آخر الأخبار

مساهمة| الجزائر ومصر... من التوافق السياسي إلى الشراكة الجيوسياسية والتكامل الجيواقتصادي

شارك
مصدر الصورة
الكاتب: مساهمة بقلم البروفيسور عبد القادر بريش

مساهمة| الجزائر ومصر… من التوافق السياسي إلى الشراكة الجيوسياسية والتكامل الجيواقتصادي

قراءة في الأبعاد الاستراتيجية لشراكة تعيد تشكيل مراكز الثقل في الفضاءين العربي والإفريقي

الجزائرالٱن _ يشهد النظام الدولي تحولات هيكلية متسارعة أعادت رسم خرائط القوة والنفوذ،.

فلم تعد المكانة الاستراتيجية للدول تُقاس بحجم مواردها الطبيعية أو قدراتها العسكرية فحسب.

بل بقدرتها على بناء شراكات استراتيجية، وحسن توظيف موقعها الجغرافي.

تعظيم مزاياها الجيواقتصادية، والاندماج في فضاءات إقليمية قادرة على إنتاج القوة وحماية المصالح المشتركة.

في هذا السياق، برزت القوى الإقليمية المتوسطة باعتبارها فاعلاً رئيسياً في إعادة تشكيل التوازنات الإقليمية.

مستندة إلى ما تمتلكه من ثقل سياسي، وقاعدة اقتصادية، وعمق حضاري، وموقع جيوستراتيجي.

بما يمكنها من الاضطلاع بأدوار تتجاوز حدودها الوطنية، والإسهام في بناء بيئات إقليمية أكثر استقراراً وقدرة على التكيف مع التحولات الدولية.

تندرج الشراكة الجزائرية–المصرية ضمن هذا المسار، إذ لم تعد تعكس مجرد تطور في العلاقات الثنائية.

بل أصبحت تمثل خياراً استراتيجياً يقوم على تكامل المصالح، وتلاقي الرؤى، وحسن توظيف عناصر القوة التي يمتلكها البلدان.

ومن ثم، فإن هذه الشراكة تتجاوز بعدها الدبلوماسي التقليدي، لتغدو أحد النماذج العربية القليلة القادرة على الجمع بين البعد الجيوسياسي والبعد الجيواقتصادي في إطار رؤية استراتيجية متكاملة.

لا يقوم هذا المسار على اعتبارات ظرفية أو تقاطع مؤقت في المواقف.

وإنما يستند إلى توافق استراتيجي بين الرئيس عبد المجيد تبون والرئيس عبد الفتاح السيسي حول جملة من المبادئ الحاكمة للعلاقات الدولية.

في مقدمتها احترام سيادة الدول، وصون وحدتها الوطنية، وتعزيز مؤسسات الدولة، واعتماد الحلول السياسية والدبلوماسية في تسوية الأزمات.

إلى جانب الإيمان بأن الأمن والتنمية أصبحا ركيزتين متلازمتين في بناء الاستقرار الإقليمي.

تزداد أهمية هذه الشراكة في ظل التحولات التي يشهدها الاقتصاد العالمي.

حيث تتجه الدول إلى بناء أقطاب اقتصادية كبرى، وتطوير سلاسل قيمة إقليمية، وتعزيز التكامل في مجالات الصناعة والطاقة والاستثمار والخدمات اللوجستية.

وفي هذا الإطار، تمتلك الجزائر ومصر من المقومات البشرية والاقتصادية والجغرافية ما يؤهلهما للانتقال من مرحلة التنسيق السياسي إلى مرحلة بناء فضاء جيواقتصادي قادر على تعظيم المصالح المشتركة.

وتعزيز الاندماج العربي والإفريقي، ورفع القدرة التنافسية للبلدين في بيئة دولية تتزايد فيها المنافسة على الأسواق والممرات التجارية.

انطلاقاً من ذلك، لا يهدف هذا المقال إلى تقديم قراءة وصفية لمسار العلاقات الجزائرية–المصرية.

وإنما يسعى إلى تحليل أبعادها الجيوسياسية والجيواقتصادية.

وإبراز الكيفية التي يمكن أن تتحول بها هذه الشراكة إلى رافعة استراتيجية لإعادة بناء أحد أهم مراكز الثقل في الفضاءين العربي والإفريقي.

استناداً إلى تكامل الموقع الجغرافي، والموارد الاقتصادية، والأسواق، والبنية التحتية، والإرادة السياسية.

أولاً: إرث تاريخي راسخ… أساس الثقة وبناء الشراكة الاستراتيجية

يصعب فهم الديناميكية التي تعرفها العلاقات الجزائرية–المصرية اليوم بمعزل عن رصيدها التاريخي.

الذي شكل عبر عقود طويلة قاعدة صلبة للثقة المتبادلة بين البلدين.

فهذه العلاقة لم تتأسس على اعتبارات ظرفية أو مصالح آنية، وإنما تبلورت في سياق نضالي مشترك، ورسختها محطات مفصلية أكدت وحدة المصير وتشابك المصالح.

فقد كانت مصر، بقيادة الرئيس الراحل جمال عبد الناصر، من أوائل الدول التي احتضنت الثورة الجزائرية.

وقدمت لها دعماً سياسياً ودبلوماسياً وإعلامياً وعسكرياً مؤثراً، وأسهمت في تدويل القضية الجزائرية.

ترسيخ حضورها في الوعي العربي والدولي، بما وفر للثورة الجزائرية سنداً استراتيجياً خلال مسيرة التحرير الوطني.

بالمقابل، لم تتردد الجزائر، بعد استعادة استقلالها، في الوقوف إلى جانب مصر في أصعب المراحل التي واجهتها.

فقد سارعت إلى تقديم الدعم السياسي والعسكري في حرب 1967، ثم شاركت بقواتها في حرب أكتوبر 1973.

حيث امتزجت دماء الجنود الجزائريين بدماء أشقائهم المصريين في معركة الدفاع عن الأرض والكرامة، في تجسيد عملي لوحدة المصير العربي.

وترسيخ قناعة راسخة بأن أمن البلدين جزء لا يتجزأ من أمنهما المشترك.

لم يبق هذا الإرث التاريخي مجرد محطة في الذاكرة الوطنية للبلدين، بل تحول إلى رصيد استراتيجي أسهم في ترسيخ الثقة السياسية.

وخلق مناخ من التفاهم المتبادل، أتاح للعلاقات الثنائية أن تتجاوز تقلبات الظرف الإقليمي، وتحافظ على استمراريتها واستقرارها.

اليوم، يشكل هذا الرصيد التاريخي أحد أهم عناصر القوة في العلاقات الجزائرية–المصرية.

لأنه يوفر أساساً سياسياً وأخلاقياً لبناء شراكة استراتيجية أكثر عمقاً، قوامها الثقة المتبادلة.

وتكامل المصالح، ووحدة الرؤية تجاه متطلبات الأمن والاستقرار والتنمية في الفضاءين العربي والإفريقي.

ثانياً: الشراكة الجيوسياسية الجزائرية–المصرية… نحو إعادة بناء التوازن الإقليمي:

إذا كان الإرث التاريخي قد أرسى الأساس الذي قامت عليه الثقة المتبادلة بين الجزائر ومصر.

فإن التحولات التي يشهدها النظامان الإقليمي والدولي منحت هذه العلاقة مضموناً استراتيجياً جديداً.

نقلها من مستوى العلاقات الثنائية التقليدية إلى مستوى الشراكة الجيوسياسية القائمة على وحدة الرؤية وتقارب المصالح.

فالتقارب بين البلدين لا يمكن تفسيره بمنطق الظرفية السياسية أو التوافق الدبلوماسي العابر.

بل يعكس إدراكاً مشتركاً لطبيعة التحولات التي تعرفها المنطقة.

ولحاجة الدول العربية والإفريقية إلى بناء شراكات استراتيجية بين القوى الإقليمية القادرة على الإسهام في ترسيخ الاستقرار وتعزيز التنمية، بعيداً عن منطق الاستقطاب والمحاور.

في هذا الإطار، يبرز التوافق السياسي بين الرئيس عبد المجيد تبون والرئيس عبد الفتاح السيسي بوصفه أحد أهم مرتكزات الشراكة الجزائرية–المصرية.

فهذا التوافق لا يقوم على تطابق المواقف في كل الملفات، وإنما على الاشتراك في المبادئ الحاكمة للعمل السياسي والدبلوماسي.

في مقدمتها احترام سيادة الدول، والحفاظ على وحدتها الترابية، وصون مؤسساتها الوطنية.

ورفض التدخل في شؤونها الداخلية، وتغليب الحلول السياسية والدبلوماسية في معالجة الأزمات.

انطلاقاً من قناعة راسخة بأن استقرار الدول يمثل المدخل الأساسي لتحقيق الأمن والتنمية.

لا يقتصر هذا التوافق على إدارة الملفات السياسية، بل يمتد إلى رؤية أوسع لموقع البلدين داخل الفضاءين العربي والإفريقي.

فالجزائر ومصر تدركان أن المرحلة الراهنة تتطلب الانتقال من سياسة إدارة الأزمات إلى سياسة بناء موازين استقرار جديدة.

قوامها التعاون بين الدول المحورية، وتكامل الأدوار، وتعزيز العمل المشترك بما يخدم الأمن الجماعي والتنمية المستدامة.

تستمد هذه الشراكة أهميتها أيضاً من المكانة الجيوستراتيجية التي يحتلها البلدان.

فالجزائر، بموقعها الممتد بين البحر الأبيض المتوسط والعمق الإفريقي، تمثل بوابة طبيعية نحو المغرب العربي ومنطقة الساحل وإفريقيا الغربية.

كما تضطلع بدور محوري في أمن واستقرار الفضاء المتوسطي والإفريقي.

أما مصر، فتمثل نقطة ارتكاز جيوستراتيجية تربط البحر الأبيض المتوسط بالبحر الأحمر عبر قناة السويس.

أحد أهم الممرات البحرية العالمية، فضلاً عن مكانتها المحورية في المشرق العربي وشرق المتوسط والقرن الإفريقي.

عندما تتكامل هذه المواقع الجغرافية، فإنها تؤسس لفضاء استراتيجي يمتد من غرب العالم العربي إلى شرقه.

ومن الضفة الجنوبية للبحر المتوسط إلى العمق الإفريقي، بما يمنح البلدين قدرة أكبر على الإسهام في صياغة التوازنات الإقليمية، وتعزيز الاستقرار، ودعم مسارات التعاون العربي والإفريقي.

من هنا، فإن القيمة الحقيقية للشراكة الجزائرية–المصرية لا تكمن فقط في مستوى التنسيق السياسي القائم.

وإنما في قدرتها على التحول إلى نموذج عربي حديث للشراكات الاستراتيجية، يقوم على تكامل عناصر القوة.

وحسن توظيف الموقع الجغرافي، وربط الاعتبارات السياسية بالمصالح الاقتصادية، بما يجعل من الجيواقتصاد الامتداد الطبيعي للجيوسياسة.

ولذلك، فإن هذه الشراكة لا ينبغي أن تُقرأ باعتبارها علاقة ثنائية بين دولتين شقيقتين فحسب.

وإنما باعتبارها ركيزة لإعادة بناء أحد أهم مراكز الثقل في الفضاءين العربي والإفريقي.

وقاعدة يمكن البناء عليها لتطوير نماذج جديدة من التعاون العربي القائم على المصالح الاستراتيجية المستدامة، لا على ردود الفعل تجاه الأزمات.

ثالثاً: البعد الإفريقي للشراكة الجزائرية–المصرية… رافعة للبناء المؤسساتي والاندماج القاري

لا تكتمل القراءة الجيوسياسية للشراكة الجزائرية–المصرية إذا اقتصرت على بعدها العربي، لأن أحد أهم أبعادها الاستراتيجية يتمثل في امتدادها الإفريقي.

فالجزائر ومصر ليستا مجرد دولتين عربيتين تنتميان إلى القارة الإفريقية.

بل تمثلان قوتين إقليميتين تمتلكان من الرصيد السياسي والدبلوماسي والاقتصادي ما يؤهلهما للإسهام في صياغة مستقبل القارة وتعزيز مسار اندماجها.

من هذا المنطلق، يكتسب التقارب بين البلدين بعداً يتجاوز المصالح الثنائية.

ليصبح عاملاً داعماً للمشروع الإفريقي في مختلف أبعاده السياسية والاقتصادية والتنموية.

انطلاقاً من قناعة مشتركة بأن مستقبل إفريقيا يرتبط بقدرتها على بناء مؤسسات قارية قوية.

وتعزيز التكامل الاقتصادي، وتطوير البنية التحتية العابرة للحدود، وتحويل الإمكانات الطبيعية والبشرية التي تزخر بها القارة إلى قوة إنتاجية تحقق التنمية والازدهار.

في هذا الإطار، يبرز الدور الذي تضطلع به الجزائر ومصر داخل الاتحاد الإفريقي.

ليس فقط باعتبارهما عضوين فاعلين في مؤسساته، وإنما بوصفهما من الدول الداعمة لمسار البناء المؤسساتي للاتحاد.

انطلاقاً من الإيمان بأن فعالية المؤسسات القارية تمثل شرطاً أساسياً لنجاح المشروع الإفريقي.

تعزيز قدرة القارة على مواجهة التحديات المشتركة، والدفاع عن مصالحها في النظام الدولي.

كما ينسجم هذا التوجه مع الأهداف الاستراتيجية التي تضمنتها أجندة إفريقيا 2063، التي تشكل الرؤية القارية لبناء إفريقيا مزدهرة، متكاملة، وآمنة.

تقود تنميتها شعوبها، وتستند إلى اقتصاد منتج، وبنية تحتية حديثة، ومؤسسات فعالة، وحوكمة رشيدة.

في السياق نفسه، تبرز أهمية مبادرة الشراكة الجديدة من أجل تنمية إفريقيا (النيباد) باعتبارها أحد أهم الأطر التنفيذية الداعمة للتنمية القارية.

من خلال التركيز على تطوير البنية التحتية، وتحسين مناخ الاستثمار، وتعزيز الحوكمة، وتنمية الموارد البشرية.

بما يتيح للقارة الانتقال من اقتصاد يعتمد على تصدير المواد الأولية إلى اقتصاد أكثر تنوعاً وإنتاجية.

غير أن القيمة المضافة للشراكة الجزائرية–المصرية لا تكمن في دعم هذه المبادرات على المستوى السياسي فحسب.

وإنما في قدرتها على الإسهام العملي في تجسيدها ميدانياً. فكلما تعزز التنسيق بين البلدين في مجالات الاستثمار، والربط اللوجستي، وتطوير البنية التحتية، وتشجيع التجارة البينية.

اقتربت إفريقيا من تحقيق أهدافها في الاندماج الاقتصادي والتنمية المستدامة.

تكتسب هذه الرؤية أهمية مضاعفة بالنظر إلى التكامل الجغرافي بين البلدين.

فالجزائر تمثل البوابة الطبيعية نحو منطقة الساحل وإفريقيا الغربية، وتعمل على إنجاز مشاريع استراتيجية كبرى في مجالات الطرق العابرة للصحراء، والسكك الحديدية، والموانئ.

بما يعزز ربط البحر الأبيض المتوسط بالعمق الإفريقي. أما مصر، فتشكل بوابة إفريقيا الشمالية الشرقية، وتحتضن قناة السويس.

أحد أهم الممرات البحرية العالمية، بما يمنحها دوراً محورياً في حركة التجارة الدولية وربط الأسواق العالمية بالقارة الإفريقية.

عندما تتكامل هذه المقومات، فإنها تؤسس لمحور لوجستي واقتصادي يمتد من شرق القارة إلى غربها، ومن البحر المتوسط إلى دول الساحل.

بما يعزز أهداف منطقة التجارة الحرة القارية الإفريقية، ويدعم انسياب السلع والاستثمارات، ويرفع من تنافسية الاقتصادات الإفريقية.

ويعزز حضورها في سلاسل القيمة الإقليمية والعالمية.

ومن ثم، فإن البعد الإفريقي للشراكة الجزائرية–المصرية لا يمثل امتداداً جغرافياً للعلاقات الثنائية فحسب.

بل يشكل ركيزة استراتيجية لإعادة تموقع البلدين داخل القارة، والإسهام في بناء إفريقيا أكثر تكاملاً وقدرة على تحقيق التنمية المستدامة.

كما يعكس قناعة مشتركة بأن مستقبل القارة لن يصنعه توفر الموارد وحده، بل قدرة الدول الإفريقية على بناء مؤسسات قوية.

وتعزيز التكامل الاقتصادي، وتحويل الجغرافيا إلى رافعة للتنمية والنفوذ.

رابعاً: الجيواقتصاد… الترجمة العملية للشراكة الاستراتيجية الجزائرية–المصرية

إذا كانت الجيوسياسة قد وفرت الإطار الذي تبلورت في ظله الشراكة الجزائرية–المصرية.

فإن الجيواقتصاد يمثل المجال الذي ستقاس من خلاله قدرتها على الاستمرار وتحقيق نتائج ملموسة.

فالتجارب الدولية تؤكد أن الشراكات الاستراتيجية لا تُبنى على التقارب السياسي وحده، وإنما تترسخ عندما تتحول إلى مصالح اقتصادية متشابكة.

واستثمارات متبادلة، وسلاسل إنتاج متكاملة، وممرات لوجستية قادرة على إنتاج الثروة وتعزيز النفوذ.

من هذا المنظور، تمتلك الجزائر ومصر مقومات تجعل من علاقتهما نموذجاً للتكامل الجيواقتصادي أكثر منها علاقة تقوم على المنافسة.

فالقيمة المضافة لهذه الشراكة لا تنبع من تشابه البنى الاقتصادية، وإنما من تكامل المزايا النسبية التي يمتلكها كل بلد.

ما يفتح المجال لبناء فضاء اقتصادي عربي–إفريقي يتمتع بقدرات تنافسية عالية.

فيمثل الاقتصاد المصري إحدى أكبر القواعد الاقتصادية في العالم العربي وإفريقيا.

مستنداً إلى قاعدة صناعية متنوعة، وقطاع خدمات متطور، وسوق داخلية يتجاوز حجمها 110 ملايين نسمة.

فضلاً عن الموقع الاستراتيجي الذي تحتله قناة السويس باعتبارها أحد أهم الشرايين البحرية للتجارة العالمية.

وما توفره من إمكانات لوجستية وتجارية واستثمارية استثنائية.

في المقابل، تمتلك الجزائر مقومات جيواقتصادية تجعلها شريكاً استراتيجياً في أي مشروع تكاملي طويل المدى.

فهي من أبرز الدول الإفريقية في مجال الطاقة، بفضل احتياطاتها من الغاز الطبيعي والنفط، كما تمتلك ثروات منجمية واعدة،

في مقدمتها الحديد والفوسفات والمعادن الاستراتيجية، إلى جانب إمكانات زراعية متنامية.

وبرنامجاً طموحاً لتوسيع القاعدة الصناعية وتعزيز التنويع الاقتصادي.

ويضاف إلى ذلك سوق وطنية تقارب 50 مليون نسمة، تمثل ركيزة مهمة للنمو والإنتاج والاستهلاك.

كما تنفذ الجزائر برنامجاً واسعاً لتطوير البنية التحتية، يشمل توسعة شبكة الطرق والطرق السيارة، وإنجاز خطوط السكك الحديدية.

وتطوير الموانئ، وربطها بالمحاور الاقتصادية المؤدية إلى دول الساحل وإفريقيا الغربية. وتمثل مشاريع مثل خط السكة الحديدية بشار–تندوف–غار جبيلات.

والطريق العابر للصحراء، وتوسعة الموانئ التجارية، مكونات أساسية في رؤية استراتيجية.

تهدف إلى تحويل الجزائر إلى منصة لوجستية تربط البحر الأبيض المتوسط بالعمق الإفريقي.

عندما تتكامل هذه المقومات مع ما تمتلكه مصر من قاعدة صناعية متقدمة، وخبرة إنتاجية، وسوق واسعة، وبنية لوجستية عالمية.

تتشكل منظومة اقتصادية متكاملة قادرة على إنتاج قيمة مضافة تتجاوز حدود البلدين.

فالشراكة هنا لا تقوم على تبادل السلع فحسب، وإنما على بناء سلاسل قيمة مشتركة، وتطوير صناعات تكاملية، وتشجيع الاستثمار المتبادل.

بما يعزز تنافسية الاقتصادين في الأسواق العربية والإفريقية والدولية.

يمنح هذا التكامل البلدين فضاءً اقتصادياً يضم نحو 160 مليون نسمة.

وهو ما يمثل أحد أكبر الأسواق في المنطقة العربية والإفريقية، ويوفر فرصاً واسعة لتوسيع الإنتاج، وتحقيق وفورات الحجم، وجذب الاستثمارات.

تطوير الصناعات الموجهة للتصدير، بما يرسخ مكانة البلدين كمحور اقتصادي إقليمي.

تكتسب هذه الرؤية بعداً استراتيجياً إضافياً في ضوء منطقة التجارة الحرة القارية الإفريقية.

حيث يمكن للجزائر ومصر أن تضطلعا بدور محوري في ربط الفضاء الاقتصادي العربي بالأسواق الإفريقية، مستفيدتين من تكامل موقعيهما الجغرافيين، وتطور بنيتهما التحتية وما ينجزانه من مشاريع للربط القاري.

ومن شأن ذلك أن يسهم في تعزيز حركة التجارة والاستثمار، ويدعم بناء سلاسل إمداد إقليمية، ويعزز الاندماج الاقتصادي داخل القارة.

ومن ثم، فإن الرهان الحقيقي للشراكة الجزائرية–المصرية لا يتمثل في رفع حجم المبادلات التجارية وحده.

وإنما في الانتقال إلى مرحلة التكامل الإنتاجي والاستثماري، من خلال إقامة مشاريع صناعية مشتركة، وتعزيز التعاون في مجالات الطاقة.

والصناعات التحويلية، والصناعات الغذائية والدوائية، والخدمات اللوجستية، والاقتصاد الرقمي، بما يحول هذه الشراكة إلى رافعة للتنمية المستدامة.

إن الجيواقتصاد، في نهاية المطاف، هو الترجمة العملية للتوافق السياسي بين البلدين.

فحين تتكامل الموارد مع الصناعة، والأسواق مع الممرات اللوجستية، والاستثمار مع البنية التحتية، تتحول الشراكة من إطار للتنسيق السياسي إلى مشروع استراتيجي قادر على إعادة رسم جزء مهم من الخريطة الاقتصادية في الفضاءين العربي والإفريقي.

الخاتمة

تكشف القراءة الجيوسياسية والجيواقتصادية للعلاقات الجزائرية–المصرية أن هذه الشراكة لم تعد تندرج في إطار العلاقات الثنائية التقليدية.

بل أصبحت تعكس توجهاً استراتيجياً يستجيب للتحولات العميقة التي يشهدها النظام الدولي.

حيث تتزايد أهمية الشراكات الإقليمية، وتتقدم اعتبارات الجيواقتصاد على كثير من أنماط التعاون التقليدي، ويغدو تكامل المصالح أحد أهم مصادر القوة والنفوذ.

قد بينت هذه الدراسة أن ما يجمع الجزائر ومصر يتجاوز الاعتبارات التاريخية والروابط الأخوية، على أهميتها، إلى وجود تكامل موضوعي بين عناصر القوة التي يمتلكها البلدان.

فالجزائر بما تحوزه من موارد طاقوية ومنجمية، وما تنفذه من مشاريع استراتيجية في البنية التحتية والربط القاري، ومصر .

بما تمتلكه من قاعدة صناعية متقدمة، وسوق واسعة، وموقع جيوستراتيجي تتحكم من خلاله في أحد أهم الممرات البحرية العالمية.

تشكلان معاً قاعدة صلبة لبناء شراكة استراتيجية ذات امتداد عربي وإفريقي.

كما أن هذه الشراكة لا تقتصر آثارها على البلدين، وإنما تمتد إلى الفضاءين العربي والإفريقي، بالنظر إلى ما يمكن أن توفره من دعم لمسار التكامل الاقتصادي، وتعزيز للبناء المؤسساتي للاتحاد الإفريقي.

ومواكبة لتنفيذ أجندة إفريقيا 2063، والإسهام في تجسيد أهداف مبادرة النيباد، بما يعزز مكانة القارة في الاقتصاد العالمي، ويرسخ قدرتها على تحقيق تنمية أكثر استدامة.

غير أن نجاح هذا المسار يظل مرهوناً بالانتقال من مستوى التوافق السياسي إلى مستوى الإنجاز الاقتصادي والمؤسسي.

من خلال التفعيل الفعلي للاتفاقيات الثنائية المبرمة، وتسريع وتيرة تنفيذ مخرجات اللجنة العليا المشتركة الجزائرية–المصرية، وتوسيع مجالات الاستثمار والإنتاج المشترك.

وتعزيز الشراكة بين مؤسسات القطاع الخاص، وربط الجامعات ومراكز البحث والابتكار، بما يحول الإرادة السياسية إلى مشاريع تنموية واقتصادية ذات أثر ملموس ومستدام.

لقد أثبتت التجارب الدولية أن الجغرافيا تمنح الدول فرصاً، لكن الرؤية الاستراتيجية هي التي تحول هذه الفرص إلى قوة.

وإذا كانت الجغرافيا قد وضعت الجزائر ومصر في قلب الفضاءين العربي والإفريقي، فإن حسن استثمار هذه المكانة.

عبر شراكة استراتيجية تقوم على تكامل السياسة والاقتصاد والجغرافيا، كفيل بأن يحول الموقع إلى نفوذ، والموارد إلى قيمة مضافة، والإرادة السياسية إلى إنجاز تنموي واستراتيجي مستدام.

ومن ثم، فإن الشراكة الجزائرية–المصرية ليست خياراً تكتيكياً تفرضه ظروف المرحلة.

بل هي استثمار استراتيجي طويل المدى، يمكن أن يشكل أحد أهم مرتكزات إعادة بناء مراكز الثقل في الفضاءين العربي والإفريق.

يقدم نموذجاً عربياً معاصراً للشراكات الاستراتيجية القائمة على تكامل المصالح، وتعظيم القدرات، وبناء مستقبل مشترك أكثر استقراراً وازدهاراً.

شارك

الأكثر تداولا أمريكا إيران دونالد ترامب

حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا