أشرف وزير العدل حافظ الاختام لطفي بوجمعة اليوم السبت على مراسم حفل تخرّج الدفعة (29) للطلبة القضاة التي سميت على المرحوم ” محمد بوسنة” ، المتكونة من (481) طالباً قاضياً، منهم 13 طالبا قاضيا عسكريا بالمدرسة العليا للقضاء، بحضور
المدير العام للمدرسة العليا للقضاء عبد الكريم جادي، ورُؤَسَاءُ وممثلو الْهَيْئَاتِ الدُّسْتُورِيَّةِ، إِطَارَاتُ الدَّوْلَةِ الْمَدَنِيَّةِ والقَضَائِيَةِ وَالْعَسْكَرِيَّةِ وَالْأَمْنِيَّةِ رُؤَسَاءُ الْهَيْئَاتِ وَالْمُؤَسَّسَاتِ الْوَطَنِيَّةِ وَمُسَاعِدُو الْعَدَالَةِ.
وبالمناسبة أكد الوزير أن فَرْحَةَ التَّخَرُجِ وَرِفْعَةَ الْإِنْجَازِ، لَا نَحْتَفِي بِمُنَاسَبَةٍ تَتْوِيجِيَّةٍ فَحَسْبُ ، بَلْ هي وقوفا أمام مَحَطَّةٍ فَارِقَةٍ تُؤْذِنُ بِبِدَايَةِ مَسِيرَةٍ مِهْنِيَّةٍ جَلِيلَةِ الْقَدْرِ، ثَقِيلَةِ الْأَمَانَةِ، وَشَاقَّةُ الْمَهَامِ، يحمل فيها القاضي أَمَانَةَ إِقَامَةِ الْعَدْلِ وَحِمَايَةِ الْحُقُوقِ وَالْحُرِّيَّاتِ.
كما أَنَّ هَذِهِ الْوَقْفَةَ يضيف لطفي بوجمعة بمثابة جني ثِمَارَ الْجُهُودِ الْمُبْذُولَةِ فِي التَّكْوِينِ وَالتَّأْهِيلِ، وتمثّل حَلقَةً مَحْوَرِيَّةً فِي مَسَارٍ مُوَاصَلَةِ إِصْلَاحِ الْعَدَالَةِ وَتَحْدِيثَهَا، وَتَجْسِيدًا لِلرُّؤْيَةِ الَّتِي تَجْعَلُ مِنَ الاسْتِثْمَارِ فِي الْعُنْصُرِ الْبَشَرِيِّ رَكِينَتَهَا الْأُولَى فَالْقَاضِي يؤكد الوزير :”الَّذِي نُحْتَفِي بِتَخَرُّجِهِ الْيَوْمَ لَيْسَ مُجَرَّدَ مُطَبَقٍ لِنُصُوصِ الْقَانُونِ، بَلْ هُوَ ضَمِيرُ الْعَدَالَةِ الْحَيُّ، وَحَارِسُ الْمَشْرُوعِيَّةِ، وَالْمُؤْتَمَنُ عَلَى حُقُوقِ الْأَفْرَادِ وَحُرِّيَّاتِهِمْ”.
وفي كلمته هنأ الطلبة القضاة على هذا الإنجاز د الْمُسْتَحَقُ، وَهَنأ لِلْعَدَالَةِ بِانْضِمَامِ كَوْكَبَةٍ جَدِيدَةٍ مِنَ الْقُضَاةِ، آملا أن يكونوا عَلَى قَدْرِ الرِّسَالَةِ، تَطْبِيقِ الْقَانُونِ، تجسيدا لِقِيمِ الْعَدْلِ وَالْإِنْصَافِ وَالنَّزَاهَةِ.
كما كشف الوزير أن تَأْهِيلُ الْعُنْصُرِ الْبَشَرِي، وَالاسْتِثْمَارُ فِي الْقَاضِي بِاعْتِبَارِهِ حَجَرَ الزَّاوِيَةِ فِي مَنْظُومَةِ الْعَدَالَةِ، فِي صَدَارَةِ الْأَوْلَوِيَّاتِ وَالعِنَايَةِ الْخَاصَّةِ الَّتِي أَوْلَاهَا رئيس الْجُمْهُورِيَّةِ السَّيِّدُ عَبْدُ الْمَجِيدِ تَبون، رئيس الْمَجْلِسِ الْأَعْلَى لِلْقَضَاءِ، وَهَذَا إِيمَانًا مِنْهُ بِأَنَّ إِصْلَاحَ الْعَدَالَةِ لَا يَبْلُغُ غَايَاتِهِ إِلَّا بِإِعْدَادِ قَاضٍ مُتَمَكِّنٍ عِلْمًا رَاسِدٍ خُلُقًا، وَمُؤَهَّلٍ مِهْنِيًّا، وَهُوَ التَّوَجُهُ الَّذِي تَعْمَلُ الْحُكُومَةُ عَلَى تَجْسِيدِهِ بِثَبَاتٍ وَعَزْمٍ فِي إِطَارِ رُؤْيَةٍ إِسْتِرَاتِيجِيَّةٍ مُتَكَامِلَةٍ تَجْعَلُ مِنَ الْإِسْتِثْمَارِ فِي الْقَاضِي الرِّهَانَ الْحَقِيقِيِّ لِإِنْجَاحِ مَسَارِ إِصْلَاحِ الْعَدَالَةِ وَتَحْدِيهَا، معلقا الوزير في هذا السياق : ” فَالْعَدَالَةُ لَا تُقَاسُ بِوَفْرَةِ النُّصُوصِ التَّشْرِيعِيَّةِ وَجَوْدَتِهَا، وَفَقَطْ وَلَا بِتَطَوُّرِ الْمَنْشَآتِ وَالتَّقْنِيَاتِ، بِقَدْرِ مَا تُقَاسُ بِمَا تَمْتَلِكُهُ مِنْ رِجَالٍ وَنِسَاءٍ يَحْمِلُونَ رِسَالَتَهَا السَّامِيَّةَ بِعِلْمٍ وَنَزَاهَةٍ وَاسْتِقْلَالٍ، فَلَنْ تَبْلُغَ الْعَدَالَهُ غَايَاتِهَا، وَلَنْ تُحَقِّقَ رِسَالَتَهَا. إِلَّا بِقَاضٍ وَافِرِ الْعِلْمِ، نَافِذِ الْبَصِيرَةِ، سَلِيمِ الضَّمِيرِ”.
مذكّرا الطلبة القضاة أن تخرجهم يَتَزَامَنُ مَعَ صُدُورِ الْقَانُونِ الْأَسَاسِي لِلْقَضَاءِ مُنْذُ أَرْبَعَةِ أَشْهُر فِي مَحَطَّةٍ مِفْصَلِيَّةٍ مِنْ مَسَارِ تَحْدِيثِ السُّلْطَةِ الْقَضَائِيَّةِ، وَاسْتِكْمَالِ وَرْشَةِ الْإِصْلَاحَاتِ الْعَمِيقَةِ الَّتِي تَشْهَدُهَا مَنْظُومَتُنَا الْقَانُونِيَّةُ، تَجْسِيدًا لِلرُّؤْيَةِ الْإِصْلَاحِيَّةِ الَّتِي أَفَرَهَا الدُسْتُورُ الَّذِي أَرْسَى دَعَائِمَ مَرْحَلَةٍ جَدِيدَةٍ لِلسُّلْطَةِ الْقَضَائِيَّةِ، قِوَامُهَا تَعْزِيزُ الْاسْتِقْلَالِيَّةِ، وَتَرْسِيعُ التَّخَصُّصِ وَالنَّوْعِيَّةِ، وَالارْتِفَاءُ بِجَوْدَةِ الْعَمَلِ الْقَضَائِيِّ .
