إنتل بتصنيع رقاقات صممتها آبل داخل مصانعها.
وهذا التحول لم يأتِ من فراغ، فوفقا لوكالة بلومبيرغ الأمريكية، واجهت آبل تحديات متزايدة في الاعتماد الكلي على شركة تي إس إم سي (TSMC) التايوانية، خاصة مع تعثر توريد معالجات إيه 19 برو (A19 Pro) لأجهزة آيفون 17 نتيجة التزاحم العالمي على قدرات تي إس إم سي التصنيعية من قبل شركات الذكاء الاصطناعي مثل إنفيديا.
ويرتكز الاتفاق بشكل أساسي على عقدة التصنيع المتطورة إنتل 18 إيه-بي (Intel 18A-P) والتي تعادل دقة 1.8 نانومتر، وبحسب تقرير من منصة تيك باور أب (TechPowerUp) الألمانية، تراهن آبل على أن هذه التقنية ستوفر كفاءة في استهلاك الطاقة بنسبة 18% وزيادة في الأداء بنسبة 9% مقارنة بالأجيال الحالية، مما يضع إنتل في منافسة مباشرة مع تقنية الـ 2 نانومتر من تي إس إم سي.
ومن المتوقع أن يبدأ الإنتاج الفعلي للرقاقات الرئيسية (A-Series) بحلول عام 2028، بينما قد تشهد الأعوام القليلة القادمة تعاونا في إنتاج رقاقات ثانوية مثل مودم الاتصالات أو معالجات أجهزة آيباد لضمان استقرار العائد قبل الانتقال للإنتاج الضخم للآيفون.
وتلعب السياسة دورا محوريا في هذا التحالف، إذ تشير تقارير صحيفة تشوسون ديلي (Chosun Daily) التايوانية إلى أن الإدارة الأمريكية، ممثلة بوزير التجارة هوارد لوتنيك، مارست ضغوطا خلف الكواليس لربط آبل بقدرات إنتل التصنيعية المحلية، والهدف هو تأمين "سيادة رقمية" تضمن استمرار إنتاج الأجهزة الحيوية حتى إذا حدثت اضطرابات في جزيرة تايوان.
كما أن استثمار الحكومة الأمريكية المباشر في إنتل حيث تمتلك حصة تصل إلى 10% حاليا، جعل من نجاح إنتل في قطاع التصنيع قضية أمن قومي، وهو ما شجع آبل على تنويع مورديها لتقليل المخاطر الجيوسياسية.
وشهدت أسهم شركة إنتل قفزة دراماتيكية وصلت إلى 240% نتيجة لثقة المستثمرين في تحولها إلى منافس حقيقي لتي إس إم سي التي سيجبرها كسر احتكارها، رغم بقائها المورد الرئيسي لآبل حاليا، على إعادة النظر في إستراتيجيات التسعير وتخصيص السعة الإنتاجية، وفقا للمحللين.
في الوقت ذاته، من المتوقع أن يساهم هذا التنويع في استقرار سلاسل التوريد، مما يقلل من فترات الانتظار عند إطلاق الأجهزة الجديدة ويضمن توفرها عالميا بشكل أسرع.
ويرى خبراء الصناعة والمحللون أن هذا الاتفاق يمثل "نقطة انعطاف" تاريخية تتجاوز مجرد تأمين رقاقات إضافية، فوفقا للمحللين في شركة لينكس إكويتي (Lynx Equity) الكندية، يعد اختيار آبل لشركة إنتل "شهادة ثقة عالمية" تعيد إحياء وحدة التصنيع لدى إنتل بعد سنوات من التشكيك في قدرتها على المنافسة.
فيما يرى الخبراء أن هذا التحالف سيكسر "الاحتكار التايواني" الذي فرضته تي إس إم سي لعقود، مما يخلق توازنا جديدا في السوق يقلل من مخاطر الاعتماد على مورد وحيد في منطقة جيوسياسية مضطربة.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة