آخر الأخبار

مختص لـ«الجزائر الآن»: نظام التربية الجديد يعيد ضبط المدرسة الجزائرية

شارك

في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي

بواسطة محمد بلقور
مصدر الصورة
الكاتب: محمد بلقور

مختص لـ«الجزائر الآن»: نظام التربية الجديد يعيد ضبط المدرسة الجزائرية

الجزائر الآن – تتجه وزارة التربية الوطنية إلى اعتماد نظام داخلي موحد لمؤسسات التربية والتعليم.

خطوة تستهدف إعادة تنظيم الحياة المدرسية ضمن مرجعية واحدة تضبط مختلف الجوانب المرتبطة بالانضباط والمواظبة والصحة والأمن وحقوق وواجبات التلاميذ والموظفين والأولياء.

يأتي هذا التوجه في سياق تتداخل فيه داخل المدرسة ملفات تتجاوز التدريس اليومي.

من حماية الأطفال ومكافحة المخدرات والمؤثرات العقلية، إلى تنظيم استعمال الهواتف والتصوير، ومواجهة العنف والتنمر الإلكتروني.

تعزيز العلاقة بين الأسرة والمؤسسة التربوية.

كما يحدد النظام قواعد دخول وخروج التلاميذ، وتنظيم حركة الزوار والأولياء، ومتابعة الغيابات والتأخرات.

إلى جانب إلزامية تحية العلم والنشيد الوطني، وضبط المظهر المدرسي، وتعزيز إجراءات النظافة والصحة والوقاية والأمن.

القرار يعالج حاجة تنظيمية واضحة

توحيد القواعد داخل المؤسسات التربوية يمنح المدرسة مرجعية أكثر وضوحًا في التعامل مع المواقف اليومية.

يقلل مساحة الاجتهاد في مسائل تمس التلميذ والأسرة والأستاذ والإدارة في آن واحد.

هذه النقطة تكتسب أهمية خاصة في مؤسسة تضم فئات مختلفة وتتعامل يوميًا مع مئات التلاميذ.

فكلما كانت القواعد واضحة ومعلنة ومفهومة، أصبح تطبيقها أكثر اتساقًا، وأصبح من الأسهل تحديد المسؤوليات عند وقوع مشكلة أو اختلاف في التقدير.

يبرز ذلك خصوصًا في الإجراءات المتعلقة بدخول وخروج التلاميذ، والغيابات والتأخرات، وحركة الأولياء والزوار.

هي تفاصيل قد تبدو إدارية في ظاهرها، لكنها ترتبط مباشرة بأمن المؤسسة واستقرارها وقدرتها على أداء وظيفتها التربوية.

كما أن إدخال ملفات مثل حماية الطفل والمخدرات والاستعمال غير المنضبط للهواتف والتصوير إلى صلب النظام الداخلي يعكس محاولة للتعامل مع التحولات التي طرأت على البيئة المدرسية.

بدل ترك المؤسسات تواجهها كل واحدة وفق تقديرها الخاص.

الانضباط يتحول إلى جزء من التربية

يؤكد المختص في المجال التربوي في قطاع التربية الوطنية الأستاذ جمال توبة، في تصريح لـ”الجزائر الآن”، أن توحيد النظام الداخلي يمثل خطوة مهمة نحو توحيد المرجعية التنظيمية داخل المدرسة الجزائرية، ووضع إطار واضح يحدد حقوق وواجبات مختلف أفراد الجماعة التربوية.

يشدد توبة على أن نجاح النظام يبقى مرتبطًا بحسن تطبيقه بروح تربوية، موضحًا أن الانضباط الحقيقي لا يقوم على التخويف أو العقاب.

وإنما على قواعد واضحة يعرفها التلميذ والأستاذ والولي وتطبق بعدل واحترام، مع مراعاة سن التلميذ ومصلحته الفضلى.

ويرى توبة أن الإجراءات الجديدة تستجيب إلى حد كبير للحاجة الفعلية إلى إعادة تنظيم الحياة المدرسية، خاصة في ما يتعلق بمواقيت الدخول والخروج والاستراحة، وحركة التلاميذ داخل المؤسسة، والمواظبة والمظهر المدرسي.

يضيف أن الانضباط، عندما يكون واضحًا وعادلًا ومتناسبًا مع سن التلميذ، يصبح جزءًا من التربية نفسها، لأنه يعلم الطفل احترام الوقت والآخرين والمكان الذي يتعلم فيه.

والالتزام بالقواعد التي تسمح للجماعة المدرسية بالعمل في ظروف سليمة.

يشدد في المقابل على ضرورة أن ترافق هذه القواعد عمليات توعية وحوار وتفسير للتلميذ حول أسباب وجودها، حتى لا يتحول النظام إلى مجرد مجموعة من الممنوعات والإجراءات.

من هذه الزاوية، فإن قيمة النظام الموحد لا تقاس بعدد الممنوعات التي يتضمنها، وإنما بقدرته على جعل القواعد المدرسية معروفة مسبقًا لجميع الأطراف.

