في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
كانت كرة القدم في زمن ليس ببعيد تقاس بلحظات الإبداع الفردي للاعب ما، بلمسة سحرية من رونالدينيو تجمد دفاع المنافس، أو بمراوغة "مارادونية" تجعل الجماهير تقف احتراما في المدرجات.
أما اليوم، فالمشهد تغير تماما لأن المباريات طغت عليها الصرامة التكتيكية والاعتماد على البيانات الرقمية؛ وأصبح المدربون يفضلون "اللاعب المنضبط" الذي يمرر الكرة بدقة 90% على "اللاعب المبتكر" الذي قد يخاطر بمراوغة استعراضية تؤدي لفقدان الاستحواذ.
كرة القدم في العصر الحالي تفتقد لابتكارات ساحرة قدمها جيل العباقرة مثل زين الدين زيدان بحركة الدوران (روليت) ورونالدينيو بمراوغة إيلاستيكو (Elastico) ورونالدو نازاريو "الظاهرة" بإبداعه في اتقان "المراوغة المزدوجة" (The Stepover).
فهل هناك أزمة لاعبين مهاريين، أم أن كرة القدم الحديثة قررت التضحية بالمهارة والإبداع من أجل النتائج والكفاءة؟
السبب الأول والأساسي لهذا التحول يكمن في فلسفة التدريب الحديثة. المدربون العظماء في العصر الحالي، أمثال بيب غوارديولا، يعتمدون على مبدأ "اللعب المتموضع" (Positional Play). في هذا النظام، يُطلب من اللاعب أن يلتزم بمركزه وتمريره السريع للكرة أهم بكثير من استعراض مهارته.
اللاعب الذي يراوغ كثيرا يُعتبر في نظر التكتيك الحديث "مخاطرة" قد تتسبب في فقدان الكرة وشن مرتدة قاتلة. لقد تحول اللاعب من مبتكر حر إلى "روبوت" ينفذ تعليمات صارمة، مما أدى إلى وأد الموهبة في مهدها لصالح الجماعية الصارمة.
دخول "البيانات الضخمة" (Big Data) إلى عالم كرة القدم غيّر معايير النجاح. الأندية اليوم تدار بعقليات اقتصادية تبحث عن "الناتج المضمون". المحلل التقني لا يهتم بجمال المراوغة بقدر اهتمامه بـ"نسبة التمرير الناجح" أو "المسافة المقطوعة".
اللاعب المهاري، بطبعه، يميل للمخاطرة؛ قد يراوغ ثلاثة لاعبين ويفشل في الرابعة، وهو ما يفسده إحصائياً ويجعله يبدو "غير فعال". هذا الضغط الرقمي أجبر اللاعبين على اختيار الحل الأفضل والأسهل (التمرير للخلف أو العرضي) بدلاً من الابتكار، خوفاً من لغة الأرقام التي لا ترحم، والتي قد تطيح بمستقبلهم الاحترافي.
تاريخياً، لم يتخرج سحرة الكرة من الأكاديميات، بل من الشوارع والأزقة في البرازيل، الأرجنتين، وفرنسا وإيطاليا. هناك، حيث لا توجد خطوط تكتيكية ولا مدربون يصرخون "مرر الكرة" وتراجع إلى الخلف والزم مكانك، تعلم اللاعبون الارتجال. أما الآن، فقد انتقلت الموهبة من الشارع إلى "الأكاديميات المنظمة".
في هذه الأكاديميات، يتم قولبة الطفل منذ سن السابعة على الانضباط والتمركز بدلاً من تعليمهم كيف يبدعون، والنتيجة هي إنتاج جيل من اللاعبين المتشابهين في المهارة، والمفتقرين للشخصية الفنية المستقلة.
لا يمكن إغفال التطور البدني الهائل فالمدافع في الماضي كان يمنح المهاجم مساحة للتفكير قبل اتخاذ القرار، أما الآن، فالضغط العالي (High Pressing) يجعله محاصرا في أقل من ثانية، وحول هذا الموضع يقول كيليان مبابي: "لقد تغيرت كرة القدم" فمنذ بداية القرن، أصبحت اللعبة أكثر بدنية وسرعة، وبات زمن رد فعل اللاعبين محدودا للغاية.
وقد أكد الأسطورة زين الدين زيدان في عام 2023 هذا التحول قائلا: "أعتقد جازما أن الوضع البدني قد تغير كثيرا. في زماننا، كان بإمكان اللاعب أن يكون أقل لياقة بدنية ولم يكن ذلك يمثل مشكلة، كنا نعوض ذلك بمهاراتنا الفنية. أما اليوم، فالأمر أصبح أكثر تعقيدا".
يقول روبير بيريز نجم أرسنال السابق وبطل العالم مع منتخب فرنسا 1998 إن اللاعبين الموهوبين أصبحوا نادرين في الوقت الراهن وتحدث بحسرة على جودة اللعب: "في ديربي مانشستر الأخير، شعرت بالملل. بعض اللاعبين محدودون تقنياً، وإذا قارنت قوائم الكرة الذهبية قديماً بالآن، ستدرك الفارق".
رغم هذا القحط في اللاعبين ذوي المهارات الفردية الساحرة، لا تزال هناك استثناءات تحاول التمرد بحسب تصريحات سابقة للمدرب المخضرم رولان كوربيس الذي توفي في 12 يناير/كانون الثاني 2026: "عندما ترى موناكو مع ألكسندر غولوفين، ومغنيس أكليوش، وإلياس بن صغير، لا يمكنك إنكار موهبتهم التقنية. من الصعب مقارنة الأجيال".
إن اللاعب المهاري في ملاعب العالم، ليس صدفة، بل هو نتيجة لتحول اللعبة إلى صناعة إنتاجية. قد تكون كرة القدم اليوم أكثر عدلاً وتنظيماً، لكنها فقدت جزءاً من سحرها.
كرة القدم اليوم يبدو أنها بحاجة للقيام بمصالحة بين "العقل التكتيكي" و"الخيال الفطري"، لأنها في النهاية هي عرض مسرحي يحتاج دائما إلى "ساحر" يكسر القواعد ويدهش الحضور.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة