في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
مساهمة| الجزائر ودول الساحل: حتمية التاريخ والجغرافيا والمستقبل من حسن الجوار إلى بناء العمق الاستراتيجي الحيوي للأمن القومي الجزائري
قراءة جيوسياسية في عودة العلاقات مع مالي وتعزيز الشراكة مع النيجر وتشاد:
الجزائرالٱن _ تشكل زيارة الوزير الأول ورئيس حكومة مالي عبد الله مايغا إلى الجزائر يوم 24 أغسطس 2026 محطة مهمة في مسار إعادة العلاقات الجزائرية المالية إلى طبيعتها.
بعد مرحلة من التوتر السياسي والدبلوماسي.
وتكتسب الزيارة أهمية تتجاوز بعدها الثنائي، لأنها تأتي في سياق إعادة بناء الجزائر لعلاقاتها مع جوارها الجنوبي، وتعزيز مقاربتها تجاه منطقة الساحل على أساس حسن الجوار والتضامن واحترام السيادة والحوار والأمن والتنمية والمصالح المشتركة.
من هذه الزاوية، فإن عودة العلاقات مع مالي، بالتوازي مع تطور التعاون مع النيجر وتشاد، لا ينبغي أن تُقرأ باعتبارها مجرد تطور دبلوماسي ظرفي.
إنما باعتبارها استجابة لثلاث حتميات استراتيجية مترابطة: حتمية التاريخ، وحتمية الجغرافيا، وحتمية المستقبل.
حتمية التاريخ والجغرافيا والمستقبل
العلاقة الجزائرية مع دول الساحل ليست وليدة الظرف السياسي الراهن، وإنما تستند إلى رصيد تاريخي وإنساني عميق تشكل عبر قرون من التواصل بين شعوب المنطقة.
في فضاء صحراوي وساحلي ظل مجالاً للحركة والتبادل التجاري والثقافي والبشري، قبل أن ترسم الحدود السياسية الحديثة خريطته المعاصرة.
تحظى مالي، على وجه الخصوص، بمكانة متميزة في الذاكرة الدبلوماسية الجزائرية، بالنظر إلى الروابط التاريخية بين البلدين وإلى الدور الذي اضطلعت به الجزائر في جهود الحوار والوساطة وتسوية الأزمات في المنطقة.
عليه، فإن استعادة العلاقات الطبيعية بين الجزائر ومالي لا تعني تأسيس علاقة جديدة، بقدر ما تعني إعادة بناء علاقة تاريخية تعطلت بفعل ظروف سياسية وأمنية.
غير أن التاريخ لا يفسر وحده هذه الحتمية. فالجغرافيا أكثر ثباتاً من التحولات السياسية.
الجزائر دولة ذات امتداد صحراوي واسع، وتتقاطع حدودها ومصالحها الحيوية مع فضاء الساحل الذي يشهد تحولات سياسية وأمنية واقتصادية عميقة.
ولذلك فإن عدم الاستقرار في دول الجوار الجنوبي لا يبقى محصوراً داخل حدودها، بل يمكن أن ينتقل أثره إلى البيئة الأمنية والاقتصادية للجزائر.
أما المستقبل فيفرض تحديات أكثر تعقيداً.
فالساحل يواجه ضغوطاً ديموغرافية ومناخية واقتصادية متزايدة، وضعفاً في البنية التحتية، واختلالات في الطاقة، إلى جانب الإرهاب والجريمة المنظمة والاتجار غير المشروع والهجرة غير النظامية، فضلاً عن تصاعد التنافس الدولي والإقليمي حول الموارد والممرات والأسواق.
لذلك، فإن المصلحة الجزائرية لا تتوقف عند تأمين الحدود، وإنما تمتد إلى بناء جوار مستقر وقادر على حماية أراضيه ومؤسساته ومصالحه الوطنية.
العمق الاستراتيجي الحيوي والمجال الحيوي للأمن القومي
تفرض التحولات التي تعرفها منطقة الساحل إعادة النظر في مفهوم الأمن. فالأمن لم يعد يختزل في حماية الحدود الوطنية، لأن مصادر التهديد نفسها أصبحت عابرة للحدود.
ومن هذا المنظور، تشكل مالي والنيجر وتشاد، بدرجات متفاوتة، مكونات أساسية من العمق الاستراتيجي الحيوي للجزائر ومن المجال الحيوي لأمنها القومي.
ولا ينبغي أن يُفهم هذا المفهوم بمنطق النفوذ أو الوصاية.
فالعمق الاستراتيجي هنا يعني المجال الجغرافي والسياسي والأمني الذي تتقاطع فيه المصالح الحيوية للجزائر مع مصالح دول الجوار، بحيث يصبح استقراره جزءاً من الأمن الجزائري، كما يصبح استقرار الجزائر مصلحة لدول المنطقة.
وتكتسب الدول الثلاث أهمية مختلفة داخل هذا العمق. فمالي تمثل الامتداد الغربي الأكثر حساسية، والنيجر تمثل حلقة مركزية ذات أهمية أمنية وطاقوية وجيو-اقتصادية، بينما تشكل تشاد امتداداً شرقياً يتصل بالمجال الليبي والسوداني ووسط إفريقيا.
ومن ثم، فإن الأمن الجزائري في الجنوب لا يمكن اختزاله في مراقبة الحدود، وإنما يتطلب بناء بيئة إقليمية مستقرة قادرة على الحد من إنتاج التهديدات قبل وصول آثارها إلى المجال الجزائري.
المقاربة الجزائرية: احترام السيادة وبناء القدرات
تقوم المقاربة الجزائرية تجاه دول الجوار على مبادئ واضحة تتمثل في احترام السيادة الوطنية، وعدم التدخل في الشؤون الداخلية، والحوار، وحسن الجوار والتضامن، ودعم الحلول السياسية للأزمات، وتعزيز قدرة دول المنطقة على حماية أمنها ومصالحها الوطنية.
وتكمن خصوصية هذه المقاربة في أنها لا تستهدف إقامة مجال نفوذ جزائري أو علاقات تبعية، ولا تسعى إلى التأثير في القرار السياسي للدول المجاورة.
فالجزائر لا تبحث عن جوار يدور في فلكها، وإنما عن جوار مستقر يمتلك القدرة على حماية سيادته واتخاذ قراراته بصورة مستقلة.
في هذا الإطار، اكتسب التعاون في مجال بناء القدرات أهمية خاصة. فقد ساهمت الجزائر على مدى عقود في تكوين وتأهيل إطارات عسكرية ومدنية من دول الجوار والدول الإفريقية، ونقلت خبراتها في مجالات مختلفة.
انطلاقاً من قناعة بأن بناء المؤسسات وتكوين الكفاءات الوطنية يمثلان أحد الشروط الأساسية للاستقرار المستدام.
هنا يظهر الفارق بين التأثير في الجوار وتمكين الجوار. فتمكين الدول من تطوير مؤسساتها وكفاءاتها وقدراتها الوطنية يعزز استقلال قرارها، ويقلل من قابلية مؤسساتها للارتهان أو الاختراق الخارجي.
يتصل بذلك الموقف الجزائري من التدخلات الخارجية في منطقة الساحل والصحراء.
فالجزائر ترى أن هشاشة بعض دول المنطقة لا ينبغي أن تتحول إلى مبرر لإعادة تشكيل خياراتها السياسية أو الأمنية من الخارج، ولا إلى مدخل لتحويل الساحل إلى ساحة مفتوحة لتنافس القوى.
وتزداد المسألة تعقيداً مع تنامي أدوار فاعلين غير تقليديين إلى جانب الدول والقوى الإقليمية والدولية، بما في ذلك الجماعات المسلحة وشبكات الجريمة المنظمة والاتجار غير المشروع وبعض الشركات الأمنية والعسكرية الخاصة والشبكات العابرة للحدود.
ومن ثم، فإن تعزيز سيادة دول الساحل وقدرتها المؤسسية والأمنية لا يمثل بالنسبة للجزائر موقفاً دبلوماسياً فحسب، بل يشكل مصلحة مباشرة من مصالح أمنها القومي.
من التضامن إلى التنمية: البعد الجيو-اقتصادي
تتجاوز المقاربة الجزائرية المجال السياسي والأمني عندما تتحول مبادئ التضامن وحسن الجوار إلى مشاريع طاقوية وتنموية وبشرية.
ويقدم قطاع الكهرباء والطاقة نموذجاً واضحاً لذلك.
في النيجر، أنجزت الجزائر محطة كهرباء للتضامن الجزائري النيجري بقدرة 40 ميغاواط، بما يساهم في دعم إمدادات الطاقة والنشاط الاقتصادي.
كما يتطور التعاون في المجال الطاقوي ليشمل الخبرة والهندسة والطاقات المتجددة، بما يفتح المجال أمام شراكات أكثر استدامة.
وفي تشاد، يتجسد التعاون من خلال مشروع محطة لإنتاج الكهرباء بقدرة 40 ميغاواط في نجامينا، إلى جانب نقل الخبرة الجزائرية وتكوين الكفاءات التشادية في مجال استغلال محطات الكهرباء وإدارة الشبكات.
تتجاوز أهمية هذه المشاريع بعدها التقني. فالطاقة في دول تعاني من ضعف البنية التحتية ليست مجرد مورد اقتصادي، وإنما شرط للإنتاج والاستثمار والتعليم والصحة والخدمات، وبالتالي أحد مكونات الاستقرار الاجتماعي والاقتصادي.
من هنا تكتسب الدبلوماسية التنموية الجزائرية بعداً جيو-اقتصادياً؛ إذ تتحول الطاقة والخبرة والتكوين إلى أدوات لبناء مصالح مشتركة طويلة الأمد، دون تحويل التعاون إلى تبعية.
هذا هو جوهر الانتقال من التضامن إلى الشراكة: مساعدة الدول على بناء قدراتها، وفتح مجالات للتعاون الاقتصادي، وربط التنمية بالاستقرار.
مالي والنيجر وتشاد: اختلاف السياقات ووحدة الرؤية
لا تتطابق طبيعة العلاقات الجزائرية مع مالي والنيجر وتشاد، لكن الدول الثلاث تشترك في موقعها داخل العمق الساحلي للجزائر.
مالي تمثل اليوم الاختبار السياسي والدبلوماسي الأبرز، لأن استعادة الحوار معها تعني إعادة بناء قناة مباشرة بين دولتين تجمعهما روابط تاريخية وجغرافية ومصالح أمنية متشابكة.
وقد سبقت الزيارة الحالية اتصالات سياسية رفيعة المستوى أكدت الرغبة المشتركة في إعطاء العلاقات الثنائية ديناميكية جديدة على أساس الأخوة وحسن الجوار.
أما النيجر، فتقدم نموذجاً متقدماً للانتقال من التضامن إلى التعاون الطاقوي والتنموي، بما يفتح المجال أمام توسيع الشراكة في مجالات الطاقة والخبرة والبنية التحتية.
وفي تشاد، يبرز البعد التنموي والتقني بصورة أوضح من خلال مشاريع الكهرباء ونقل المعرفة وبناء القدرات.
وهذا الاختلاف لا يمثل نقطة ضعف، بل يسمح للجزائر بتطوير مقاربة مرنة تتكيف مع خصوصية كل دولة، مع الحفاظ على ثوابت سياستها تجاه المنطقة.
نحو فضاء جيو-اقتصادي أكثر ترابطاً
إذا كان الأمن شرطاً أساسياً للاستقرار، فإن التنمية والربط الاقتصادي يمثلان أساس استدامته.
وتمتلك الجزائر عناصر مهمة تؤهلها للمساهمة في بناء الترابط بين شمال إفريقيا والساحل: الموقع الجغرافي، الموارد الطاقوية، الخبرة التقنية، القدرات الهندسية، والبنية التحتية التي يمكن أن تشكل قاعدة للتوسع جنوباً.
في المقابل، تمتلك دول الساحل موارد طبيعية مهمة وأسواقاً قابلة للنمو واحتياجات واسعة في مجالات الطاقة والنقل والبنية التحتية والاتصالات والخدمات.
ومن هنا تبرز فرصة الانتقال من علاقات يغلب عليها الطابع التضامني إلى علاقات إنتاج وتبادل واستثمار ومصالح اقتصادية متبادلة.
فالطرق والممرات التجارية والطاقة والاتصالات واللوجستيك والتجارة الحدودية يمكن أن تتحول إلى منظومة واحدة لإعادة ربط الشمال بالجنوب، وتحويل المجال الحدودي من منطقة فصل ومخاطر إلى مجال للاتصال وإنتاج القيمة.
هذا التحول يحمل بعداً أمنياً بقدر ما يحمل بعداً اقتصادياً؛ فكلما ازدادت قدرة دول الساحل على إنتاج الطاقة، وتطوير بنيتها التحتية، وخلق فرص العمل، وتحسين مؤسساتها، انخفضت بعض مصادر الهشاشة التي تغذي عدم الاستقرار.
ومن هنا يصبح التعاون الاقتصادي جزءاً من استراتيجية الوقاية الأمنية، وليس مجرد نشاط تجاري منفصل عن الحسابات الجيوسياسية.
خاتمة
إن عودة العلاقات الجزائرية المالية، وتعزيز الشراكة مع النيجر وتشاد، ينبغي أن تُقرأ ضمن تحول أوسع في علاقة الجزائر بمحيطها الساحلي.
فالتاريخ يفرض الحفاظ على الروابط الإنسانية والسياسية، والجغرافيا تجعل استقرار الجوار جزءاً من الأمن الجزائري، والمستقبل يفرض بناء شراكات جديدة قادرة على مواجهة التحولات الأمنية والاقتصادية والديموغرافية والمناخية التي ستعيد تشكيل المنطقة.
من هذا المنظور، فإن بناء العمق الاستراتيجي الحيوي للجزائر في الساحل لا يقوم على توسيع النفوذ، وإنما على توسيع دائرة الاستقرار والمصالح المشتركة. ولا يقوم على التأثير في القرارات السيادية لدول الجوار، وإنما على مساعدتها في بناء مؤسساتها وقدراتها الوطنية.
وتكتسب عودة العلاقات مع مالي أهمية خاصة لأنها تعيد فتح المسار السياسي والدبلوماسي، بينما تقدم التجربة مع النيجر وتشاد نماذج عملية لتحويل التضامن إلى تعاون تنموي وطاقوي وجيو-اقتصادي.
التحدي الحقيقي أمام الجزائر هو الانتقال من العلاقات الثنائية والمبادرات القطاعية إلى رؤية إقليمية متكاملة للساحل، تتكامل فيها الدبلوماسية مع الأمن، والتنمية مع الطاقة، والتكوين مع بناء القدرات، والتعاون الاقتصادي مع الاستقرار الإقليمي.
فالجزائر لا تحتاج إلى جوار تابع، وإنما إلى جوار مستقر وقوي وقادر على حماية سيادته.
وهذا هو المعنى الاستراتيجي الأعمق لفكرة العمق الحيوي: أن تكون البيئة المحيطة بالجزائر بيئة استقرار وشراكة وتنمية، لا ساحة للتنافس الخارجي أو إنتاج التهديدات.
المصدر:
الجزائر الآن
مصدر الصورة