فوضوح القاعدة يقلل مساحة النزاع حولها، ويمنح الإدارة والأستاذ والتلميذ إطارًا يمكن الرجوع إليه عند الاختلاف، كما يساعد الأسرة على فهم ما تنتظره المؤسسة منها وما يمكن أن تنتظره بدورها من المدرسة.

حماية الطفل مسؤولية المدرسة

تبرز في النظام الجديد إجراءات ذات أهمية خاصة، لاسيما منع تسريح تلاميذ التربية التحضيرية والتعليم الابتدائي قبل موعد الخروج الرسمي عند غياب الأستاذ، حيث يتولى المربون المتخصصون تأطيرهم داخل المؤسسة إلى غاية انتهاء الفترة المحددة.

يعكس هذا الإجراء تصورًا أكثر وضوحًا لمسؤولية المؤسسة عن الطفل خلال وجوده داخل الفضاء المدرسي، خصوصًا في المراحل العمرية الأولى التي يحتاج فيها التلميذ إلى قدر أكبر من الرعاية والمتابعة.

ويولي توبة أهمية خاصة لقرار منع تسريح تلاميذ التربية التحضيرية والتعليم الابتدائي قبل موعد الخروج الرسمي في حال غياب الأستاذ، معتبرًا أن الطفل في هذه المرحلة يحتاج إلى رعاية وتأطير مستمرين ولا يمكن التعامل معه بالطريقة نفسها التي يتم بها التعامل مع التلاميذ الأكبر سنًا.

وأوضح أن إبقاء الطفل داخل المؤسسة مع توفير التأطير اللازم يضمن استمرار مسؤولية المدرسة عنه، ويجنبه وضعيات قد تعرضه للخطر أو الفوضى.

لكنه نبه في الوقت نفسه إلى أن نجاح هذا الإجراء يتطلب توفير التأطير البشري والتنظيم الجيد، حتى لا يبقى مجرد نص يصعب تجسيده ميدانيًا.

ويضع هذا الإجراء مسؤولية الحماية في مكانها الطبيعي: داخل المؤسسة طوال الفترة التي يفترض أن يكون فيها الطفل تحت إشرافها.

مع ذلك، فإن نجاحه يرتبط بقدرة المؤسسات على توفير التأطير المطلوب، وهو ما يجعل التطبيق الميداني جزءًا أساسيًا من نجاح التنظيم الجديد، إلى جانب النص نفسه.

الوقاية من المخدرات تبدأ مبكرًا

وبخصوص إدراج الكشف عن المخدرات والمؤثرات العقلية في النظام الداخلي، يرى توبة أن الإجراء يمكن أن يشكل خطوة مهمة في مجال الوقاية المبكرة، خصوصًا إذا تم في الحالات التي تستدعي ذلك، وباحترام كامل للضوابط القانونية وحقوق التلميذ.

يؤكد أن الهدف ينبغي أن يكون الوقاية والحماية وليس العقاب أو التشهير، مع ضرورة مرافقة الكشف بالتوعية والدعم النفسي والتربوي والتنسيق بين المدرسة والأسرة والجهات المختصة.

ويضيف أن التعامل المبكر مع المؤشرات المقلقة يسمح بمعالجة المشكلة قبل تفاقمها، داعيًا إلى مقاربة شاملة للوقاية من المخدرات داخل مختلف الأوساط المدرسية.

يعتبر توبة أن عدم ترتيب الإقصاء الدراسي على نتيجة التحليل الإيجابية يعكس انتقالًا من منطق العقوبة والإقصاء إلى منطق الوقاية والعلاج وإعادة الإدماج.

يقول إن التلميذ الذي يواجه مشكلة يحتاج إلى المساعدة والتوجيه وليس إلى إغلاق أبواب مستقبله، مؤكدًا أن ضمان السرية يحمي كرامته ويمنع وصمه اجتماعيًا أو بيداغوجيًا.

مصدر الصورة

ويضيف أن حماية مستقبل التلميذ تعني معالجة الخطأ دون الحكم على الإنسان كله بسببه، لأن المدرسة مطالبة بمنح فرص جديدة للتقويم والإدماج.

وتكمن أهمية هذا الجانب في أن المدرسة تستطيع أن تكون إحدى نقاط التدخل المبكر قبل أن تتحول المشكلة إلى مسار يصعب احتواؤه.

وعندما تقترن إجراءات الكشف بالسرية والمرافقة وعدم الإقصاء، يصبح الهدف حماية المسار الدراسي للتلميذ ومعالجة الخطر في بدايته، بدل تحويل الخطأ إلى حكم دائم على صاحبه.

الهاتف يفرض قواعد جديدة داخل المدرسة

كما يتجه التنظيم الجديد إلى فرض ضوابط أكثر صرامة على استعمال الهواتف النقالة وأجهزة الاتصال والتصوير داخل المؤسسات، في ظل تنامي مخاطر التنمر الإلكتروني والتصوير غير المرخص وانتهاك الخصوصية، مع إبقاء استخدام تكنولوجيات الإعلام والاتصال ممكنًا عند الضرورة البيداغوجية وبعد الترخيص.

