تواصل الجزائر تعزيز جهودها في مجال الوقاية من السرطان ومكافحته، من خلال توسيع نطاق الكشف المبكر وتوظيف التكنولوجيات الحديثة لتقريب الخدمات الصحية من المواطنات، حيث تم إطلاق أول قافلة متنقلة ومتصلة مخصصة لهذا الغرض تجوب عددًا من ولايات الوطن، وفق برنامج يمتد من أكتوبر 2026 إلى غاية جانفي 2027.

وفي هذا الإطار أشرف الأمين العام لوزارة الصحة، محمد طالحي، نيابة عن وزير الصحة، البروفيسور محمد الصديق آيت مسعودان، الخميس، على فعاليات إحياء شهر أكتوبر الوردي لسنة 2026، تحت شعار “كلنا متحدون ضد السرطان”، وبموضوع «الرقمنة في خدمة الكشف والتشخيص المبكر لسرطان الثدي»، بحضور إطارات القطاع وممثلي القطاعات الوزارية الشريكة والخبراء ومهنيي الصحة وجمعيات المرضى والمجتمع المدني.

قافلة رقمية لتقريب التشخيص من المواطنات

وشهدت المناسبة الإعلان الرسمي عن انطلاق الحملة الوطنية لتكثيف الكشف المبكر عن سرطان الثدي عبر مختلف ولايات الوطن، بالتوازي مع إطلاق أول قافلة متنقلة ومتصلة مخصصة لهذا الغرض، في خطوة تعكس توجه القطاع نحو تسخير الرقمنة والتكنولوجيات الحديثة لتحسين الخدمات الصحية وتوسيع الاستفادة من الفحوصات المتخصصة.

وتتوفر القافلة على أحدث أجهزة التصوير الشعاعي الرقمي للثدي، كما جرى ربطها بتقنية الاتصال ذات التدفق العالي بمركز بيار وماري كوري بالعاصمة، بما يسمح بالاستعانة بالخبرة الطبية عن بُعد، وتسهيل قراءة نتائج الفحوصات والتشخيص وتوجيه المريضات، لاسيما في المناطق التي تحتاج إلى دعم إضافي في مجال التكفل بسرطان الثدي.

ومن المقرر أن تجوب هذه القافلة عددًا من ولايات الوطن، وفق برنامج يمتد من أكتوبر 2026 إلى غاية جانفي 2027، بما يساهم في تقريب خدمات الكشف من النساء وتجاوز بعض الصعوبات المرتبطة ببعد المسافة أو محدودية الوصول إلى الهياكل الطبية المتخصصة.

وتندرج هذه المبادرة ضمن مساعي وزارة الصحة لتقليص الفوارق في الاستفادة من الخدمات الصحية، وترسيخ مبدأ أن الحق في الصحة لا يقتصر على العلاج بعد ظهور المرض، بل يشمل الوقاية والكشف المبكر وضمان الوصول إلى التشخيص والتكفل في الوقت المناسب.

سرطان الثدي.. تحدٍّ صحي يستدعي الكشف المبكر

وأكد الوزير أن إحياء أكتوبر الوردي يشكل محطة وطنية متجددة لتأكيد التزام الدولة الجزائرية بمكافحة السرطان، ولاسيما سرطان الثدي، من خلال مقاربة متكاملة تقوم على الوقاية والكشف المبكر والتشخيص والعلاج والتكفل النوعي والمرافقة المستمرة للمريضة عبر مختلف مراحل مسارها العلاجي.

وأوضح في هذا السياق أن الحق في الصحة لا يقتصر على توفير العلاج عند ظهور المرض، بل يبدأ بالوقاية وإتاحة فرص الكشف المبكر وضمان الوصول إلى التشخيص والعلاج في الوقت المناسب، بما يساهم في الحد من الفوارق في الاستفادة من الخدمات الصحية.

وبحسب معطيات الشبكة الوطنية لسجلات السرطان، تم تسجيل أكثر من 56 ألف حالة جديدة من السرطان سنة 2023، بزيادة تفوق 34 بالمائة خلال أقل من عشر سنوات. ويحتل سرطان الثدي موقعًا متقدمًا ضمن هذه المعطيات، باعتباره أول سرطان يصيب المرأة الجزائرية، مع تسجيل 14.074 حالة جديدة سنويًا، وهو ما يمثل أكثر من 45 بالمائة من السرطانات لدى النساء.

كما لا يزال سرطان الثدي السبب الأول للوفيات الناجمة عن السرطان لدى النساء، في وقت أصبح يصيب النساء في سن أصغر، حيث يبلغ متوسط سن الإصابة حوالي 47 سنة.

وفي المقابل، أبرز الوزير أن الكشف عن سرطان الثدي في مراحله المبكرة والتكفل به دون تأخير يمكن أن يرفع فرص الشفاء إلى أكثر من 90 بالمائة، وهو ما يجعل الكشف المبكر محورًا أساسيًا في جهود مكافحة هذا المرض.

الرقمنة لتحسين مسار التكفل بمرضى السرطان

وفي إطار تعزيز الرقمنة في المجال الصحي، أشار الوزير إلى العمل على تعميم الملف الطبي الإلكتروني ورقمنة المواعيد، بما فيها مواعيد العلاج الإشعاعي، بهدف تقليص آجال الانتظار وتحسين تنظيم مسار التكفل وضمان توفر المعلومات في الوقت المناسب.

كما تم وضع منصة رقمية لمتابعة صيانة وتوافر معدات الرعاية الصحية (SMES)، بالاعتماد على مؤشرات أداء دقيقة تسمح بمتابعة آجال التدخل وتقليص مدة الأعطال، إلى جانب لوحات قيادة رقمية لمتابعة تنفيذ الاستراتيجية الوطنية ومؤشرات التكفل بمرضى السرطان.

وتعمل الوزارة كذلك على إدماج الأشعة عن بُعد والاجتماعات متعددة التخصصات عن بُعد (e-RCP)، بما يسمح بتقاسم الخبرة الطبية وتسهيل اتخاذ القرار العلاجي في المناطق التي تفتقر إلى بعض التخصصات، مع إيلاء أهمية قصوى لسرية البيانات الصحية وحمايتها.

تعزيز قدرات العلاج وتوفير الأدوية

وفيما يتعلق بتعزيز قدرات التكفل بالسرطان، أوضح الوزير أن الجزائر تتوفر حاليًا على 15 مركزًا لمكافحة السرطان، و24 مصلحة للعلاج بالأشعة و61 مسرعًا خطيًا، مع برمجة فتح مصالح جديدة للعلاج بالأشعة واقتناء 16 مسرعًا خطيًا في أفق سنة 2028.

كما تم إدماج 52 علاجًا مبتكرًا ضمن الترسانة العلاجية الوطنية، لاسيما العلاجات الموجهة والعلاج المناعي، فيما يرتقب دخول جهاز التصوير المقطعي بالإصدار البوزيتروني (PET Scan) بولاية تيزي وزو حيز الخدمة قبل نهاية السنة الجارية.

وبالموازاة مع ذلك، تتواصل جهود الوزارة لضمان توفير الأدوية المضادة للسرطان والمستلزمات الطبية، من خلال تعزيز المتابعة والتنسيق والاستباق في تقدير الاحتياجات، حيث تم تخصيص أكثر من 73 مليار دينار لصندوق مكافحة السرطان في إطار المبادرة الوطنية لمكافحة السرطان، مع تدعيم موارده سنويًا بمبلغ 40 مليار دينار، فضلًا عن الاعتمادات المخصصة ضمن ميزانية الدولة.

استراتيجية وطنية لمكافحة السرطان حتى 2035

وتندرج هذه الجهود في إطار تنفيذ الاستراتيجية الوطنية للوقاية ومكافحة السرطان 2025-2035، وفق توجيهات السيد رئيس الجمهورية، السيد عبد المجيد تبون، والتي تقوم على مقاربة متكاملة تشمل الوقاية والكشف والتشخيص المبكر والعلاج والمرافقة وإعادة التأهيل، بما يضع المريض في قلب المنظومة الصحية.

وفي مجال الوقاية، أكد وزير الصحة أن مكافحة عوامل الخطر تمثل خط الدفاع الأول في مواجهة السرطان والأمراض غير السارية بصفة عامة، خاصة التدخين والنظام الغذائي غير المتوازن وقلة النشاط البدني وزيادة الوزن والسمنة، فضلًا عن بعض العوامل البيئية.

وتواصل وزارة الصحة، في هذا الإطار، تنفيذ حملاتها الوقائية والتوعوية، من خلال الأسبوع الوطني للوقاية، وصالون الإعلام حول السرطان (SICAN) الذي بلغ طبعته السابعة، بالتنسيق مع الفدرالية الجزائرية لجمعيات مرضى السرطان.

كما تساهم العيادات المتنقلة في تقريب خدمات الكشف من المواطنات، حيث استفادت أكثر من 2000 امرأة خلال سنة 2025 من عمليات الكشف عبر سبع ولايات، هي أدرار، وتيميمون، وبني عباس، وغليزان، ومعسكر، وبجاية، وأم البواقي.

وتعتمد منظومة الكشف والتشخيص المبكر على هياكل الصحة الجوارية، مع التركيز على الدور المركزي للطبيب العام، وتعزيز كفاءاته من خلال شهادة الدراسات المتخصصة (CES) في علم أمراض الثدي، إلى جانب تطوير منظومة الرصد الوبائي للسرطان عبر الشبكة الوطنية لسجلات السرطان، بما يوفر المعطيات اللازمة لتوجيه السياسات والبرامج الصحية على أسس علمية.

كما تعمل الوزارة، في إطار المقاربة متعددة القطاعات، على تنفيذ الخطة الاستراتيجية الوطنية المتعددة القطاعات للوقاية من الأمراض غير السارية ومكافحتها 2026-2030، التي تجعل مكافحة عوامل الخطر أولوية وطنية، بالتوازي مع العمل على خطة متعددة القطاعات لمكافحة السمنة والتطوير المستمر لخطة وطنية للتغذية والصحة.

مكافحة السرطان مسؤولية جماعية

وأكد وزير الصحة أن مكافحة السرطان مسؤولية جماعية تتطلب تنسيقًا مستمرًا بين مختلف القطاعات والمؤسسات والفاعلين، وهو ما يترجمه إنشاء لجنة التنسيق بين القطاعات في مجال الوقاية تحت رئاسة الوزارة الأولى، بما يعزز العمل المشترك ويكرس إشراك جمعيات المرضى في هذه الديناميكية الوطنية.

كما جدد الوزير التزام الدولة الجزائرية بمواصلة تعبئة الوسائل البشرية والمادية والمالية اللازمة لتحسين جودة التكفل، وتقريب الخدمات الصحية من المواطنات وضمان استمراريتها.