آخر الأخبار

بعد منصات الأولمبياد.. لماذا لا يصنع العرب أبطالا عالميين في الملاكمة المحترفة؟

شارك

لم يكن صعود الملاكمين العرب إلى منصات التتويج الأولمبية حدثا عابرا أو وليد صدفة تاريخية، فمنذ تتويج المصري عبد المنعم الجندي ببرونزية أولمبياد 1960، مرورا ببريق حسين سلطاني الذي صنع مجدا أولمبيا للجزائر في ذهبية أتلانتا 1996، وصولا إلى البطلة الجزائرية إيمان خليف التي باتت أول عربية تفوز بذهبية الأولمبياد بتتوجيها في باريس 2024.

التاريخ يحصي أسماء عديدة ساهمت في تشكيل ملامح مدرسة عربية قادرة على إنتاج أبطال يمتلكون الموهبة، والانضباط، والقدرة على المنافسة في أعلى المستويات.

اقرأ أيضا

list of 2 items
* list 1 of 2 رغم كونه موطنا للتماسيح.. منظمو أولمبياد 2032 يتمسكون بموقع منافسات التجديف
* list 2 of 2 شتائم وإهانات.. حملة فرنسية ضد لاعبة جمباز قررت تمثيل الجزائر end of list

هذه النجاحات لم تكن مجرد إنجازات فردية، بل دلائل واضحة على وجود قاعدة رياضية صلبة، وتقاليد تدريبية راسخة، خصوصا في بلدان مثل الجزائر ومصر والمغرب.

غير أن المفارقة الصارخة تكمن في أن هذا التألق غالبا ما يتوقف عند حدود الألعاب الأولمبية، وكأن السقف الزجاجي للملاكم العربي لا يكسر. فبمجرد انتهاء الدورة الأولمبية، يدخل البطل في فراغ قاتل: لا عقود احترافية حقيقية، ولا شركات ترويج تتبناه، ولا مسار واضح يربطه بعالم الملاكمة الاحترافية.

النتيجة أن المسار الطبيعي للملاكم العربي ينكسر عند لحظة كان يفترض أن تكون بداية جديدة. فبدل أن يتحول التتويج الأولمبي إلى بوابة نحو المجد الاحترافي، يصبح في كثير من الأحيان ذروة المسار ونهايته في آن واحد. وهذا ما يقود إلى السؤال الحقيقي: لماذا لا ينجح الملاكم العربي في الاحتراف؟.

الملاكمون العرب المتوجون أولمبيا

على مدار تاريخ الملاكمة الأولمبية، تمكن عدد من الملاكمين العرب من ترك بصمتهم على الحلبة العالمية رغم محدودية الإمكانيات وقلة الاحتراف. هذه الأسماء لم تكن مجرد مشاركات عابرة، بل إنجازات صنعت ذاكرة رياضية عربية في واحدة من أصعب الرياضات الأولمبية يمكن استعراض عدد منهم.

المصري عبد المنعم الجندي

أحرز برونزية أولمبياد روما 1960 في الملاكمة، ليصبح أول ملاكم عربي يصعد إلى منصة التتويج الأولمبية في هذه الرياضة. تميّز بأسلوب يعتمد على السرعة العالية، الحركة المستمرة داخل الحلبة، والقدرة الكبيرة على تفادي الضربات واللعب الذكي أمام خصوم أقوياء.

إعلان

التونسي حبيب قلحية

مصدر الصورة حبيب قلحية أول ملاكم تونسي يحرز ميدالية أولمبية في 1964 (مواقع التواصل)

أحرز برونزية أولمبياد طوكيو 1964 في الملاكمة، ليُعد من أوائل من وضعوا تونس على خريطة الإنجاز الأولمبي في هذه الرياضة. تميّز بأسلوب متوازن يجمع بين الدفاع الصلب والهجوم المدروس، مع قدرة جيدة على قراءة تحركات الخصم داخل الحلبة.

المصري عبد الله مصطفى

أحرز برونزية أولمبياد لوس أنجلوس 1984 في الملاكمة، ليواصل حضور مصر القوي على الساحة الأولمبية في هذه الرياضة. تميّز بأسلوب تكتيكي ذكي، يعتمد على قراءة الخصم بدقة والتحكم في إيقاع النزال، مع تنويع الضربات واستغلال الأخطاء بفعالية.

السوري ناصر الشامي

تُوِّج الشامي بأهم إنجاز في مسيرته خلال دورة الألعاب الأولمبية أثينا 2004، عندما أحرز الميدالية البرونزية في وزن الثقيل، ليصبح بذلك أحد الرياضيين العرب القلائل الذين صعدوا إلى منصات التتويج في هذا المستوى العالمي الرفيع. وقد جاء هذا الإنجاز نتيجة سلسلة من النزالات القوية التي أظهر فيها شخصية قتالية عالية وقدرة على الصمود أمام مدارس ملاكمة مختلفة من أوروبا وآسيا.

مصدر الصورة الملاكم السوري ناصر الشامي (مواقع التواصل)

التونسي فتحي المسعدي

أحرز برونزية أولمبياد لوس أنجلوس 1984، مساهماً في تعزيز حضور الملاكمة التونسية على المستوى الأولمبي. عرف بأسلوب هجومي مباشر وروح قتالية عالية داخل الحلبة، مع جرأة في تبادل الضربات وعدم التراجع أمام الخصم.

المغربي عبد الحق عشيق

تُوّج ببرونزية أولمبياد سيول 1988، ليواصل المغرب حضوره القوي في الملاكمة الأولمبية. اعتمد على السرعة الكبيرة وحركة القدمين الذكية والضربات المباغتة التي تربك الخصوم وتكسر إيقاعهم.

مصدر الصورة الملاكم المغربي عبد الحق عشيق (مواقع التواصل)

الجزائري محمد بن قاسمية

أحرز برونزية أولمبياد برشلونة 1992، وكان من أبرز الملاكمين التقنيين في الجيل الجزائري. تميّز بأسلوب سريع ودقيق يعتمد على جمع النقاط بذكاء والتحكم في مجريات النزال.

الجزائري حسين سلطاني

حقق برونزية أولمبياد برشلونة 1992 ثم ذهبية أولمبياد أتلانتا 1996، ليصبح أفضل ملاكم عربي في تاريخ الأولمبياد. جمع بين التقنية العالية والسيطرة التكتيكية والهدوء تحت الضغط، ما جعله قادراً على فرض أسلوبه على أقوى المنافسين.

الجزائري محمد علالو

أحرز برونزية أولمبياد سيدني 2000، مواصلاً الحضور الجزائري القوي في الملاكمة الأولمبية. تميّز بروح قتالية عالية وإصرار كبير، مع قدرة على العودة في النزال رغم الصعوبات والضغط البدني.

مصدر الصورة الملاكم الجزائري محمد علالو يعتلي منصة التتويج في إحدى بطولات إفريقيا للملاكمة (مواقع التواصل)

الجزائرية إيمان خليف

تُوّجت بذهبية أولمبياد باريس 2024 في الملاكمة، لتصبح من أبرز الأسماء العربية في الملاكمة النسائية على المستوى الأولمبي. تميّزت بأسلوب قوي يعتمد على الحسم، السرعة في الهجوم، والضغط المستمر على الخصم مع قدرة عالية على فرض الإيقاع داخل الحلبة.

صناعة الملاكم المحترف

يعد النظام الاحترافي في الملاكمة بالولايات المتحدة والمكسيك من أكثر النماذج تطورا في العالم، إذ يقوم على منظومة اقتصادية متكاملة تجعل من الملاكمة صناعة قائمة بذاتها وليست مجرد منافسة رياضية فردية.

إعلان

ووفق تقرير صادر عن ستاتيستا (Statista) (2023)، فإن سوق الملاكمة الاحترافية عالميا يقدر بأكثر من 1.8 مليار دولار سنويا، تستحوذ أمريكا الشمالية على الحصة الأكبر منه.