وبشأن منع الهواتف والتصوير داخل المؤسسات، يرى توبة أن تنظيم استعمال الهاتف والفضاء الرقمي أصبح ضرورة تربوية وأمنية، خاصة مع انتشار التصوير دون إذن والتنمر الإلكتروني وسوء استخدام الصور والمعلومات.

ويؤكد أن الغاية ليست التضييق على التلميذ، وإنما حماية خصوصيته واحترام حرمة المؤسسة والحفاظ على تركيزه داخل القسم، داعيًا في الوقت نفسه إلى مرافقة المنع بالتوعية الرقمية التي تمكن التلميذ من الاستخدام المسؤول للتكنولوجيا واحترام خصوصية الآخرين.

واللافت هنا أن التنظيم لا يتعامل مع التكنولوجيا باعتبارها مشكلة في حد ذاتها، وإنما يحاول تحديد المكان والظرف المناسبين لاستخدامها.

فالهاتف يمكن أن يكون أداة تعليمية في سياقات معينة، لكنه قد يتحول إلى مصدر إرباك أو انتهاك للخصوصية عندما يغيب الإطار المنظم.

لذلك تبدو الحاجة الأساسية هي وضع حدود مفهومة للاستخدام، مع ترك المجال مفتوحًا للاستعمال البيداغوجي حين تقتضي الحاجة.

الأسرة شريك في استقرار المدرسة

ويرى توبة أن النظام الجديد يمكن أن يعزز الشراكة بين الأسرة والمدرسة، خصوصًا من خلال إشعار الأولياء بالغيابات والتأخرات وإشراكهم في معالجة بعض الوضعيات.

ويؤكد أن متابعة التلميذ ليست مسؤولية المؤسسة وحدها، وأن العلاقة بين الطرفين ينبغي أن تقوم على التعاون والتواصل وليس على تبادل اللوم، لأن تكامل جهود الأسرة والمدرسة ينعكس مباشرة على استقرار التلميذ ونجاحه الدراسي.

وتكشف هذه النقطة عن جانب آخر من فلسفة التنظيم الجديد، يتمثل في جعل المدرسة والأسرة جزءًا من منظومة واحدة بدل أن يتحمل كل طرف المسؤولية منفردًا.

فالإدارة تحتاج إلى تعاون الأسرة في متابعة التلميذ، والأسرة تحتاج في المقابل إلى معلومات واضحة وفي الوقت المناسب حول حضوره وسلوكه ومساره الدراسي.

وفي النهاية، فإن توحيد القواعد لا يعني توحيد طريقة التعامل مع كل التلاميذ بصورة آلية، ولكن وضع إطار مشترك يسمح للمؤسسات بالتصرف وفق مرجعية واضحة، مع ترك مساحة للمقاربة التربوية التي تراعي السن والظروف والحالة الخاصة لكل تلميذ. وهذه المعادلة هي التي يمكن أن تمنح القرار قيمته العملية: قواعد موحدة، وتطبيق مسؤول، ومقاربة تحافظ على البعد التربوي.

من القواعد المتفرقة إلى مرجعية واحدة

ويخلص توبة إلى أن الهدف من النظام يتجاوز تنظيم الحياة المدرسية في بعدها اليومي، ليشمل بناء مؤسسة تربوية أكثر تنظيمًا وأمانًا وتوازنًا، من خلال جمع الانضباط والمواظبة والصحة والأمن وحماية الطفل والأنشطة وحقوق وواجبات مختلف الأطراف ضمن إطار واحد.

ويؤكد أن نجاح هذا التوجه لن يقاس بعدد المواد والإجراءات التي يتضمنها النظام، وإنما بمدى القدرة على تجسيده في الواقع وتوفير التأطير والوسائل اللازمة لتطبيقه.

.

ويضع النظام الداخلي الموحد بذلك المدرسة الجزائرية أمام اختبار تطبيقي أكثر منه اختبارًا تشريعيًا.

فوجود مرجعية واحدة يمكن أن يحسم جزءًا من التفاوت في التعامل مع القضايا اليومية، لكن أثرها الفعلي سيظهر في كيفية تنزيلها داخل الأقسام والساحات ومكاتب الإدارة، وفي مدى قدرة المؤسسات على الجمع بين الحزم والمرونة.

وفي هذا المعنى، فإن الرهان الأساسي لا يتمثل في تشديد القواعد لذاتها، ولمن في جعلها مفهومة وقابلة للتطبيق ومتوازنة مع وظيفة المدرسة.

فالتلميذ يحتاج إلى حدود واضحة، والأستاذ يحتاج إلى حماية تنظيمية أثناء أداء مهامه، والإدارة تحتاج إلى مرجعية موحدة، والأسرة تحتاج إلى معرفة دقيقة بحقوقها وواجباتها.

و إذا نجحت هذه المعادلة، يمكن للنظام الجديد أن يتحول من وثيقة تنظيمية إلى إطار عملي يعيد ترتيب العلاقة داخل المؤسسة التربوية، ويمنح المدرسة قدرة أكبر على الوقاية والتدخل وحماية التلميذ، مع الحفاظ على وظيفتها الأساسية كفضاء للتعلم والتربية وبناء الشخصية.

شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا