اتفاق مكة من البيان إلى الميدان.. خبراء عرب يشرحون
في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
مصدر الصورة
اتفاق مكة من البيان إلى الميدان.. خبراء عرب يشرحون
عمرو حلمى: الانتقال من التنسيق السياسي إلى ترتيبات عسكرية ميدانية يمثل أهم اختبار فعلي لحلف مكة
فاضل: الحلف استلهم اتفاقية حلف شمال الأطلنطى (الناتو) للدفاع ضد أى هجوم عسكرى
التحالف كيانًا مؤسسيًا دائمًا، يهدف لتحيق الردع الجماعى
الشريف: تعزيز الردع وحماية السعودية من اى عدوان خارجى
الجزائرالٱن _ يبدو أن «حلف مكة المكرمة للدفاع المشترك»، الذي يضم السعودية وباكستان وتركيا، قد انتقل إلى مرحلة جديدة مع قرار الدول الثلاث البدء في تنفيذ التزاماتها الدفاعية ونشر القوات والقدرات العسكرية المتفق عليها في المملكة العربية السعودية.
حيث رآها الخبراء خطوة تنقل الاتفاق من مستوى التنسيق السياسي إلى أرض الواقع، دفاعاً عن السعودية ضد هجمات القصف التي تتعرض لها مدنها من الحوثيين في اليمن.
كيف يقرأ الخبراء هذا التطور وهذا الاتفاق؟
من اتفاق سياسي إلى قوة ردع حقيقية
في البداية، يقول السفير عمرو حلمي، مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق والكاتب السياسي المعروف للجزائرالٱن: «يمكن قراءة هذه الخطوة باعتبارها انتقالاً من دبلوماسية الدفاع المشترك إلى اختبار القدرة على تحويل الالتزام السياسي إلى قوة ردع فعلية.
والاختبار الحقيقي خلال المرحلة المقبلة لن يكون في عدد القوات التي سيتم نشرها، وإنما في مدى قدرتها على العمل بصورة منسقة، وسرعة اتخاذ القرار، ووضوح قواعد التدخل، ومدى استعداد الدول الثلاث لتحمل كلفة الدفاع المشترك إذا تعرضت إحدى دول الحلف لهجوم فعلي».
والأهم في تقدير السفير عمرو حلمي هو الرسالة الاستراتيجية التي تحملها هذه الخطوة؛ فالسعودية تسعى إلى توسيع خياراتها الأمنية وعدم الاعتماد على مظلة واحدة، بينما تمتلك تركيا قاعدة صناعية وعسكرية متقدمة.
وتملك باكستان جيشاً كبيراً وقدرات عسكرية استراتيجية..
والجمع بين هذه العناصر الثلاثة يخلق شبكة ردع ذات امتداد جغرافي واسع، من الخليج والبحر الأحمر إلى شرق المتوسط وجنوب آسيا.
ويضيف: «كما أن توقيت تفعيل الاتفاق يرتبط بالتطورات الأمنية الأخيرة في المنطقة، ولا سيما الهجمات التي تعرضت لها السعودية والتهديدات التي طالت خطوط الملاحة.
وقد أكدت الدول الثلاث أخيراً ضرورة تسريع المشاورات العسكرية وتفعيل آليات الاتفاق».
اختبار فعلي لحلف مكة
ويرى عمرو حلمي، مساعد وزير الخارجية الأسبق، أن الانتقال من التنسيق السياسي إلى ترتيبات عسكرية ميدانية يمثل أهم اختبار فعلي لحلف مكة؛ لأنه يحوّل الاتفاق من إعلان سياسي إلى قدرة ردع يمكن قياسها على الأرض.
فالاتفاق الموقَّع في أوت ينص على أن أي هجوم مسلح على إحدى الدول الثلاث يُعد هجوماً عليها جميعاً، بينما بدأت بالفعل آليات إنشاء اللجان والأمانة العامة والتنسيق بين وزراء الدفاع ورؤساء الأركان.
مصداقية عملية
ويشدد عمرو حلمي بالقول إن أهمية نشر القوات والقدرات العسكرية في السعودية تحديداً تتمثل في إعطاء مبدأ الدفاع المشترك مصداقية عملية.
فوجود قوات تركية وباكستانية إلى جانب القوات السعودية -إذا تأكد اتخاذه شكلاً منظماً- يعني أن أي تهديد للمملكة لن يُنظر إليه باعتباره شأناً سعودياً منفرداً، وإنما باعتباره اختباراً للالتزام الجماعي للدول الثلاث..
وهذا يرفع كلفة أي عمل عسكري يستهدف السعودية، ويعزز مفهوم الردع المشترك.
من جانبه، يقول السفير أحمد فاضل يعقوب، مساعد وزير الخارجية السابق للجزائرالٱن: «إن اتفاق مكة للدفاع المشترك يستلهم نص المادة الخامسة الواردة في اتفاقية حلف شمال الأطلسي (الناتو).
التي تعتبر أن أي هجوم عسكري ضد أي دولة عضو هو هجوم عليها جميعاً، وهو ما يعني تحالفاً عسكرياً واضحاً.
كما أن إنشاء سكرتارية عامة دائمة مقرها السعودية على غرار سكرتارية حلف الناتو في بروكسل، وإنشاء مجلس وزاري يجتمع دورياً (بحسب وكالة رويترز)، يجعل من هذا التحالف كياناً مؤسسياً دائمًا.
يهدف إلى تحقيق الردع الجماعي ضد أي عدوان على الدول الثلاث وليس الهجوم، بالإضافة إلى دفع كل أوجه التعاون العسكري بينها، في ضوء المصالح الاستراتيجية المشتركة، والتضامن الإسلامي، والتعاون الدفاعي القائم بينها منذ سنوات».
تحالف ضد إيران أم إسرائيل؟
وفي تقدير السفير أحمد فاضل، فإن التحالف الثلاثي ليس موجهاً ضد إيران بالأساس، بل هو موجه ضد إسرائيل في محاولة لتشكيل جبهة ردع أمامها، وإن كان في مضمونه كذلك رسالة غير مباشرة قد تتجه ضد بعض حلفاء إيران في المنطقة، وخاصة الحوثيين في اليمن والميليشيات في العراق، وإن كانت الرسالة الرئيسية موجهة لإسرائيل. وذلك للأسباب والدوافع التالية:
الموقف الباكستاني والتوازن الإقليمي: رغم وجود التحالف الثنائي بين السعودية وباكستان أثناء الهجمات الإيرانية على القواعد الأمريكية في بعض دول الخليج ومنها السعودية.
خلال الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران والتي شُنَّت في 28 فيفري 2026، فلم تتدخل باكستان أو تشارك في أي عمليات عسكرية ضد إيران دفاعاً عن السعودية.
بل على العكس من ذلك، قادت باكستان بالتنسيق مع مصر وتركيا والسعودية جهود الوساطة الدائمة لوقف الحرب على إيران.
والتي أسفرت عن توقيع «مذكرة إسلام آباد للتفاهم» بين إيران والولايات المتحدة في 17 يونيو 2026.
فلا يمكن أن يقبل الرأي العام الباكستاني -وبينهم المكون الشيعي- الاشتراك في أي عمليات عسكرية هجومية ضد إيران الجارة، وهو ما ينطبق كذلك على التحالف الثلاثي.
وقد أكد هذا الموقف بوضوح وزير الدفاع الباكستاني، خواجة آصف، في اليوم التالي لتوقيع التحالف الثلاثي؛ حيث صرح بأنه يجب أن تكون هناك جبهة عسكرية موحدة ضد إسرائيل.
واصفاً إياها بأنها تهديد للعالم الإسلامي بأكمله، وأضاف أنه ما دامت القضية الفلسطينية لم تُحل بشكل دائم، فإن العالم الإسلامي يجب أن يقف موحداً أمام إسرائيل.
وضع إيران العسكري والاقتصادي: بالرغم من النصر الاستراتيجي الذي حققته إيران في الحرب الأمريكية الإسرائيلية عليها، ونجاحها في تحقيق أغلب مطالبها في مذكرة التفاهم مع الولايات المتحدة.
وما يبدو من استعادة قدرتها على تحقيق قدر من السيطرة على مضيق هرمز وإدارته في إطار الاتفاق الجاري إعداده مع سلطنة عمان.
إلا أنها بلا شك أصبحت منهكة عسكرياً واقتصادياً.
ولا يُتصور أن تشكل مستقبلاً أي تهديد لدول الخليج وعلى رأسها السعودية، بل من المرجح أن تسعى -حسب التصريحات المتعددة لمسؤوليها- لوضع منظومة للأمن الإقليمي مع كل دول الخليج والعراق تقوم على مبدأ عدم الاعتداء، وهو ما قد يكون في مصلحة الجميع.
اهتزاز أسس الأمن الإقليمي التقليدية: أدت الحرب على إيران إلى عدة نتائج على مستوى الأمن الإقليمي هزت أسسه التقليدية السابقة المعتمدة حصرياً على الولايات المتحدة؛ حيث اتضح لدول الخليج ما يلي:
لم تجلب القواعد والتسهيلات الأمريكية الأمن المأمول لدول الخليج، رغم استثمارها مليارات الدولارات عسكرياً بشراء السلاح الأمريكي وفي تكلفة هذه القواعد، واقتصادياً بالاستثمار في الشركات الأمريكية وبنوكها؛ بل على العكس من ذلك.
أصبحت هذه القواعد عنصر تهديد ومخاطرة لها بسبب الضربات التي نجحت إيران في توجيهها واختراق وسائل الحماية من صواريخ اعتراضية وغيرها.
تولدت شكوك لدى دول الخليج في مدى احترام الولايات المتحدة لتعهداتها الأمنية المرتبطة بهذه القواعد.
فكما لم يطلع ترامب حلفاءه الأوروبيين على نواياه بالحرب على إيران، فهل أطلع شركاءه الخليجيين؟
ويضيف فاضل أنه يبدو أن دول الخليج، وعلى رأسها المملكة، قد استشعرت أن الأولوية لدى الولايات المتحدة، حتى أثناء الحرب وسير العمليات هجوماً ودفاعاً، كانت لأمن إسرائيل بالأساس.
العجز والتماهي الأمريكي مع إسرائيل: ظهر جلياً أمام دول المنطقة ومعها تركيا وباكستان أن السياسة الأمريكية إما متماهية مع إسرائيل أو عاجزة عن فرض حلحلة أو تغيير في السياسة الإسرائيلية والتوسعية على دول المنطقة.
سواء في غزة أو لبنان أو سوريا.
كما أن الآلة العسكرية الإسرائيلية أصبحت لها ذراع طويلة وصلت إلى إيران عابرةً أجواء عدة دول عربية، كما سبق أن وجهت ضربة في قلب قطر للمرة الأولى.
العلاقات الطيبة مع إيران: ترتبط كل من باكستان وتركيا بعلاقات صداقة ومصالح مشتركة قوية مع إيران، وليس لديهما أي مبرر للعداء معها.
كما أن إيران نفسها كان ردها الرسمي على هذا التحالف بأنه ليس موجهاً ضدها.
تطور مهم في بنية الأمن الإقليمي
يقول الباحث محمد فتحي الشريف للجزائرالٱن، رئيس مركز العرب للأبحاث والدراسات: «إن انتقال حلف مكة للدفاع المشترك من مرحلة التنسيق السياسي إلى التنفيذ العملي يمثل تطوراً مهماً في بنية الأمن الإقليمي.
لأنه ينقل الالتزام بالدفاع المشترك من الإطار السياسي إلى ترتيبات عسكرية فعلية، بعد قرار السعودية وتركيا وباكستان اتخاذ إجراءات لتوفير القوات والقدرات المتفق عليها وتسريع نشرها داخل المملكة».
وأضاف الشريف أن أهمية هذه الخطوة لا ترتبط فقط بحجم القوات التي ستشارك -وهو أمر لم تحدده الدول الثلاث حتى الآن-.
وإنما بإنشاء آلية دفاع جماعي أكثر وضوحاً يمكن أن تعزز قدرات السعودية في حماية المجال الجوي والمنشآت الحيوية والبنية التحتية، وتوفر لها مساحة أكبر لإعادة توزيع قواتها وفق طبيعة التهديدات القائمة.
وفي الوقت نفسه، فإن دخول تركيا وباكستان في ترتيبات عسكرية مباشرة يضع الحلف أمام اختبار حقيقي يتعلق بمدى قدرته على تنسيق القوات والقيادات وتبادل المعلومات والعمل ضمن منظومة واحدة.
وأكد الشريف أن «حلف مكة» يواجه بذلك أول اختبار حقيقي لقدرته على تحويل مفهوم الأمن الجماعي إلى واقع ميداني.
مشيراً إلى أن نجاح التجربة لن يُقاس فقط بوصول القوات، وإنما بقدرة الدول الثلاث على بناء منظومة قيادة وتنسيق فعالة تمنع التصعيد غير المحسوب.
وأوضح الشريف أن التطورات في اليمن ستظل عاملاً رئيسياً في تحديد طبيعة المرحلة المقبلة.
خصوصاً مع تصاعد العمليات العسكرية وتبادل الهجمات؛ وبالتالي فإن التحدي أمام الحلف هو تعزيز الردع وحماية السعودية، دون أن يتحول الانتشار الدفاعي إلى عامل يؤدي إلى توسيع نطاق الحرب إقليمياً.