تلعب شركات الترويج مثل "توب رانك" (Top Rank) و"ماتشروم بوكسينغ" دورا محوريا في صناعة النجم الرياضي، حيث تعتمد على نموذج بناء البطل تدريجيا عبر برمجة نزالات تصاعدية في المستوى، إلى جانب توقيع عقود طويلة الأمد تشمل البث والرعاية.

وبحسب دراسة منشورة في "فوربس" (Forbes) (2022)، فإن كبار الملاكمين المحترفين يحققون ما بين 30% إلى 70% من دخلهم من عقود البث والرعاية وليس فقط من جوائز النزالات، ما يعكس قوة البنية التجارية للعبة.

يعمل الملاكم المحترف في هذه الأسواق ضمن منظومة تسويق شاملة، تشمل عقود الدفع مقابل المشاهدة ومنصات البث الرقمي إضافة إلى عقود الرعاية التجارية.

وتشير بيانات "إي إس بي إن" إلى أن بعض النزالات الكبرى مثل نزالات فلويد مايويذر كانت تتجاوز 4 إلى 5 ملايين عمليات شراء مدفوعة، محققة مداخيل تفوق 400 مليون دولار في نزال واحد.

مصدر الصورة من نزال قديم بين الملاكم الأمريكي فلويد مايويذر والفلبيني ماني باكياو عام 2015 (أسوشيتد برس)

هذا النموذج يحول الملاكم إلى "علامة تجارية رياضية" تسوق عالميا، وليس مجرد رياضي داخل الحلبة.

كما تستند الولايات المتحدة والمكسيك إلى قاعدة تدريبية واسعة تشمل مئات الصالات الاحترافية ومئات البطولات المحلية سنويا، خاصة في مدن مثل لاس فيغاس، لوس أنجلوس، ومكسيكو سيتي.

ووفق رابطة الملاكمة العالمية (World Boxing Association – WBA)، فإن أكثر من 60% من الملاكمين المصنفين عالميا يمرون عبر بطولات محلية قبل الوصول إلى الحلبات الكبرى.

كما أن المكسيك تعد من أكثر الدول إنتاجا للملاكمين المحترفين، حيث تظهر بيانات "بوكس ريك" أن المكسيك من بين أعلى 5 دول عالميا من حيث عدد الملاكمين المحترفين النشطين.

ولكن ما سبق ينطبق على الفئة الأكثر نجاحا وليس كل من تحول إلى الاحتراف في عالم الملاكمة ، تشير تقارير متخصصة في قطاع الملاكمة الاحترافية إلى أن متوسط الدخل السنوي للملاكمين المحترفين قد يبقى في مستويات محدودة، حيث يُقدَّر في بعض الحالات بنحو 40 ألف دولار سنويًا، وهو ما يعكس الفجوة الكبيرة بين فئة النجوم البارزين وبقية الملاكمين العاملين في النزالات المحلية أو المتوسطة.

وتُبرز معطيات نقلها موقع "فايت تي في" أن أغلب الملاكمين المحترفين لا يصلون إلى مستويات الدخل المرتفعة، إذ إن الغالبية العظمى من الملاكمين لا يحققون أرباحًا ضخمة من مسيرتهم نسبة محدودة فقط تنجح في الوصول إلى النزالات الكبرى المدفوعة بنظام الدفع مقابل المشاهدة بينما يعتمد باقي الملاكمين على نزالات محلية أو مكافآت مالية محدودة.

العرب.. من الهواية إلى الاحتراف

رغم النجاحات التي حققها الملاكمون العرب على مستوى الهواة، خاصة في الألعاب الأولمبية والبطولات القارية، فإن الانتقال إلى عالم الاحتراف ظل خطوة نادرة وصعبة على معظمهم. فقلة الدعم، وضعف البنية التحتية الاحترافية، وغياب الشركات الراعية المتخصصة، جعلت هذا المسار محفوفًا بالتحديات مقارنة بما هو موجود في مدارس الملاكمة الكبرى.

ومع ذلك، برزت أسماء عربية حاولت كسر هذا الحاجز، وخوض تجربة الاحتراف في بيئات تنافسية صعبة، لكنها اصطدمت بعقبات تنظيمية وإدارية ومالية، جعلت مسيرتها أكثر تعقيدًا من الناحية الرياضية والاقتصادية.

بن قاسمية.. صدام مع الواقع الاحترافي

يعد محمد بن قسمية، الملقب بـ"الصاروخ"، واحدا من الملاكمين العرب القلائل الذين خاضوا تجربة الاحتراف في وقت كانت فيه هذه الخطوة نادرة وصعبة على الرياضيين العرب.

فقد حاول شق طريقه خارج الإطار التقليدي لملاكمة الهواة، لكن مسيرته الاحترافية لم تكن مفروشة بالنجاح فقط، بل واجه خلالها العديد من العقبات الإدارية والتنظيمية التي أثرت على مساره الرياضي.

إعلان

ولد بن قسمية في مدينة بوفاريك بولاية البليدة عام 1970 (وتشير بعض المصادر إلى عام 1973)، وتميز بأسلوب هجومي قوي قائم على الضربات القاضية، ما جعله أحد الملاكمين المعروفين بصلابتهم داخل الحلبة في فئته.

الملاكم محمد بن قسمية الحائز على برونزية أولمبياد برشلونة 1992 (مواقع التواصل)

ورغم هذه الإمكانيات، فقد خاض تجربة احترافية في الولايات المتحدة امتدت لسنتين، سجل خلالها 19 نزالا محترفا، في مرحلة كانت تمثل انتقالا مهما في مسيرته.

غير أن العودة إلى الجزائر لتمثيل المنتخب في البطولة الإفريقية عام 1999 شكلت نقطة تحول، بعد صعوبات في فسخ عقده الأمريكي، رغم تدخل المدرب الفرنسي “جون كريستوف” لتسهيل مشاركته.

وقد توج فعلا بلقب البطولة الإفريقية، لكنه أكد في تصريح نقلته "الشروق الجزائرية" أن تجربته لم تخل من الإحباط، بسبب ما وصفه بوعود غير ملتزم بها من رئيس الاتحادية السابق "بن سالم"، وهو ما ترك أثرا سلبيا على مسيرته على حد قوله.

ورغم هذه التحديات، حقق بن قسمية ألقابا مهمة، أبرزها لقب بطل العالم للوزن الثقيل لمنظمة يو بي أو (Universal Boxing Organization) عام 2012 بعد فوزه على الهنغاري لازلو هوبير، إلى جانب تتويجه بلقب ما بين القارات في الدنمارك، وهو الإنجاز الذي اعتبره من أجمل لحظات مسيرته بعد فوزه بالضربة القاضية خارج أرضه.

وبين إنجازات لافتة وصعوبات تنظيمية، تبقى تجربة بن قسمية نموذجا لمسار ملاكم عربي حاول دخول عالم الاحتراف مبكرا، لكنه اصطدم بتحديات خارج الحلبة لا تقل قسوة عن خصومه داخلها.

حسين سلطاني.. تجربة خجولة

يُعد حسين سلطاني من أبرز رموز الملاكمة العربية والإفريقية، وأحد الأسماء النادرة التي وصلت إلى القمة الأولمبية ثم حاولت عبور عالم الاحتراف، في تجربة تعكس حدود الفجوة بين "المجد الأولمبي" و"صناعة البطل المحترف" في العالم العربي.

ظهوره الدولي الحقيقي بدأ في أولمبياد برشلونة 1992 عندما أحرز الميدالية البرونزية، لكن التحول الحقيقي في مسيرته جاء في أولمبياد أتلانتا 1996، حيث قدّم أداءً استثنائيًا تُوّج على إثره بـ الميدالية الذهبية الأولمبية، وهو الإنجاز الذي جعله أول الملاكمين الجزائريين الذين اعتلوا قمة منصة التتويج الأولمبية في الملاكمة.

هذا التتويج وضعه ضمن نخبة الملاكمين عالميًا في فئته، وفتح أمامه باب الاحتراف. بعد 1996، انتقل إلى فرنسا لخوض تجربة الاحتراف.

الجزائري حسين سلطاني باللباس الأزرق خلال النزال على ذهبية أولمبياد أتلانتا 1996 ضد البلغاري تونتشو تونتشيف (أسوشيتد برس)

هذا الانتقال مثّل قفزة طبيعية، إذ انتقل من نظام يعتمد على النقاط والجولات القصيرة في الهواة إلى نظام احترافي أكثر قسوة يعتمد على الاستمرارية، التحمل الطويل، وإدارة المسار الرياضي تجاريًا وإعلاميًا.

ورغم خبرته الكبيرة كبطل أولمبي، فإن مسيرته الاحترافية بقيت محدودة من حيث عدد النزالات والامتداد الزمني، ولم تتحول إلى مشروع عالمي طويل كما حدث مع بعض نجوم أوروبا وأمريكا اللاتينية.

مسيرة سلطاني في الملاكمة الاحترافية بدأت في 1998 لتنتهي في 2000 معلنا اعتزاله بعد أربع نزالات فقط فاز بها كلها، منها واحدة في الجزائر.

إيمان خليف.. احتراف مؤجل

منذ فوزها بالميدالية الذهبية في فئة وزن الوسط للسيدات في أولمبياد 2024 لم تشارك إيمان في أي منافسات رسمية وظلت موضع جدل بسبب هويتها الجنسية.

الملاكمة قررت لاحقا الدخول إلى عالم النزالات الاحترافية وكان من ⁠المقرر أن تواجه إيمان الملاكمة الألمانية يوليا إيجه في 23 أبريل/نيسان الجاري.

لكن وبسبب تعرض البطلة الجزائرية لإصابة أثناء التدريب تم تأجيل أول نزال احترافي للملاكمة الجزائرية إيمان خليف، حسب ما أعلن منظمون ⁠اليوم الاثنين والذي كان ⁠مقررا هذا الشهر في باريس.

تأجيل أول نزال احترافي للملاكمة الجزائرية إيمان خليف في باريس (غيتي)

وقال المنظمون في بيان إن النزال تأجل بعد أن أظهر فحص طبي أنها تعاني من متلازمة مؤلمة في كتفها الأيسر تسبب لها قيودا وظيفية.

وجاء في البيان "نظرا لشدة الضغوط الميكانيكية الحيوية التي تنطوي عليها الملاكمة عالية المستوى، اعتبر ⁠الفريق الطبي أن حالة ⁠اللاعبة غير مناسبة مؤقتا للمنافسة".

وتقرر تأجيل الحدث بالكامل، الذي كان من المقرر أن يشهد أيضا نزالين على ⁠اثنين من ألقاب رابطة الملاكمة العالمية.

إعلان

وقال المنظم ⁠إبراهيم أسلوم في بيان "تظل ⁠صحة ورفاهية رياضيينا على رأس أولوياتنا".

وقال المنظمون إنهم سيعلنون موعدا جديدا بالتنسيق مع الرابطة وإن حاملي التذاكر للموعد الأصلي سيستردون أموالهم.

ويعكس هذا التأخير جانبًا مهمًا من واقع الملاكمة، حيث لا يرتبط النجاح الأولمبي بالضرورة بالتحول الفوري إلى احتراف ناجح، بل يتطلب ذلك منظومة دعم، وجدولة نزالات، وشبكة ترويج قادرة على تحويل النجاح الرياضي إلى مسار اقتصادي مستدام.

مشاكل تواجه الملاكمة العربية

تتعدد التحديات التي تواجه رياضة الملاكمة في العالم العربي، لكنها تكاد تتشابه في جوهرها من بلد إلى آخر، حيث تتداخل العوامل المالية والإدارية والثقافية لتصنع بيئة غير مستقرة لهذه الرياضة. ففي تقرير سابق لجريدة "ذا ناشيونال"، أشار مهتمون بالملاكمة في الإمارات إلى أن الجهود المبذولة لتطوير اللعبة بين فئة الشباب تصطدم بعوائق حقيقية، أبرزها ضعف التمويل وقلة الوعي المجتمعي بطبيعة هذه الرياضة وتعقيداتها الفنية.

ورغم محاولات اتحاد الإمارات للملاكمة استقطاب المواهب الشابة، من خلال دعم التدريب ونشر اللعبة في المدارس، فإن غياب الرعاة المحليين يظل عقبة مركزية. أحد مسؤولي الاتحاد أوضح أن التجربة السابقة مع شركة تسويق كانت ناجحة في جلب الرعاة، لكن بعد توقفها، أصبح من الصعب إيجاد بديل قادر على دعم البطولات المحلية، مما يحرم الملاكمة من فرص استضافة أسماء دولية ترفع من مستوى المنافسة والاهتمام.

ولا تقف التحديات عند هذا الحد، إذ تعاني المدن الكبرى مثل دبي وأبوظبي والشارقة من نقص الأندية المتخصصة وارتفاع تكاليف الإيجارات، ما يضيق الخناق على الملاكمين.

وفي ظل هذه الظروف، يلجأ البعض إلى التدريب في مناطق بعيدة مثل الفجيرة أو في صالات خاصة، بينما يظل الدعم المالي المقدم -والذي يتراوح بين 10 و40 درهمًا للحصة التدريبية- ضعيفًا ولا يغطي الحد الأدنى من تكاليف الاحتراف.

أزمات هيكلية تُضعف القاعدة

إذا انتقلنا إلى مصر على سبيل المثال، تتخذ الأزمة أبعادًا أكثر تعقيدًا، حيث تتشابك المشاكل الإدارية مع الفنية. فالملاكمة هناك تعاني من ضعف الإمكانيات وغياب التخطيط العلمي، إلى جانب انتشار المحسوبيات والمجاملات التي تؤثر على اختيار المواهب ومسارها.

كما تلقي أحداث الشغب في بعض البطولات المحلية بظلالها على صورة اللعبة، في وقت تتكرر فيه شكاوى سوء التحكيم وغياب العدالة التنافسية.

ويُضاف إلى ذلك نقص الخبرة لدى بعض المدربين، خصوصًا في ما يتعلق بإدارة الأحمال البدنية، ما قد يعرض اللاعبين للإصابات ويحدّ من تطورهم.

كما برزت ظاهرة الأكاديميات الربحية التي تهتم بالعائد المادي أكثر من تطوير اللاعبين، مما يخلق جيلاً يفتقر إلى الأساسيات الصلبة للاحتراف الحقيقي.

بين مجد الهواية وضياع الاحتراف

في المحصلة، لا تبدو المشكلة في قدرة الملاكم العربي على بلوغ القمة، فقد أثبتت المشاركات الأولمبية أن هناك خامات قادرة على التتويج وصناعة الإنجاز. لكن التحدي الحقيقي يكمن في الاستمرارية، وفي تحويل هذا النجاح المؤقت إلى مسار احترافي مستدام.

فالأولمبياد يصنع أبطالًا، لكنه لا يصنع مسيرة، بينما عالم الاحتراف هو الذي يخلّد الأسماء ويحوّلها إلى أساطير. وبين هذين العالمين، يقف الملاكم العربي في منطقة رمادية، يفتقد فيها إلى منظومة متكاملة ترعاه بعد التتويج وتحميه من التلاشي.

لقراءة المقال كاملا إضغط هنا للذهاب إلى الموقع الرسمي
الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

أخبار ذات صلة


الأكثر تداولا أمريكا إيران لبنان اسرائيل

حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا