أكد الخبير الاقتصادي، عبد النور قاشي، أن القارة الإفريقية لم تعد بالنسبة للمؤسسات الاقتصادية الجزائرية مجرد وجهة لتصريف المنتجات، بل أصبحت فضاء استراتيجيا لإعادة بناء الحضور اقتصاد الجزائر خارج الحدود، والانتقال من منطق التصدير التقليدي إلى منطق الشراكة والاستثمار وبناء سلاسل قيمة مشتركة قادرة على الاستمرار.

وأوضح قاشي في تصريح خص به “الإخبارية” أن المؤسسة الجزائرية التي تدخل السوق الإفريقية اليوم لا تبحث فقط عن بيع منتجها، وإنما تسعى بشكل متزايد إلى إيجاد شركاء محليين، وإنشاء شبكات توزيع، وتوطين بعض مراحل الإنتاج والخدمات، بما يحول السوق الإفريقية من محطة للبيع إلى امتداد حقيقي للنشاط الاقتصادي.

وأشار الخبير إلى أن الأرقام المسجلة خلال السنوات الأخيرة تكشف اتساع حجم الفرص المتاحة أمام المؤسسات الجزائرية في القارة، إذ بلغت حصة الجزائر من إجمالي التجارة البينية الإفريقية نحو 2.2 بالمائة في 2024، مقابل 1.9 بالمائة في 2022، وهو تطور يعكس اتجاها تدريجيا نحو تعزيز الاندماج التجاري مع المحيط الإفريقي، رغم أن حجم المبادلات الجزائرية مع القارة لا يزال يمتلك هوامش كبيرة للنمو.

وفي المقابل، تبقى المحروقات مكونا رئيسا في الصادرات الجزائرية نحو إفريقيا، ما يجعل رفع حصة المنتجات الصناعية والفلاحية والخدماتية ذات القيمة المضافة أحد أهم التحديات المطروحة أمام المؤسسات الوطنية.

وتأتي هذه المعطيات، بحسب المتحدث، في وقت سجلت فيه الصادرات الجزائرية خارج المحروقات نموا بنسبة 16 بالمائة خلال الثلاثي الأول من سنة 2026 مقارنة بالفترة نفسها من 2025، بما يعكس اتساع قاعدة المنتجات والمؤسسات القادرة على الوصول إلى الأسواق الخارجية.

غير أن المرحلة المقبلة، كما قال، تتطلب الانتقال من مجرد زيادة قيمة الصادرات إلى بناء حضور تجاري دائم، لأن المؤسسة التي تبيع شحنة واحدة في السوق الإفريقية تحقق عملية تصدير، بينما المؤسسة التي تؤسس شبكة توزيع أو شراكة إنتاجية أو مركز خدمات تحقق امتدادا اقتصاديا أكثر استدامة.

وتبرز أهمية هذا التحول بوضوح، يضيف قاشي، عند النظر إلى نتائج معرض التجارة البينية الإفريقية الذي احتضنته الجزائر سنة 2025، حيث تجاوزت قيمة العقود المبرمة خلال التظاهرة 48.3 مليار دولار، بينما بلغت حصة الشركات والمؤسسات الجزائرية 11.4 مليار دولار من العقود الموقعة، إضافة إلى 11.6 مليار دولار من الفرص والصفقات التي كانت آنذاك قيد الدراسة والتفاوض، أي ما مجموعه 23 مليار دولار من العقود والفرص المرتبطة بالمؤسسات الجزائرية.

وتكتسب هذه الأرقام أهمية خاصة لأنها تعكس انتقال العلاقة الاقتصادية من مجرد عرض المنتجات إلى التفاوض حول شراكات وصفقات طويلة الأمد.

كما أن مشاركة 2148 عارضا وحضور أكثر من 112 ألف زائر من 132 دولة، إلى جانب 987 مشتريا مهنيا، منحت المؤسسات الجزائرية فرصة غير مسبوقة للتعرف على احتياجات الأسواق الإفريقية وبناء علاقات مباشرة مع مستوردين وموزعين ومستثمرين.

والأهم، بحسب الخبير، أن قيمة الصفقات الجزائرية المبرمة مثلت نحو 23.6 بالمائة من إجمالي العقود المغلقة في المعرض، وهي نسبة تكشف حجم الإمكانات التي يمكن أن تتحول إلى نشاط اقتصادي فعلي إذا تمت متابعتها وتحويلها من عقود أولية إلى مشاريع إنتاج وتوزيع واستثمار.

وفي هذا السياق، شدد المتحدث على أن بناء امتداد اقتصادي مستدام في إفريقيا يبدأ من فهم اختلاف الأسواق، فالقارة ليست سوقا واحدة وإنما تضم 54 دولة، ولكل دولة خصائصها من حيث القوة الشرائية، والطلب، والتشريعات، والبنية التحتية، وأنظمة الدفع، والاحتياجات الصناعية. ولذلك فإن المؤسسة الجزائرية مطالبة بتطوير استراتيجية مختلفة لكل سوق، بدلا من الاعتماد على نموذج تصديري موحد، فقد يكون تصدير مواد البناء هو الخيار الأنسب في سوق تشهد توسعا عمرانيا، بينما يمكن أن تكون المنتجات الغذائية أو الأدوية أو التجهيزات الصناعية أكثر ملاءمة في سوق أخرى.

وبخصوص القطاعات الواعدة، اعتبر قاشي أن قطاع مواد البناء من أكثر المجالات استفادة من هذا التوجه، بالنظر إلى حجم مشاريع البنية التحتية والإسكان وإعادة الإعمار في عدد من الدول الإفريقية. وهنا تستطيع المؤسسات الجزائرية أن تنتقل من تصدير المنتج النهائي فقط إلى إقامة وحدات إنتاج أو مخازن ومراكز توزيع مشتركة، بما يقلل تكاليف النقل ويمنح المنتج الجزائري قدرة أكبر على المنافسة السعرية، ويسمح في الوقت نفسه للشريك الإفريقي بالمشاركة في القيمة المضافة.

وأضاف أن الأمر نفسه ينطبق على الصناعات الغذائية والتحويلية والمنتجات الكيميائية والبلاستيكية والمنتجات الصيدلانية والتجهيزات الكهربائية والخدمات الرقمية والهندسية، موضحا أن الميزة التنافسية الجزائرية لا ينبغي أن تقاس بسعر المنتج فقط، وإنما أيضا بجودة التصنيع، وانتظام التموين، وخدمة ما بعد البيع، وسرعة التسليم، والقدرة على توفير كميات منتظمة، وهي العناصر التي تحول العلاقة بين المصدر والمستورد إلى علاقة تجارية طويلة الأمد.

ولفت الخبير الاقتصادي إلى أن اللوجستيك تبقى إحدى أهم حلقات هذه المعادلة، فكل انخفاض في تكلفة النقل والتخزين والتأمين يمكن أن يرفع تنافسية المنتج الجزائري في الأسواق الإفريقية. ولهذا فإن تطوير الطرق العابرة للصحراء، والربط الحدودي، والموانئ، والنقل البحري والبري والجوي، إلى جانب الربط الرقمي، يمثل جزءا من السياسة التجارية وليس مجرد مشاريع بنية تحتية، لأن المؤسسة الجزائرية لن تستطيع منافسة منتجات تأتي من مسافات بعيدة إذا كانت تكلفة إيصال منتجاتها إلى السوق الإفريقية مرتفعة أو آجال التسليم غير منتظمة.

ومن هنا، تبرز أهمية الطريق العابر للصحراء والمشاريع المرتبطة بربط الجزائر بعمقها الإفريقي، إلى جانب الطريق الرابط بين تندوف والزويرات بموريتانيا، باعتبارها مشاريع يمكن أن تمنح الاقتصاد الجزائري منفذا بريا أكثر فعالية نحو أسواق غرب إفريقيا.

ومع اكتمال الربط اللوجستي، يمكن للمؤسسة الجزائرية أن تتعامل مع أسواق جديدة ليس فقط باعتبارها أسواقا نهائية، وإنما كمراكز لإعادة توزيع المنتجات الجزائرية نحو الدول المجاورة.

وختم عبد النور قاشي بالتأكيد على أن بناء امتداد اقتصادي حقيقي يتطلب أيضا الانتقال من التصدير الفردي إلى تكوين تحالفات بين المؤسسات الجزائرية.