تتجه البشرية نحو تحول ديموغرافي غير مسبوق، مع استمرار تراجع معدلات الولادة في عدد كبير من دول العالم، بما ينذر بتغيرات عميقة في الاقتصاد والسياسة والهجرة وطبيعة المجتمعات خلال العقود المقبلة.
وفي هذا السياق، كشفت مجلة “L’Express” الفرنسية أن عدد سكان العالم قد يصل إلى ذروته خلال العقود المقبلة قبل أن يبدأ مسارًا تنازليًا، في تحول يعكس انقلابًا كبيرًا في النظرة التقليدية إلى النمو السكاني.
وبحسب أحدث توقعات الأمم المتحدة الصادرة عام 2024، من المنتظر أن تبلغ البشرية ذروة عدد سكانها في بداية ثمانينيات هذا القرن، غير أن بعض الخبراء يرجحون حدوث هذه الذروة في وقت أبكر، وربما منذ خمسينيات القرن الحالي. وتشير المعطيات إلى أن أكثر من 40 دولة تسجل حاليًا تراجعًا في عدد سكانها.
من جهة أخرى، لم يعد انخفاض الخصوبة مقتصرًا على الدول الغنية. فالبرازيل تسجل نحو 1.6 طفل لكل امرأة، بينما تراجع المعدل في الهند إلى نحو 1.9 طفل، أي دون مستوى تعويض الأجيال المقدر بنحو 2.1 طفل لكل امرأة.
وفي المقابل، يبرز تأثير الشيخوخة بشكل واضح على أنظمة التقاعد والرعاية الاجتماعية، إذ يؤدي انخفاض عدد الشباب إلى تقلص القوة العاملة وارتفاع الضغط على ميزانيات التقاعد والصحة. ويرى خبراء أن الاقتصادات ستواجه مستقبلًا تحديات مرتبطة بنقص العمالة والاستثمار والاستهلاك والابتكار.
كما تزداد أهمية الهجرة في مواجهة هذا التحول، خصوصًا في الدول التي تعاني نقصًا متزايدًا في اليد العاملة. وتشير المجلة ذاتها إلى أن إفريقيا ستكون من المناطق القليلة التي سيستمر فيها النمو السكاني بقوة، مع توقعات بأن يصل عدد سكان القارة إلى نحو أربعة مليارات نسمة بحلول عام 2100.
وفي هذا الإطار، قد يصبح الفرق الديموغرافي بين إفريقيا وأوروبا عاملًا مؤثرًا في حركة الهجرة خلال العقود المقبلة، خاصة مع استمرار تراجع الخصوبة في عدد من دول شمال إفريقيا ، مقابل بقاء معدلاتها أعلى في العديد من دول إفريقيا جنوب الصحراء.
وعلى صعيد آخر، يقدم اليابان صورة مبكرة لما يمكن أن ينتظر العالم، بعدما بدأ تراجعه السكاني منذ سنوات، ودخل مرحلة طويلة من النمو الاقتصادي الضعيف والشيخوخة السكانية ونقص اليد العاملة.
وفي النهاية، لا يتوقع الخبراء عودة العالم بسهولة إلى معدلات الولادة السابقة، ما يجعل الحكومات أمام تحديات جديدة تتعلق بالتقاعد والهجرة وسوق العمل والنمو الاقتصادي. ووفقًا للخبير الديموغرافي دين سبيرز، فإن استمرار معدل خصوبة عالمي عند حدود 1.5 طفل لكل امرأة قد يجعل كل جيل أقل عددًا بنحو 25 بالمئة من الجيل الذي سبقه، وهو ما قد يقود البشرية إلى عصر ديموغرافي جديد تمامًا.
المصدر:
الإخبارية