وَحِرْصًا عَلَى تَعْزِيزِ جَوْدَةِ الْأَدَاءِ الْقَضائي وَالرُّقِ بِنَجَاعَتِهِ، أَوْلَى الْقَانُونُ الْأَسَاسِيُّ لِلْقَضَاءِ عِنَايَةً خَاصَّةً بتكوين القُضَاةِ، إِيمَانًا بِأَنَّ الْقَاضِيَ الْمُؤَهِّلَ عِلْمًا وَمِهْنِيًّا هُوَ الرَّكِيزَةُ الأَسَاسِيَّةُ للاضطلاع برسالَتِهِ الدُّسْتُورِيَّةِ فِي حِمَايَةِ الْمُجْتَمَعِ وَصَوْنِ الْحُرِّيَّاتِ، وَضَمَانِ الْحُقوقِ وَالْحَقِّ فِي التَّقَاضِي لِلْجَمِيعِ.
وَمِنْ هَذَا المنطلق، يضيف الوزير أَبْقَى هَذَا الْقَانُونُ عَلَى الصَّلَاحِيَّاتِ الْمَحُورِيَّةِ لِلْمَدْرَسَةِ الْعُلْيَا لِلْقَضَاءِ فِي تَوَلَّى التَّكْوِينِ الْقَاعِدِي لِلطَّلَبَةِ الْقُضَاةِ، وَأَكْدَ، فِي الْوَقْتِ ذَاتِهِ عَلَى تَرْسِيحُ مَبْدَإِي التكوين المُسْتَمِر وَالتَّكْوِينِ الْمُتَخَصِصِ، وَفَقًا لِلْبَرَامِجِ الَّتِي يُصَادِقُ عَلَيْهَا الْمَجْلِسُ الْأَعْلَى لِلْقَضَاءِ، بِمَا يَكْفُلُ تَطْوِيرَ الْكَفَاءَاتِ، وَمُوَاكَبَةً التحولات التَّشْرِيعِيَّةِ وَالْقَضَائِيَّةِ، وَالارْتِفَاءَ بِجَوْدَةِ الْعَدَالَةِ وَنَجَاعَتِهَا.
بالنتيجة؛ فإِنَّ اسْتِقْلَالِيَّةَ السُّلْطَةِ الْقَضَانِيَّةِ الْمُكَرَّسَةَ دُسْتُورِيًّا، تَبْدَأُ مِنَ اسْتِقْلَالِ الْقَاضِي فِي ضَمِيرِهِ، وَفِي اجْتِهَادِهِ، وَفِي خُضُوعِهِ لِسُلْطَانِ الْقَانُونِ وَحْدَهُ دُونَ غَيْرِهِ. وَلَنْ يَتَأَنَّى لَهُ ذَلِكَ إِلَّا بِالتَّزَوُّدِ الْمُسْتَمِرِ بِالْعِلْمِ، وَتَعْمِيقِ الْمَعْرِفَةِ وَمُوَاكَبَةِ مُسْتَجَدَّاتِ التَّشْرِيعِ وَالْفِقْهِ وَالْقَضَاءِ، لِيَظُلُ قَادِرًا عَلَى أَدَاءِ رِسَالَتِهِ بِكَفَاءَةٍ وَاقْتِدَارٍ.
وَاغْتَنِمُ لطفي بوجمعة هَذِهِ الْمُنَاسَبَةَ لِتوجيه الْقُضَاةِ الْمُتَخَرِّجِينَ مجددا ليَجْعَلُوا شَرَفَ الْمِهْنَةِ فَوْقَ كُلِّ اعْتِبَارٍ، وَأَنْ يَلْتَزِمُوا بِوَاجِبِ التَّحَفْظِ، وَأَنْ يَتَرَفَّعُوا عَنِوَ الْأَهْوَاءِ وَكُلِّ مَا يَمَسُّ بِوَقَارِ الْقَضَاءِ؛ مخاطبا مجموع الطلبة: ” فَالْقَاضِي قُدْوَةٌ قَبْلَ أَنْ يَكُونَ صَاحِبَ وِلَايَةٍ، وَصَاحِبُ رِسَالَةٍ قَبْلَ أَنْ يَكُونَ صَاحِبَ وَظِيفَةٍ، يُقِيمُ الْعَدْلَ، وَيَصُونُ الْحُقُوقَ، وَيُعَزِّزُ الاِسْتِقْرَارَ، وَيُسْهِمُ فِي بِنَاءِ الدَّوْلَةِ وَازْدِهَارِهَا”.
المصدر:
النهار