قد يكون المريخ القديم أكثر رطوبة ونشاطا جيولوجيا مما توحي به صور سطحه الحالية، إذ كشفت دراسة جديدة عن أدلة على تعرض صخور في فوهة جيزيرو للماء في 3 مراحل مختلفة، إحداها تضمنت مياه جوفية ساخنة دارت في باطن الصخور.
فقد توصل الباحثون إلى هذه النتيجة بعدما حللوا أكثر من 185 هدفا صخريا في منطقة "وحدة الهامش" (Margin Unit) باستخدام أداة سوبركام (SuperCam) على متن المركبة الجوالة بيرسيفيرانس، التي هبطت في جيزيرو في فبراير/شباط 2021 ضمن مهمة أطلقت في يوليو/تموز 2020.
وتكتسب النتيجة أهميتها لأنها تقدم سجلا أكثر تعقيدا للمياه القديمة، وهي معلومات تساعد العلماء على فهم مناخ المريخ وقابليته السابقة لاحتضان الحياة.
عندما وصلت المركبة الجوالة بِرسيفيرانس (Perseverance) إلى وحدة الهامش في سبتمبر/أيلول 2023، كان العلماء يتوقعون العثور على صخور رسوبية تكونت على شاطئ البحيرة القديمة التي كانت تملأ فوهة جيزيرو. لكن المركبة وجدت بدلا منها صخورا نارية تكونت في الأصل من مواد منصهرة في باطن المريخ أو بفعل النشاط البركاني.
ومن خلال قياس تركيب الصخور، أظهرت سوبركام أن الماء ترك بصماته عليها في أوقات مختلفة. وتستطيع الأداة تحليل الصخور عن بعد بإطلاق ليزر عليها من مسافة تصل إلى 6.5 أمتار، ثم دراسة الضوء الناتج لمعرفة تركيبها الكيميائي.
في المرحلة الأولى، تفاعلت مياه جوفية غنية بثاني أكسيد الكربون مع معدن الأوليفين الموجود في الصخور، فتكونت معادن كربوناتية داخل الشقوق. أما المرحلة الثانية، فترتبط على الأرجح بمياه البحيرة القديمة، إذ وجد العلماء السيليكا في صخور كانت تقع تحت مستوى مياه البحيرة.
وتقول إليني رافانيس، عالمة الكواكب في جامعة هاواي في مانوا وأحد مؤلفي الدراسة، إن تحول الأوليفين إلى كربونات يمكن أن يترك السيليكا، وهو ما يفسر زيادة وجودها في الصخور التي كانت مغمورة بالمياه.
أما المرحلة الثالثة فكانت الأكثر إثارة، إذ وجد الباحثون عروقا معدنية يصل سمكها إلى نحو 0.25 متر، تحتوي على كبريتات الكالسيوم والفلوريت في الجزء الشرقي من وحدة الهامش.
ويعد الفلوريت مؤشرا مهما لأنه يتكون عادة عندما تدور مياه ساخنة عبر الصخور البركانية، ما يشير إلى حدوث نشاط مائي حراري تحت سطح المريخ. وتقول كانديس بيدفورد، الباحثة في جامعة بوردو والمؤلفة الرئيسية للدراسة: "المريخ يفاجئك باستمرار"، مشيرة إلى أن ما وجدته المركبة لم يكن مطابقا لما توقعه العلماء من بيانات المدار.
لا يستطيع الباحثون حتى الآن تحديد الزمن الذي وقع فيه كل حدث مائي، لكنهم استطاعوا تحديد ترتيبه: مياه جوفية غنية بثاني أكسيد الكربون أولا، ثم مياه البحيرة أو تغيرات في المياه الجوفية، ثم سوائل حرارية ساخنة في مرحلة لاحقة.
وهذا يجعل وحدة الهامش أشبه بتقاطع بين أنظمة مائية مختلفة، وليس مجرد شاطئ لبحيرة قديمة كما كان متوقعا. وترى بيدفورد أن هذه النتائج قد تساعد في إعادة بناء تاريخ المياه وتغير المناخ وقابلية المريخ المبكر لاحتضان الحياة.
وتزداد أهمية الاكتشاف لأن التفاعلات بين الماء والصخور على الأرض يمكن أن تنتج بيئات مناسبة لبعض الكائنات الدقيقة؛ كما أن الكربونات والسيليكا قادرتان على حفظ مؤشرات من الماضي الجيولوجي والبيئي.
لذلك لا يعني العثور على مياه ساخنة أن الحياة كانت موجودة على المريخ، لكنه يكشف عن بيئات مائية متنوعة تستحق البحث.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة