في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
في عام 1972، جلس العالم الفرنسي فرانسيس بيرين داخل منشأة لمعالجة الوقود النووي في جنوب فرنسا، محدقا في عينة من خام اليورانيوم الطبيعي المستخرج من منجم قديم قرب أوكلو في الغابون بغرب أفريقيا.
كان بيرين أمام تناقض واضح، فهناك قطعة داكنة من الخام لا تتطابق خصائصها مع المواد الطبيعية المعروفة، ما وضعه أمام فرضية بدت أقرب إلى الخيال: هل يمكن أن حضارة سابقة على الأرض قد نجحت في تسخير الطاقة الذرية؟
كان هذا أحد الأسئلة التي ربما راودت بيرين وزملاءه آنذاك، قبل أن يدركوا أنهم أمام أول دليل على مفاعل نووي طبيعي في تاريخ الأرض. فقد كشفت مصادفة طبيعية فريدة عن حدوث تفاعل نووي نشأ وعمل دون أي تدخل بشري في أعماق الأرض، ليقدم اليوم رؤى مهمة حول الطاقة النووية وإدارة النفايات المشعة.
بدأت خيوط هذا اللغز في سبعينيات القرن الماضي مع رصد خلل غير متوقع في خام اليورانيوم، وهو الوقود الأكثر استخداما في المفاعلات النووية. في ذلك الوقت، كانت المعطيات العلمية تؤكد ثبات نسبة النظائر المشعة الثلاثة (يورانيوم-238 ويورانيوم-235 ويورانيوم-234) في اليورانيوم الطبيعي. لكن هذه العينة الغريبة من أوكلو أشارت إلى أمر مختلف تماما.
يوضح الأستاذ بقسم الفيزياء في جامعة خميس مليانة بالجزائر الدكتور صلاح الدين بن تريدي، أن الدليل الدامغ الذي أكد بشكل قاطع وجود مفاعلات نووية انشطارية في منجم أوكلو هو نتائج التحليل الكيميائي والفيزيائي التي أُجريت على عينات من تربة مناطق المفاعلات بعد بضعة أشهر من اكتشاف الظاهرة.
ويضيف في حديثه للجزيرة نت أن "هذه التحاليل أكدت وجود عناصر ونظائر مطابقة كما ونوعا لتلك الموجودة بعينات الوقود النووي المستعمل في مفاعلات الطاقة النووية الحديثة، والتي تنتج عن انشطار اليورانيوم-235".
وكشفت النتائج أن هذه العينات تحتوي على نسبة أقل قليلا من اليورانيوم-235، وهو النظير المسؤول عن حدوث الانشطار النووي. ورغم أن الفارق بدا ضئيلا، فإنه كان كافيا لإثارة الشكوك، خاصة أن كل اليورانيوم الطبيعي -سواء على الأرض أو حتى في صخور القمر والنيازك- يحتوي على النسبة نفسها البالغة 0.720% من هذا النظير. أما هذه العينة، فلم تتجاوز 0.717%.
نظرا لإمكانية استخدام اليورانيوم-235 في تصنيع الأسلحة النووية، كان من الضروري تفسير هذا الجزء المفقود. ووجد بيرين وزملاؤه أنفسهم أمام احتمالين، إما أن الخام تعرض لانشطار صناعي داخل مفاعل نووي، ما أدى إلى استهلاك جزء من اليورانيوم-235، أو أن عملية طبيعية مشابهة قد حدثت في الماضي البعيد، وهو التفسير الذي تبين صحته رغم كونه بالغ الغرابة، فقد استهلك جزء من اليورانيوم-235 في تفاعل انشطاري طبيعي.
وحتى اليوم، تم التعرف على 16 منطقة تفاعل مستقلة داخل موقع أوكلو، الذي يرجع تاريخ تشكله إلى حوالي 2.1 مليار سنة. وقد جرى توصيف عدد منها تفصيليا في الدراسات العلمية. كما تم تحديد منطقتي تفاعل إضافيتين في رواسب أوكيلوبوندو وبانغومبيه القريبة.
بعد مزيد من الدراسات، بما في ذلك الفحوص الميدانية، ثبت أن هذا الخام طبيعي، ومع ذلك خضع لانشطار نووي من تلقاء نفسه. والأكثر إدهاشا أن الباحثين عثروا داخل الخام على آثار واضحة لنواتج الانشطار، وهي بمثابة بصمات واضحة لحدوث عملية انشطار طبيعي قبل أكثر من ملياري عام، أي قبل دهور طويلة من بناء أولى محطات الطاقة النووية التجارية في خمسينيات القرن العشرين.
لم تكن الطاقة الناتجة عن عملية الانشطار ضخمة، إذ بلغ متوسط قدرتها نحو 100 كيلوواط خلال دورة التشغيل، وهو ما يكفي لتشغيل نحو ألف مصباح كهربائي. وعلى سبيل المقارنة، تنتج المفاعلات النووية الحديثة قرابة 1000 ميغاواط، تكفي لتغذية ما يقارب 10 ملايين مصباح.
ورغم هذا الإنتاج المتواضع، فإن ما يثير الدهشة حقا هو أن هذه التفاعلات النووية الطبيعية بدأت عملها تلقائيا في زمن جيولوجي يُعتقد -وفق بن تريدي- أن القارات كانت فيه متراصة على شكل قارة عظمى، تحت عمق يتراوح ما بين 2000 و4000 متر من سطح الأرض، وفي منطقة يمكن اعتبارها على التماس الفاصل بين ما يُعرف اليوم بالقارة الأفريقية (غابون) وقارة أمريكا الجنوبية (البرازيل).
ويشير بن تريدي إلى أن "هذه المفاعلات عايشت عصورا جيولوجية عديدة، ونجت من عوامل الحت والتآكل بفضل موقعها التحت أرضي الذي تطور تحت تأثير حركة الصفائح والاصطدامات التي رفعتها إلى عمق قريب من سطح الأرض ليتم اكتشافها في إطار السباق نحو السيطرة على الموارد الطبيعية الاستراتيجية في تاريخنا الحديث".
لكي يحدث هذا السيناريو الطبيعي النادر، كان لا بد من توافر مجموعة دقيقة من العوامل الجيولوجية والكيميائية. أولها وجود نسبة كافية من اليورانيوم-235 للوصول إلى الكتلة الحرجة، وهو ما كان متوفرا في تلك الحقبة، حين كانت نسبته أعلى مما هي عليه اليوم، وتقارب تلك المستخدمة حاليا في المفاعلات النووية الحديثة.
ويشير بن تريدي إلى توفر عنصر أساسي آخر لاستمرار التفاعل النووي، وهو الماء، الذي كان عاملا أساسيا في تخفيض طاقة النيوترونات الناتجة عن الانشطارات، وبالتالي ارتفاع احتمالات التفاعلات الانشطارية بشكل كبير جدا، ما خلق سلسلة تفاعل انشطارية مُتحكَّم فيها.
ويوضح أن "هذا الماء كان متحركا ونفاذا في الطبقات الحاضنة للمفاعلات، وبالتالي كان يقوم بالتزويد المستمر بجزيئات اليورانيوم لتغذية المفاعلات بوقود نووي جديد، وإن كان ذلك بوتيرة بطيئة ولكن كافية".
وتشير الدراسات إلى أن هذا النشاط لم يكن متواصلا، بل جرى على شكل دورات متقطعة من التشغيل والتوقف يُعتقد أنها تتكرر كل بضع ساعات، على نحو يشبه نشاط الينابيع الحارة، وتتحكم فيها عمليات تسرب الماء وتبخره بشكل طبيعي وعودته بمجرد انخفاض درجة حرارة منطقة التفاعل النووي.
وربما ساهم هذا النمط الدوري في استقرار المفاعلات، إذ لم تُسجل أي حوادث انهيار، واستمرت في العمل باستقرار لفترات قد تصل إلى مليون عام، قبل أن تنطفئ تدريجيا مع نفاد اليورانيوم-235، وكأن الطبيعة نفسها قد سبقت الإنسان بقرون طويلة، وقدمت نموذجا عمليا لكيفية تشغيل مفاعل نووي بأمان واستقرار.
تتشابه هذه الشروط إلى حد بعيد مع تلك التي تقوم عليها المفاعلات الحديثة، حيث تُولَّد الطاقة عندما تنشطر ذرات اليورانيوم (أو البلوتونيوم أحيانا)، مطلقة نيوترونات سريعة. وإذا جرى إبطاء هذه النيوترونات بواسطة مادة مهدئة -غالبا الماء أو الغرافيت- فإنها تحفز ذرات أخرى على الانشطار، لتنشأ سلسلة تفاعلات يمكن التحكم بها وتستمر لفترات طويلة.
بخلاف ذلك، ساعدت الظروف الجيولوجية الخاصة بمنطقة أوكلو في ذلك الزمن السحيق، من حيث تركّز اليورانيوم وسمك الرواسب -على حدوث التفاعل والحفاظ على آثار المفاعل الطبيعي القديم.
اليوم، ورغم وجود رواسب يورانيوم غنية، فإن مثل هذا التفاعل لم يعد ممكنا، كما يقول بن تريدي، لأن النسبة الحالية الطبيعية لليورانيوم الانشطاري منخفضة جدا (0.72%) مقارنة مع التخصيب الأدنى لوقود نووي جيد، وهذا راجع للتناقص السريع للنظير 235 الأكثر قابلية للانشطار مقارنة مع النظير 238. لكن هذه النسبة لم تكن دائما كذلك، فعند نشأة الأرض، كان النظير 235 يشكل أكثر من 30% من إجمالي اليورانيوم.
وفي الغابون، تجمعت هذه الرواسب داخل طبقات من الحجر الرملي البحري، حيث وصلت نسبة اليورانيوم في بعض المواقع إلى ما بين 25% و60%، وهي نسبة كافية لبدء تفاعل نووي طبيعي. وبمرور الزمن، تناقصت النسبة بسبب تحلله الإشعاعي الأسرع مقارنة باليورانيوم-238، الذي يهيمن بنسبة تفوق 99%.
لم يكن المدهش وجود هذه المفاعلات فقط، بل بقاء العديد من نواتج الانشطار الإشعاعية محتجزة بأمان طوال هذه المدة. ويُعزى ذلك إلى استقرار القشرة القارية الإفريقية، وعزل الرواسب عن المياه المؤكسدة. كما لعبت المواد الطينية والكربونية دورا في منع تسرب العناصر المشعة.
لا تقتصر أهمية أوكلو على عمرها السحيق أو بعدها التاريخي فحسب، بل تمتد إلى تطبيقات علمية. إذ يوضح بن تريدي أن "الأدلة المتعلقة بحركة نواتج الانشطار في باطن الأرض توفر معلومات قيمة حول كيفية التخزين الآمن طويل الأمد للنفايات النووية المشعة الناتجة عن استعمال الوقود النووي في المفاعلات الصناعية لإنتاج الطاقة وحتى المفاعلات البحثية".
ويضيف "كنتيجة لعمل هذه المفاعلات حدث تحور معدني للتربة الحاضنة للمفاعلات وما يجاورها، تشكلت على إثرها طبقة من الطين الصلصالي كغلاف منيع ضد هجرة وتنقل أغلب العناصر المشعة الثقيلة من نواتج الانشطار خارج منطقة المفاعلات".
اليوم، تُعد مفاعلات الغابون الطبيعية ظاهرة فريدة لم يُعثر على مثيل لها في أي مكان آخر. ويُرجح أن مفاعلات مماثلة وُجدت في مناطق مختلفة من العالم في ظروف مشابهة، لكنها إما اندثرت بفعل التعرية أو لم تُكتشف بعد.
ولا يستبعد بن تريدي احتمال ذلك بشكل كبير. ويعتقد أن المفاعلات الأخرى قد تكون موجودة تحت عمق أكبر مما تسمح وسائل المسح والاستكشاف بإيجادها واكتشافها.
ورغم مرور ملياري عام، لا تزال عينات من منجم أوكلو محفوظة حتى اليوم، من بينها عينات في مقر شركة أورانو للطاقة في فرنسا، وكذلك في متحف التاريخ الطبيعي في فيينا، حيث يمكن للزوار مشاهدة دليل حي على هذا الحدث الفريد.
والمثير أن هذه العينات تصدر مستويات إشعاع منخفضة نسبيا، وقد يتعرض الشخص الواقف على بُعد سنتيمترات من إحداها لجرعة إشعاعية تعادل تقريبا ما يتعرض له المسافر خلال رحلة جوية طويلة، ما يجعلها آمنة للعرض العام ضمن ضوابط محددة.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة