في الأساطير الرومانية كان المشتري ملك الآلهة وإله السماء والعواصف، ويُقال إنه أخفى سوء سلوكه ذات مرة خلف ستار كثيف من السحب، لكن زوجته جونو (Juno)، ملكة الآلهة، لاحظت الضباب المفاجئ وشكّت في الأمر، فانقضّت من السماء واخترقت الغيوم لتكشف حقيقته.
وبعد آلاف السنين يتكرر المشهد بشكل علمي مذهل، فمركبة "جونو" التابعة للإدارة الوطنية للملاحة الجوية والفضاء الأميركية -المعروفة اختصارا بوكالة ناسا- والتي تحمل الاسم نفسه، حلقت على ارتفاعات منخفضة فوق سحب الكوكب، مخترقة العواصف والأعاصير لكشف أسرار المشتري الدفينة.
وتُظهر صورة حديثة التقطتها المركبة مشهدا أخاذا للسحب الجنوبية للكوكب العملاق، حيث تتفكك الأحزمة والنطاقات الدائرية المنتظمة قرب خط الاستواء إلى دوامات عاصفية هائلة بحجم القارات، في مشهد يؤكد أن المشتري أكثر اضطرابا وتشابكا مما تصوّره العلماء سابقا.
ومنذ وصولها إلى مدار المشتري عام 2016، أصبحت جونو أول مركبة تدور على مقربة غير مسبوقة من هذا العالم الغازي، في مهمة يقودها مختبر الدفع النفاث التابع لناسا (JPL) بالتعاون مع معهد أبحاث الجنوب الغربي (SwRI). وتهدف المهمة إلى فهم أصل المشتري وتطوره، ودوره في تشكّل المجموعة الشمسية، وما يمكن أن تخبرنا به الكواكب العملاقة عن الأنظمة الكوكبية في أنحاء الكون.
وقد غيّرت اكتشافات جونو جذريا نظرة العلماء إلى داخل المشتري وغلافه الجوي؛ إذ كشفت أن مجاله المغناطيسي ليس ثنائي القطب وليس بسيطا كالأرض، بل هو شبكة معقّدة متعددة الأقطاب، وأشد تشابكا في نصفه الشمالي.
كما أظهرت القياسات الراديوية أن بنية الغلاف الجوي تمتد عميقا إلى مئات الكيلومترات أسفل السحب المرئية، مما يعني أن العواصف التي نراها ليست سوى قشرة رقيقة لنظام داخلي بالغ التعقيد.
وتواصل جونو دورانها في مدار إهليلجي متكرر، تقترب فيه من المشتري مرة كل شهر تقريبا، مستكشفة في كل مرور قطاعا جديدا من الكوكب. وكما فعلت جونو الأسطورية حين كشفت حقيقة إله العواصف، تواصل جونو الحديثة تفكيك ألغاز عملاق المجموعة الشمسية، مُحدثة ثورة في فهمنا للمشتري، ولتاريخ تشكّل الكواكب، وللقصة الكبرى لنشأة نظامنا الشمسي.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة